علي سكاك: تحول عميق في بنية الأسرة المغربية: من العائلة الممتدة إلى صعود الفردانية، وتنامي النزعة الإستهلاكية
-علي سكاك*
لم تعد الأرقام التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط مجرد إحصائيات ديموغرافية جافة بل هي إعلان رسمي عن تحول أنثروبولوجي عميق يشهده المجتمع المغربي الانتقال من عتبة العائلة الممتدة التي تراجعت إلى 19.8 بالمائة نحو هيمنة الأسرة النووية بنسبة 73 بالمائة يعكس انهيارا تدريجيا للنماذج التقليدية للعيش المشترك.
هذا التراجع الحاد في التعايش متعدد الأجيال الذي انكمش إلى 16.8 بالمائة ليس مجرد تغير في شكل السكن بل هو تبدل جذري في بنية القيم نحن أمام انتقال من مجتمع التضامن والانتماء العائلي الواسع إلى مجتمع التمركز حول الذات والأسرة الصغيرة هذا التحول يفرز فردا مغربيا جديدا يبحث عن استقلاليته الفردية والمادية بعيدا عن سلطة الجيل الأكبر.
من زاوية سوسيولوجيا الاستهلاك يعتبر هذا الانتقال الديموغرافي زلزالا اقتصاديا وثقافيا؛ فالعائلة الممتدة قديما كانت تعتمد على الاستهلاك الجماعي والاقتصاد التشاركي داخل البيت الواحد، اليوم مع سيادة الأسرة النووية تتفتت الأنماط الاستهلاكية بشكل جذري الأسرة الصغيرة المكونة من أبوين وطفل أو طفلين تميل أكثر نحو النزعة الفردانية في الاستهلاك لم يعد الشراء بدافع التدبير الجماعي بل تلبية لحاجات فردية معزولة.
الفرد المغربي اليوم يتشكل ككائن اقتصادي يبحث عن منفعته الخاصة ضمن سياق حداثي يتسم بالسيولة وتفكك الروابط الصلبة كل فرد داخل هذه الأسرة النووية يطمح لامتلاك فضائه الخاص وأجهزته الذكية… وبالتالي لم يعد الاستهلاك مجرد تلبية لحاجيات بيولوجية بل أصبح أداة لبناء الهوية وتأكيد المكانة الاجتماعية وامتدادا للذات في ظل غياب السند العشائري العريض.
كما أن هيمنة الأسرة النووية تعني سوسيولوجيا مضاعفة الطلب على السكن الفردي والسيارات الخاصة والخدمات السريعة والوجبات الجاهزة، السوق الرأسمالي يزدهر في ظل هذه التجزئة المجتمعية حيث تتحول السلع والعلامات التجارية إلى تعويض نفسي عن دفئ العائلة الممتدة المفقود.
في النهاية تفصح بيانات بحث العائلةــــ الذي أجرته المندوبية السامية للتخطيط ـــ عن مدى انخراط المجتمع المغربي بقوة في دينامية تفكيك الروابط التقليدية لصالح بنيات أسرية أخف وأكثر مرونة. لكنها في الوقت نفسه تجعل الفرد أكثر انكشافا أمام تقلبات السوق وأكثر خضوعا لآليات التوجيه الاستهلاكي في عصرنا الحالي.
*مدرس مادة الفلسفة، و باحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية

