-نعيمة عثماني*
يشكل التداخل بين الدين والسياسة أحد أكثر الإشكالات تعقيدا في الفكر السياسي المعاصر، خاصة داخل المجتمعات التي يحتل فيها الدين موقعا مركزيا في تشكيل الهوية الجماعية وتوجيه السلوك العام. فالعلاقة بين المجالين لا تقف عند حدود التفاعل العرضي أو التقاطع الجزئي، بل تتجاوز ذلك نحو تشابك بنيوي عميق يعيد إنتاج مفاهيم السلطة والشرعية والمرجعية داخل الفضاء العام. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري يتعلق بالآليات المؤسساتية والضمانات القانونية والثقافية الكفيلة بحماية حياد المرجعية الدينية من مختلف أشكال التوظيف السياسي، وصون قدسيتها من الانزلاق نحو الصراعات الأيديولوجية.
ينبني الدين، في جوهره، على منظومة قيمية وأخلاقية موجهة للفعل الإنساني، تهدف إلى ترسيخ معاني الخير العام، والعدل، والإنصاف، والتكافل الاجتماعي، بما يمنح للسلوك البشري بعدا معياريا يتجاوز منطق المصلحة الآنية. فهو ليس مجرد منظومة شعائرية، بل مرجعية رمزية وأخلاقية تؤطر علاقة الإنسان بذاته وبغيره، وتساهم في بناء وعي قيمي يضبط التصورات والسلوكات داخل المجتمع. ومن هذا المنظور، يظل الدين مصدرا للمعنى وفضاء لتوجيه الضمير الجمعي، بما يجعله عاملا أساسيا في إنتاج التماسك الاجتماعي.
في المقابل، تنتمي السياسة إلى مجال تدبير الشأن العام، حيث تتحرك داخل فضاء واقعي تحكمه اعتبارات المصلحة العامة، وتوازنات القوى، وإدارة الاختلاف والتعدد داخل المجتمع. وهي مجال ديناميكي بطبيعته، يقوم على التفاوض والتسوية وصنع القرار، ويتأثر بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وبالتالي، فإن السياسة لا تشتغل بمنطق القيم المطلقة، بل بمنطق الممكن والعملي، حيث يتم تدبير الاختلاف لا إلغاؤه، وتنظيم المصالح لا إقصاؤها.
وعند تقاطع المجالين، تتشكل منطقة دقيقة من التفاعل بين القيمي والمصلحي، قد تؤدي في بعض السياقات إلى تعزيز البعد الأخلاقي في المجال العام، عبر استلهام القيم الدينية في ترشيد السلوك السياسي والاجتماعي. غير أن هذا التقاطع، رغم إيجابياته المحتملة، يفتح في المقابل المجال أمام مخاطر حقيقية تتمثل في تحويل الدين إلى أداة ضمن الصراع السياسي، حيث يتم توظيف الرموز والمفاهيم الدينية لتبرير مواقف ظرفية أو تعزيز شرعية فاعلين سياسيين أو تقويض خصومهم.
وتتجلى خطورة هذا الوضع بشكل خاص حين يتحول الخطاب الديني من فضاء للتوجيه الأخلاقي العام إلى أداة تعبئة سياسية أو أيديولوجية، مما يفقده طابعه الجامع ويضعف وظيفته الروحية المستقلة. فبدل أن يظل الدين عنصرا موحدا للمجتمع، يصبح موضوعا للتأويل المتعدد تبعا لموازين القوة وتغير المصالح، وهو ما قد يؤدي إلى تشظي المرجعية القيمية داخل الفضاء العام.
وعليه، فإن معالجة هذه الإشكالية لا تقوم على منطق الفصل التام بين الدين والسياسة، خاصة في السياقات التاريخية والثقافية التي يتداخل فيها الديني مع الاجتماعي والسياسي بشكل عميق، بل تقوم على مبدأ التمايز الوظيفي بين المجالين. فالدين يحتفظ بدوره التوجيهي والأخلاقي والرمزي، بينما تضطلع السياسة بوظيفتها التدبيرية والتنظيمية ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح يحدد الاختصاصات ويضبط حدود التداخل.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية وجود مؤسسات دينية مستقلة وذات مصداقية، تعمل على حماية المرجعية الدينية من التوظيف السياسي، من خلال إنتاج خطاب ديني متوازن يجمع بين المحافظة على الثوابت والانفتاح على تحولات الواقع، دون أن يتحول إلى امتداد مباشر للصراعات السياسية. كما أن هذه المؤسسات تساهم في تأطير المجال الديني بما يحفظ استقراره ويعزز وظيفته التربوية والأخلاقية داخل المجتمع.
إلى جانب ذلك، تتحمل النخب الفكرية والثقافية والإعلامية مسؤولية محورية في تفكيك خطابات التوظيف السياسي للدين، وكشف آليات استغلال الرموز الدينية في الصراعات الظرفية، والعمل على ترسيخ وعي نقدي لدى المجتمع يميز بين المجال القيمي والمجال السياسي، وبين ما هو ديني وما هو تدبيري.
كما يشكل الإطار الدستوري والقانوني إحدى الركائز الأساسية في تنظيم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال وضع قواعد تضبط الحقل الديني وتمنع استغلاله لأغراض انتخابية أو فئوية ضيقة. غير أن دور الدولة في هذا السياق لا يقتصر على الضبط القانوني، بل يمتد إلى تأطير هذه العلاقة بما يضمن التوازن بين احترام المرجعية الدينية وصون الطابع المدني للمجال السياسي.
غير أن هذا التوازن المنشود لا يمكن أن يتحقق عبر القوانين والمؤسسات وحدها، بل يتطلب أيضا بناء وعي جماعي وثقافة سياسية ودينية متوازنة، تدرك أن قوة الدين لا تكمن في دخوله في الصراعات السياسية، بل في احتفاظه بوظيفته الأخلاقية الجامعة، وأن السياسة لا تكتسب مشروعيتها من القداسة، بل من قدرتها على التدبير العقلاني للشأن العام وفق منطق المسؤولية والمساءلة.
ومن ثم، فإن حياد المرجعية الدينية لا يُعد مجرد مسألة قانونية أو مؤسساتية فحسب، بل هو أيضا مسألة ثقافية وقيمية تتعلق بكيفية تمثل المجتمع لكل من الدين والسياسة. فكلما ترسخت رؤية تعتبر الدين مصدرا للقيم والمعنى، والسياسة مجالا للتدبير العمومي، كلما أمكن الحد من مخاطر التداخل السلبي بين المجالين.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن تحقيق التوازن بين الدين والسياسة يقتضي التمييز بينهما من حيث الوظيفة لا القطيعة بينهما من حيث الوجود. فالدين يظل مرجعية قيمية وروحية تضبط السلوك الفردي والجماعي، بينما تظل السياسة مجالا عمليا لتنظيم الحياة العامة وإدارة الاختلاف داخل المجتمع.
*باحثة في دراسة الأديان وحوار الثقافات ورئيسة قسم حوار الثقافات بمركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الحضارات

