مراد ألمو مدير مركز الأشخاص في وضعية إعاقة ببني عياط: رغم المكتسبات لا نزال نخوض معركة ضد “الطابوهات” الاجتماعية

-عبد الرحمان سفير*

بمناسبة اليوم العالمي للأشخاص في وضعية إعاقة، الذي يخلده العالم في 30 من مارس من كل سنة؛ وفي سياق تتبعها للدينامية التنموية والاجتماعية بجهة بني ملال خنيفرة، أجرت جريدة “ملفات تادلة 24” حوارا خاصا مع ألمو مراد، مدير مركز الأشخاص في وضعية إعاقة بجماعة بني عياط.

في هذا الحوار، سننبش في الذاكرة التأسيسية للمشروع، ونغوص في حصيلة العطاء لهذا المركز الناشئ، ثم نستشرف معكم آفاق تطوير الأداء الخدمي، دون إغفال الإكراهات التي تواجه التدبير اليومي في منطقة قروية تتطلب تظافر جهود جميع الفاعلين.

يخلد العالم اليوم العالمي للشخص في وضعية إعاقة، وهو يتزامن مع مرور نصف سنة على إحداث هذا المركز. هل يمكنكم العودة بنا إلى سياق التأسيس؟ وما الجهات التي كانت وراء خروج هذه المؤسسة إلى الوجود؟

يعود سياق تأسيس هذا المركز إلى حاجة ملحة في جماعة بني عياط التي كانت تفتقر تماما لمركز متخصص لهذه الفئة؛ إذ كان الأطفال في وضعية إعاقة يدرسون منذ عام 2016 في أقسام التربية الدامجة الملحقة بمدرسة “تزكي” العمومية.  وهو حل لم يكن يوفر سوى الجانب التعليمي التربوي البسيط.

وجاءت المبادرة الأساس من عمالة الإقليم التي اعتمدت المشروع لسد هذا الفراغ؛ بينما تولت “جمعية سند للنهوض بالأشخاص في وضعية إعاقة” مسؤولية التدبير. وهي جمعية تأسست قبل نحو عامين لتكون النواة الأولى لهذا المشروع.  ولم يأت اختيار أعضائها صدفة، بل هم أشخاص لديهم إلمام بالمجال الصحي، كالدكتور عماد (صيدلي) والسيد عبد القادر (من قطاع الصحة)، بالإضافة إلى أولياء أمور يعيشون معاناة الإعاقة في بيوتهم.

مركز الأشخاص في وضعية إعاقة ببني عياط، دشن في غشت من السنة الماضية (2025)؛ يشغل هذا المركز مساحة 2437 مترا مربعا بمرافق متعددة؛ منها قاعة للترويض، وأخرى للتدريس، وقاعة للإعلاميات بالإضافة إلى قاعة للاجتماعات وحديقة .

ما الأهداف الإستراتيجية التي وضعت في دفتر تحملات المركز عند انطلاقته قبل  حوالي نصف عام من الآن؟

تتمثل الأهداف الكبرى للمركز في تحقيق الإدماج المجتمعي الفعلي للأشخاص في وضعية إعاقة، وتقريب الخدمات المتخصصة من الساكنة المحلية لتخفيف الأعباء المادية والجسدية على الأسر التي كانت تضطر لقطع مسافات أطول نحو أفورار أو بني ملال للحصول على خدمات الترويض.

ويسعى المركز ليكون، مستقبلا، فضاء متكاملا للأشخاص ذوي الهمم- كما أحب أن أسميهم- لا يقتصر على التعليم فقط، بل يمتد ليشمل الترويض الطبي، والتأهيل المهني بالإضافة للأنشطة الموازية كالمعلوميات و البستنة؛ وذلك لضمان عدم شعور المستفيدين من خدمات المركز بأي نقص أو اغتراب عن محيطهم.

كيف تصفون لنا نموذج التسيير المعتمد داخل المركز لضمان الاستمرارية والجودة؟

يعتمد المركز نموذج التدبير الجمعوي تحت إشراف الجمعية الحاملة للمشروع وبالتنسيق مع السلطات الإقليمية.  ويقوم هذا النموذج على مبدأ التدرج في تفعيل الخدمات؛ فبدلا من إطلاق جميع التخصصات دفعة واحدة والمخاطرة بالتعثر، بدأنا بالقسم التربوي والأنشطة اليدوية الأساسية، مع العمل على جلب شراكات جديدة لتفعيل الأجنحة الطبية والتقنية تدريجيا؛ وهو ما يضمن استمرارية المشروع وجودة الخدمات التي يقدمها.

 يقال إن نجاح أي مؤسسة اجتماعية رهين بكفاءة طاقمها؛ كيف اختيرت الأطر العاملة بالمركز؟

استند اختيار الأطر إلى معايير دقيقة تركز على الخبرة الميدانية الطويلة، فالأستاذة المكلفة بالتربية الخاصة تملك مسارا يمتد لـ  9 سنوات في أقسام التربية الخاصة، مما أكسبها آليات متقدمة في التعامل مع مختلف الإعاقات.

أما على مستوى الإدارة، فقد اشترطت مؤهلات أكاديمية (باك + 2) مع خبرة لا تقل عن سنتين في العمل الجمعوي؛  ولأني أستجيب لهذه المعايير، وقع علي الاختيار من بين من تقدموا لهذا المنصب.

فأنا حاصل على الإجازة في البيولوجيا مع خبرة تمتد لـ 11 سنة في تسيير مؤسسة تعليمية خاصة وضمنها مركز للدعم، مما يتيح لي فهما عميقا لاحتياجات الأطفال وتحديات التواصل مع أولياء أمورهم. كما أملك شهادة تقني متخصص في البستنة التي تعد أحد أهم الأنشطة التي تساعد الأشخاص ذوي الهمم على الاندماج.

يضم المركز ضمن طاقمه، بالإضافة إلى المدير والأستاذة المختصة في التربية الدامجة، سيدة تعنى بأعمال النظافة، وحارسا ليليا.

هل يخضع طاقم المركز لبرامج تكوين مستمر لمواكبة المستجدات في طرق التعامل مع مختلف أنواع الإعاقات؟

بالتأكيد، فالمركز يولي أهمية قصوى للتكوين المستمر لردم الهوة بين النظرية والتطبيق؛ وخلال الأشهر السبعة الماضية فقط، استفدت بمعية الأستاذة من ثلاث دورات تكوينية مكثفة، مدة كل منها أسبوع كامل.

وتتم هذه التكوينات غالبا في مدينة دمنات، التي تعد مركزا مرجعيا في الجهة، حيث نلتقي بفاعلين من مدن مختلفة، مثل سلا والمحمدية لتقاسم التجارب الأكاديمية والميدانية الناجحة ، وتطوير مهاراتنا في التعامل مع الحالات الصعبة.

بعد مرور نصف سنة من العمل، ما أهم الخدمات التي يقدمها المركز للمستفيدين حاليا؟

يركز المركز في المرحلة الحالية وبشكل أساسي على الجانب التربوي والتأهيلي؛ إذ  يستفيد حوالي 10 تلاميذ (من أصل 15 طفلا دون الثامنة عشرة) من برنامج يومي يركز على المهارات الحياتية، مثل النظافة الشخصية والاستقلالية في الأكل، بالإضافة إلى أنشطة يدوية لتعلم الحروف والأرقام عبر القص واللصق.

وبالرغم من توفر تجهيزات متطورة للترويض الطبي وقاعة للإعلاميات، إلا أن هذه الخدمات لم تفعل بعد في انتظار التعاقد مع أطر طبية ومتطوعين متخصصين لضمان تقديمها بشكل احترافي .

هل هناك برامج خاصة بالدمج المدرسي أو المهني يعمل عليها المركز في الوقت الراهن؟

نعم، يضع المركز ضمن أولوياته المستقبلية برامج الدمج المهني، خاصة للفئات التي تجاوزت سن الثامنة عشرة من المنخرطين الذين يبلغ عددهم الإجمالي حوالي 40 شخصا حاليا .

نضع ضمن أهدافنا قريبة المدى تعليم الشباب حرفا تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم ماديا، بالإضافة إلى ورشات للحرف اليدوية والإعلاميات التي نهدف من خلالها إلى دمجهم الفعلي في الدورة الاقتصادية المحلية.

كما نخطط حاليا لاستغلال المساحات الخضراء بالمركز لتحويلها إلى ورشات للبستنة والزراعة، مستفيدين من خبرتي التقنية في هذا المجال كما ذكرت آنفا.

منطقة بني عياط منطقة ذات طابع خاص؛ كيف كانت استجابة الساكنة وأهالي الأشخاص في وضعية إعاقة مع خدمات المركز خلال هذا العام الأول؟

كانت الاستجابة مشجعة؛ إذ لمسنا من خلال اللقاءات التواصلية ارتياحا كبيرا لدى الأهالي الذين اعتبروا وجود المركز “بشرى” خففت عنهم حوالي  90% من معاناة التنقل وتكاليفه .

وحالياً، يغطي المركز حوالي 10% من إجمالي الأشخاص في وضعية إعاقة بالجماعة (بناء على إحصاء 2016 الذي سجل 456 حالة). ويتوزع المنخرطون الخمسون حاليا بالتساوي بين مركز بني عياط والدواوير المجاورة، مما يعكس ثقة الساكنة المتزايدة في خدماتنا.

هل لمستم وعيا وتجاوبا من طرف الأسر، أم أنكم لا تزالون تبذلون مجهودات في التحسيس والتوعية؟

بالرغم من التجاوب، لا نزال نخوض معركة ضد “الطابوهات” الاجتماعية؛ فبعض الأسر لا تزال تفضل إغلاق الأبواب على أطفالها في وضعية إعاقة خوفا من نظرة المجتمع أو رغبة في تفادي الإزعاج. وهو ما يؤدي إلى تفاقم حالة الطفل النفسية وانعزاله الكامل عن محيطه.

لذا، يبذل المركز، في هذا الصدد، مجهودا حثيثا  لإقناع هذه الأسر بأن الإعاقة قدر طبيعي وأن العزلة بمثابة “إعاقة ثانية” تضاف إلى الإعاقة الجسدية أو الذهنية، ونعمل على تحويل المركز إلى فضاء آمن يمنح الطفل الحق في الحياة والاندماج الاجتماعي.

لا تخلو أي تجربة فتية من صعوبات؛ ما أبرز الإكراهات التي واجهتكم في سنتكم الأولى؟

يبرز غياب النقل المدرسي المتخصص كأكبر عائق لوجستيكي يواجهنا، إذ أرفض- بصفتي المسؤول المباشر عن المركز- المغامرة بنقل الأطفال في وسائل نقل غير آمنة أو غير مجهزة، مما يمنع الكثيرين في الدواوير البعيدة من الالتحاق بالمركز.

أما ماديا، فتظل المنحة السنوية التي تقدمها عمالة الإقليم عبر الجماعة المحلية – والتي لا تتجاوز 20 مليون سنتيم- غير كافية لتغطية الرواتب ومصاريف التسيير وتفعيل الخدمات الطبية. كما نواجه تحديا في استقطاب أطر طبية متخصصة في الترويض تكون مستعدة للعمل في المنطقة بشكل مستمر.

كيف يتعامل المركز مع مسألة النقل المدرسي أمام غياب نقل متخصص للوصول إلى المناطق البعيدة نواحي الجماعة؟

في الوقت الراهن، تضطر الأسر لإحضار أبنائها بوسائلها الخاصة، وهو حل مؤقت ومجهد. ونشير في هذا الصدد أن الجمعية  تسعى في هذه الآونة بشكل حثيث للحصول على وسيلة نقل خاصة تؤمن وصول المنخرطين بشكل آمن وسريع للمركز، مع عودتهم لمنازلهم  في ظروف مواتية وآمنة أيضا.

ما الرسالة التي يوجهها مدير المركز وأعضاء جمعية سند، من خلالكم، للمجتمع المدني والجهات المانحة في هذا اليوم العالمي؟

رسالتي هي أن الإعاقة قضية مجتمعية قد تمس أي فرد منا في أي لحظة بسبب حادث أو مرض، وليست شأنا خاصا بالأسر المتضررة فقط؛ وعليه ينبغي أن نعد الإعاقة أمرا عاديا.

كما أدعو الجهات المانحة والمجتمع المدني  لإيلاء العناية للجانب النفسي والمادي للأطر العاملة مع هذه الفئة؛ فالعمل مع طفل في سن “ثلاث سنوات” وجسد “شاب” يتطلب طاقة وصبرا استثنائيين، ودعم هذه الأطر هو الضمانة الوحيدة لاستمرار تقديم خدمات إنسانية تليق بكرامة الشخص في وضعية إعاقة.

* صحافي متدرب

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...