من إعداد: سفير عبد الرحمان*
“ شهران دون لحم”
“لم نتاول اللحم الأحمر منذ شهرين “، “شكون اللي قادر على 100 درهم! “هكذا استهل الحاج أحمد حديثه ، وهو فلاح قدم إلى السوق الأسبوعي ببني عياط من أحد دواوير الكرازة المجاورة ، معبرا عن تذمره من تدهور الوضع المعيشي للمواطنين جراء ارتفاع الأسعار.
فلا يخلو مجلس من الحديث عن الزيادات التي طالت عددا من المواد الاستهلاكية، وخاصة الخضر والفواكه. زيادات مستمرة منذ مدة بلغت أشدها في آواخر رمضان، وزادت في الأسبوع الذي بعده على عكس ما ألف الناس عقب الشهر الفضيل؛ إذ تعاود الأسعار الرجوع من جديد إلى ما كانت عليه قبله. مما قلص القدرة الشرائية ، وفاقم الوضع المعيشي المأزوم للطبقة الفقيرة والمتوسطة.
يرجع الشاب خالد من بني عياط، السبب في ارتفاع الأسعار، خلال هذه الفترة، إلى تأثر الناس بما دار في وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصا “الفيسبوك”. يقول الشاب: ” تداول الناس في ما بينهم آراء تفيد بأن أسعار المحروقات ستشتعل بسبب الحرب الدائرة بين إسرائيل وأمريكا من جهة ، وإيران من جهة أخرى. وتوقعوا بناء على ذلك ارتفاعا وشيكا للمواد الاستهلاكية .”
يردف خالد في السياق ذاته: “لهذا، لجأ عدد كبير منهم إلى استباق الزيادات المرتقبة بمضاعفة التبضع، فارتفع مع هذا السلوك شبه العام الطلب ؛ فكان ارتفاع الأسعار كما شهدنا آواخر مضان.” وفي تعبير فريد لهذا الشاب : ” هذا هو الاحتكار الأصغر الذي يسبب بدوره ارتفاعا في الأسعار لما يجتمع مع شقيقه الاحتكار الأكبر.”
وفي نفس السياق ذهب إدريس، وهو متقاعد يقول: ” المسؤلين تابعين مشاريعهم لا مراقبة ديال الأسعار ولا محاربة للاحتكار؛ هم يراقبون مصالحهم ومشاريعهم؛ وواهم من يظن أن أمر الدرويش يهمهم! ”
التقيت بإدريس وهو يرقب- عن بعد- أحد الجزارين بسوق بني عياط خلال آخر يوم من رمضان، فسألته عن سبب إحجامه وتردده. أجابني بنبرة ملؤها الفكاهة والسخرية: “صرت أخاف من الإقبال مباشرة على الباعة بسبب الزيادات. أتريث قليلا، وأسأل عن الأثمان هنا وهناك، حتى أجد الثمن الأرخص؛ فأقبل آنذاك على اقتناء ما قسم الله لي! ما كنت أنفقه في شهر بسبب التسوق، صرت الآن أدفعه في سوق واحد. ”
ثمن البصل حطم كل التوقعات
أسعار الخضر عرفت ارتفاعا ملحوظا خلال رمضان، وفق تصريحات متطابقة لعدد من بائعي الخضر بالتقسيط قابلتهم بسوق بني عياط في اليوم ذاته، وأنا أعد هذا الربورتاج . أما المواطنون فتفسيراتهم لهذا الغلاء متضاربة: بين “الشناقة”، وغياب المراقبة الصارمة للمسؤولين بخصوص الأسعار، وكذا التصدير المفرط لمواد لا نحقق الاكتفاء الوطني منها…
وحسب الأسعار المتداولة في السوق ، فإن متوسط أسعار مجموعة من الخضر يتراوح ما بين 6 و 15 درهما للكيلوغرام الواحد. إذ بلغ ثمن القرنبيط (الشفلور)، والطماطم 6 دراهم لكل منهما؛ بينما البطاطس والبصلة “الخضارية” 7 دراهم. أما الفلفل والباذنجان، فثمن الكيلوغرام الواحد منهما 8دراهم.
ويتراوح ثمن الخيار بين 10 و12 درهما ؛ في حين ارتفع ثمن البصلة “اليابسة” لتتربع على رأس قائمة الخضر هنا ، إلى14/15 درهما. في ما تراوح سعر” القزبر والمعدنوس والكرافس، والنعناع ” بين درهم واحد إلى درهم ونصف ” للحزمة”.
وفي ما يخص الفواكه، فقد تراوح ثمنها بين 7 و 40 درهما: 7دراهم للبرتقال، و15 درهما لكل من التفاح والموز، و24 درهما للإجاص و الكيوي. و30 درهما للفراولة. أما الأفوكادو، فقد بلغ ثمنه 40 درهما. واللافت أنه في الأسبوع الأول بعد رمضان – وعلى عكس ما كان متوقعا- قفز ثمن الموز والتفاح إلى 18 درهما.
هذا، وإن كان الغلاء قد صار السمة الثابتة للسلع بالأسواق المغربية منذ كورونا إلى الآن، فإن هذه الأثمان تبقى مرتفعة مقارنة مع الأشهر التي تقدمت على رمضان.
يقول محماد، صاحب ال57 عاما، العسكري المتقاعد الذي يعمل خضارا منذ أكثر من عقد من الزمن: “حتى واحد ما كيبغيك تحقق الميزان، ديما كتمشي ليك ما بين 30 إلى 50 غرام في الكيلوغرام الواحد. زد ما يفعله بزاف ديال الناس من سلوكات كإزالة ما يتصل بالخضر من أوراق، وإزالة التراب العالق مثلا بالبطاطس.”
يقسم محماد أنه يترك كومة من التراب الذي يزيله المتبضعون من على البطاطس، يقول:” تقارب هذه الكومة 5 كيلوغرامات في السوق الواحد؛ ناهيك عن الفاسد من الخضر والفواكه.” وهذا في نظره ما يدفعه لرفع الثمن ضمانا لليسير من الربح.
وعن هذه الارتفاعات في الأسعار صرح البركاني ،وهو أحد بائعي الخضر والفواكه بالتقسيط بسوق بني عياط دائما: “يرجع هذا الارتفاع في الأثمان إلى الخسائر في المحاصيل في “الغرب” بسسب الفياضانات. أضف إلى ذلك مصاريف “الميكا” التى تصل إلى 35 درهما للكيلوغرام الواحد . ”
يضيف البركاني: ” يلزمني من الأكياس البلاستيكية ثلاثة كيلوغرامات في السوق الواحد بما مجموعه 110 دراهم. إضافة إلى 50 درهما لكراء 10 “طبالي” لعرض البضائع عليها. وما مقداره 150 درهما كضريبة(صنك) لأصحاب السوق.”
ويفصل البركاني في “الصنك” قائلا: ” 1,5 درهم عن كل صندوق خضر، ودرهمان عن كل صندوق من الفواكه. ناهيك عن مصاريف النقل بين محل الإقامة والسوق، وكذا ثمن كراء الموازين. تصل هذه التكاليف إلى حوالي 500 درهم”. يطرق قليلا، ثم يقول متنهدا: “فين الربح وفين راس المال! “.

الزيتون تراجع في الأثمان دون المأمول
عرفت أسعار الزيتون تراجعا في الأثمان ما بين 8 و10 دراهم في الكيلوغرام الواحد؛ إذ صار ثمن الكيلوغرام من الزيتون سواء الأخضر أو الأسود بين 22 إلى 24 درهما، بعدما كان ثمنه قبل شهرين حوالي 32 درهما.
ويرجع محمد الذي يعمل في إطار جمعية محلية مختصة في إعداد منتوجات الزيتون، سبب عدم رجوع الزيتون لأسعاره قبل موجة الغلاء التي شهدها (15 درهما)- رغم أن ثمن الزيتون الخام حاليا دون ال5 دراهم- إلى كون الزيتون الذي يعدون منه منتوجهم لا يزال مرتفع الثمن (حوالي 10 دراهم للكيلوغرام)، لكونه منتقى بعناية، ناهيك عن المصاريف المختلفة المتعلقة بالنقل وغير ذلك.
ويضيف مجيبا عن سؤالنا له بخصوص توقعات ثمن الزيتون في القادم من الأيام: “لن يعود ثمن الزيتون إلى عهده السابق أبدا- مهما انخفض ثمن الخام منه – لكثرة المصاريف المرافقة! ”
ويرى مهتمون أن الغلاء له مد يفوق الجزر دائما؛ إذ يصعب على المهنيين الرجوع إلى الأثمنة السابقة وإن انخفضت أسعار المواد الأولية؛ إذ يصير الغلاء من باب المكتسبات التي يصعب التخلي والتراجع عنها مهما انخفضت الأثمان في ظل مراقبة غير صارمة للأسعار.

الدجاج ملاذ الفقراء أمام غلاء اللحوم الحمراء
موجة الغلاء التي ضربت قطاعي الخضر والفواكه لم يسلم منها قطاع الدواجن؛ فمنذ شهور لم يعد ثمن الدجاج يبارح ثمنه المرتفع على الدوام؛ إذ وصل ثمن الكيلوغرام الواحد خلال شهر رمضان عند الشراء 16 درهما من الضيعات المخصصة لتربية الدجاج؛ وعند البيع بالتقسيط 18 درهما. وفي بعض نقط البيع يصل أحيانا إلى 20 درهما. بينما يرتفع ثمن الدجاج المذبوح قليلا ليصل إلى 22 درهما وفق تصريحات متطابقة أدلى بها مهنيون بالسوق الأسبوعي ببني عياط .
ويرجع أغلب من استفسرناهم من تجار الدواجن بخصوص أثمان الدجاج، هذا الارتفاع إلى كثرة السماسرة والوسطاء، وإلى ارتفاع الطلب على الدجاج أمام ارتفاع أثمان اللحوم الحمراء التي استقرت منذ مدة في 100 درهم بالنسبة ل”البكري” و110 دراهم بالنسبة ل “المعزي” و “الغنمي”.

السمك الغائب الأكبر عن الموائد
ارتفع ثمن السمك بدوره خلال شهر رمضان، إذ بلغ ثمن السردين 18 درهما، و”البواجو” 25 درهما. ليتراجع مباشرة بعد رمضان إلى 13 درهما للأول و20 درهما للثاني.
ويرجع من استفسترتهم الجريدة من المهنيين بسوق بني عياط الأمر إلى تناقص أنشطة الصيد في البحار خلال رمضان؛ إذ يفضل عدد كبير من العاملين بالقطاع جعل رمضان فترة استراحة سنوية .
شبه استقرار في أثمنة السلع بالدكاكين
يقول حميد صاحب محل لبيع المواد الغذائية، وآخر لبيع الفواكه الجافة والتمور: ” على العموم لا زيادات خلال شهر رمضان، اللهم ما عرفه الجوز واللوز من زيادات بلغت 30 درهما للأول و 20 درهما للثاني، فصار ثمن الفاكهتين معا 100 درهم.”
ويرجع حميد سبب ارتفاع اللوز، إلى الإقبال المتزايد عليه في إعداد الحلويات بمناسبة رمضان وعيد الفطر.
ويضيف: “استقر ثمن البيض عند الشراء بالجملة في درهم و35 سنتيما، بينما نبيعه ب1,5 درهم. لا أعرف لماذا هذا الثمن لم يعد يبرح مكانه!. نجد حرجا كبيرا أمام المواطنين.” ويردف: “الأثمنة التي تزاد لا تعاود الانخفاض مجددا.”
سيارات الأجرة: دعم حكومي لا يسد العجز
على سيارة أجرة رفقةعبد الغني، نائب أمين سيارات الأجرة ببني عياط، وهو يقلني من بني ملال إلى بني عياط . وبينما توقف ليتزود بالوقود بإحدى المحطات على الطريق، علق وهو ينظر إلى عداد الوقود الخاص بالمحطة: “350 درهما أعطت 27 لترا، هذا الكم من اللترات كنت أحصل عليه قبل الزيادة الأخيرة ب300 درهم فقط. صحيح أننا ننتظر إعانات من الدولة تقدر ب2100 درهم شهريا ،إلا أنها لا تغطي بتاتا المصاريف الزائدة .”
يضيف عبد الغني:” سنعاني الأمرين قبل أن تعود الأسعار لحالها، ولا أظن ذلك حاصلا مادام المسؤولون عن قطاع المحروقات يبادرون إلى زيادة الأسعار في حينها مع كل ارتفاع في السوق العالمية ؛ بينما يكون تخفيضهم للأثمان متأخرا عند الانخفاض على المستوى الدولي . ولا يكون تخفيضهم آنذاك إلا أقل بكثير مما عرفته الأسعار على الصعيد العالمي. إنهم يكيلون بمكيالين! ”
*صحافي متدرب

