-أجرت الحوار: سلوى عمار*
في هذا الحوار، نلتقي بالأستاذ إسماعيل بوهاشم، الفائز بالجائزة الأولى على مستوى التعليم الابتدائي العمومي خلال النسخة الثانية للمنتدى الوطني للمدرس. خلال هذا الحوار، يتحدث الأستاذ إسماعيل عن مساره المهني الغني والمتنوع، بدءا من عمله في عدة أقاليم مغربية، مرورا بتجربته في فرنسا، وصولا إلى دراسته الأكاديمية في مجالات علوم التربية والتدبير العمومي.
ينتقل الحوار بعد ذلك للتركيز على مشروعه التربوي المبتكر “حالة الطقس: 100 يوم للتعلم، 100 يوم للتعبير”، حيث يشرح الأبعاد التربوية والفلسفية للمشروع، وأهمية إشراك الأسر، والابتكار في التعلم، وتحويل القسم إلى فضاء للتعاون والحكامة التشاركية. كما يشارك الأستاذ رؤيته لقيادة التعلم في القرن الحادي والعشرين، ويركز على أهمية المبادرة، الابتكار، والثقة بين الأستاذ والتلاميذ والأسرة والمجتمع، مقدما رسائل ملهمة لكل من زملائه الأساتذة والمسؤولين التربويين.
بعد فوزكم بالجائزة الأولى في التعليم الابتدائي العمومي خلال النسخة الثانية للمنتدى الوطني للمدرس، والذي شكل تشريفا لجهة بني ملال-خنيفرة، فمن هو الأستاذ إسماعيل بوهاشم؟
في البداية أتوجه بالشكر إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، ومؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، وجمعية أصدقاء المدرسة العمومية، الذين سهروا على تنظيم هذه الجائزة في جو من الشفافية والمصداقية. وما فوز مترشح بالجائزة الأولى من دوار تابع لجماعة قروية بإقليم أزيلال إلا دليل على ذلك.
أنا أستاذ التعليم الابتدائي بمدرسة تيمولتيت بإقليم أزيلال، التابعة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة بني ملال-خنيفرة. بدأت مسيرتي المهنية سنة 2004، وعملت بعدة أقاليم، من بينها ورزازات (أوزيغيمت)، وبني ملال (تيحونة آيت ويدير)، وأزيلال (تمريغت ثم تيموليلت).
كما قمت بمهمة دبلوماسية لمدة سبع سنوات بفرنسا، حيث تولّيت تدريس اللغة العربية والثقافة المغربية بمدينة أفينيون (2015-2022). وخلال تلك الفترة، واصلت دراستي الجامعية، فحصلت على ثلاث شهادات ماستر من جامعة إيكس-مرسيليا: ماستر في علوم التربية، وماستر في اللغات والثقافات الأجنبية بمعهد IREMAM، وماستر في التدبير العمومي بمعهد IMPGT.
وأنا اليوم طالب دكتوراه بجامعة إيكس-مرسيليا، وتتناول أطروحتي موضوع تجديد التدبير العمومي، مع التركيز على إشراك مختلف الفاعلين في الحكامة المحلية.
ما الذي شعرتم به لحظة تسلمكم الجائزة الأولى لأستاذ السنة؟
صراحة، أن ترى مشروعا ولد عند سفح جبال الأطلس الكبير، بين أشجار الزيتون، في دوار من دواوير إقليم أزيلال، يصعد إلى منصة التتويج على المستوى الوطني… إنه شعور عميق تعجز الكلمات عن وصفه.
عندما سمعت اسمي في الرباط، شعرت أن هذا التتويج هو تكريم لكل أستاذ يعمل في جبال الأطلس في العالم القروي؛ أولئك الذين يبدعون ويبتكرون رغم محدودية الإمكانات، ويواصلون أداء رسالتهم بإيمان كبير وحب صادق للمهنة، رغم قساوة الظروف الطبيعية.
مدرسة تيموليلت مؤسسة بالعالم القروي، وتلامذتنا ينحدرون من أسر محدودة الدخل، وغالبا ما يكون الآباء في وضعية أمية. يستيقظ التلاميذ باكرا لركوب النقل المدرسي، ويقطعون مسافات طويلة للوصول إلى الفصل الدراسي. ومع ذلك، ورغم أن اللغة الفرنسية بعيدة عن محيطهم اليومي، فقد تمكن هؤلاء الأطفال، في سن السادسة، من التعبير بها بطلاقة.
وهذا يحمل رسالة قوية مفادها أن التميز التربوي ليس حكرا على المدن الكبرى أو رهينًا بتوفر الوسائل الديداكتيكية، بل يمكن أن يولد رغم الإكراهات، إذا توفر العمل التشاركي بين الأسرة والأستاذ، فتصبح الصعوبات حينها محفزات.
هلا حدثتمونا عن مشروعكم “حالة الطقس: 100 يوم للتعلم، 100 يوم للتعبير”، وما الذي يميّزه من حيث الأهداف التربوية؟
ولد هذا المشروع من تجربة شخصية بالمخيمات المدرسية بفرنسا، حيث كان الأطفال يمارسون نشاطا كل مساء يسمى “حالة الطقس”، يعبر فيه كل طفل بكلمات بسيطة عما عاشه خلال يومه. هذا النشاط مستوحى من بيداغوجيا اتخاذ القرار. وهكذا استلهمت هذه الفكرة، وكيفتها لتعليم اللغة الفرنسية الشفهية لتلاميذ المستوى الأول ابتدائي.
بداية كل حصة، لمدة عشر دقائق، يلعب التلاميذ لعبة “حالة الطقس La météo”. يقدم كل تلميذ كلمة بالفرنسية تعلمها في المنزل بمساعدة أسرته. القاعدة بسيطة: إذا لم يعرف أحد التلاميذ ترجمة الكلمة باللغة العربية، يفوز صاحبها بجائزة بسيطة ويقوم المدرس بشريط فيديو للتلميذ وهو يردد الكلمة التي تعلمها وترجمتها باللغة العربية. وإذا عرفها أحد التلاميذ، يصبح هذا التلميذ هو الفائز، ويفوز بالجائزة وتأخذ له صورة باعتباره الفائز في اللعبة.
يرسل الأستاذ أشرطة الفيديو والصور نهاية كل حصة إلى الأسرة عبر تطبيق “الواتساب” وتجدر الإشارة إلى أن الآباء قاموا بإمضاء تصريح بالموافقة على التقاط الصور لأبنائهم وبناتهم بداية الموسم الدراسي. وهكذا تصبح اللعبة محفزة وتخلق منافسة تربوية قائمة على التفاعل والتشجيع. وينخرط الآباء والأمهات في تعليم أبنائهم ويتوصلون منتوجاتهم عبر أشرطة الفيديو كل يوم. ويتم تنظيم التعلم بشكل تدريجي: كلمة واحدة في شتنبر، كلمتان في أكتوبر، ثلاث كلمات في نونبر، ثم جمل قصيرة ابتداء من دجنبر.
للإشارة فتسمية “حالة الطقس La météo “، فمرتبطة بالاستعارة: الكلمة الجديدة هي “مطر” يعني التعلم، وغيابها يمثل “جفافا”. ومن هنا جاءت فكرة المشروع.
وقد بلغ المشروع محطات مميزة؛ منها الاحتفال بمرور 100 يوم دراسي يوم 17 يناير 2025، حيث نظمنا معرضا، وهو تقليد تقوم به المؤسسات الفرنسية بعد مرور 100 يوم دراسي. ولتعزيز التعلمات، أعددنا قاموسا بشكل تشاركي مع الأسر يضم 600 كلمة أطلقنا عليه تسمية (Mon premier dectionnaire).
ومن أجل استثمار ما تعلمه التلاميذ في التواصل باللغة الفرنسية، نظمنا لقاءات تواصلية أسبوعية مع تلاميذ مدرسة جاك بريل بفرنسا، مكن تلامذتنا من توظيف مكتسباتهم في وضعيات حقيقية. واختتمنا السنة الدراسية، بالاحتفال بمرور 200 يوم دراسي، في أجواء من الانغماس اللغوي الكامل باللغة الفرنسية، حيث تم تنظيم رحلة إلى مسبح بمدينة القصيبة وذلك بالتنسيق مع “جمعية تيموليلت للتنمية”.
ما الذي يمنح مشروعكم قوته وأصالته؟
هناك بعدان أساسيان:
البعد الأول هو إشراك الأسر، بما في ذلك الآباء الذين لا يتقنون اللغة الفرنسية. فقد اعتمدت نموذج “مثلث التدريس المشترك” (le triangle de co-enseignement) الذي يجمع بين الأستاذ والتلميذ والأسرة. فالأسرة، مهما كان مستواها، يمكن أن تساهم إما بالتعليم، أو بالتشجيع، أو بمتابعة الفيديوهات، وهكذا نضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
أما البعد الثاني، فهو التأطير النظري، إذ يستند المشروع إلى نظرية الحكامة الشبكية (La théorie de la gouvernance en réseau)، التي يؤكد فيها الباحث “جيري ستوكر” أهمية التعاون بين مختلف الفاعلين. كما يستند إلى نظرية القيم العمومية (la théorie des valeurs publiques)، التي تركز على خلق القيمة داخل القطاع العام، كما بين ذلك كل من “باري بوزمان” و”مارك مور”.
كما أستند كذلك إلى أعمال “إدينا سولدو”، و”إيمانويل موستييه”، و”جلول أرزسكي”، وهم باحثون بمعهد التدبير العمومي والحكامة الترابية (IMPGT) بجامعة إيكس-مارسيليا، حيث حددوا ثلاثة مكونات استراتيجية لنجاح الحكامة التشاركية. وقد قمت بتنزيل هذه المكونات الثلاثة في مشروعي (les trois ingrédients stratégiques):
أولا، فضاءات المشاركة: إذ تتيح الاجتماعات الشهرية مع الآباء، إلى جانب مجموعة “واتساب”، تبادلا مستمرا بين الأستاذ والأسر.
ثانيا، ممارسات تدبيرية تشاركية: من خلال مثلث التدريس التشاركي، القائم على التنسيق والتعاون والتشارك بين الأستاذ والتلاميذ والآباء (les 3 C: coordination, coopération et collaboration).
وأخيرا، أدوات المشاركة: لعبة “حالة الطقس”، التي تجعل التعلم ممتعا ومنتظما ومحفزا، عشر دقائق يومياً، كل يوم، على مدى مئتي يوم دراسي. وتسهم هذه المكونات الثلاثة في تحويل القسم إلى فضاء حقيقي للحكامة المحلية التشاركية.
ما الرسالة التي تودون توجيهها للأساتذة والمنظومة التربوية؟
رسالتي واضحة: لم يعد أستاذ القرن الحادي والعشرين مجرد منفذ للبرامج، بل أصبح قائدا تربويا (Leadership éducatif). فقيادة التعلم تعني التخطيط، والتنفيذ، والتقييم، والتطوير المستمر. والأستاذ الذي يبتكر مشروعا في قسمه ويعبئ محيطه التربوي هو في الواقع قائد ومدبر (Leadership Manager) لمشروع تربوي، وليس مجرد منفذ لبرنامج دراسي.
كما أن القائد الحقيقي لا يعمل بمفرده، بل يشرك جميع الفاعلين من أجل الوصول إلى الهدف المشترك: التلاميذ، الأسر، النوادي المدرسية، والمجتمع المدني… وهذا ما يجعل المدرسة فضاءً للثقة والتعاون.
إن الرهان اليوم هو استعادة الثقة في المدرسة العمومية. فعندما ترى الأسرة نتائج ملموسة، وتواكب تعلم ابنها أو ابنتها يوميا، مثلا عبر تطبيق “واتساب”، تتحول المدرسة إلى جزء من حياتها اليومية، وتصبح مؤسسة منفتحة بدل أن تبقى منغلقة على ذاتها.
رسالتي لزملائي: ابتكروا، فكروا خارج الصندوق، لا تسيروا مع التيار، انفردوا بأفكاركم، أشركوا الأسر، وثقوا في قدراتكم، وشاركوا في كل المسابقات، ولا تلتفتوا إلى القيل والقال.
أما رسالتي للمسؤولين: فامنحوا الأستاذ الثقة والدعم، فهو سيبادر ويجدد، وقد ينجح أو يخطئ. فإن نجح فشجعوه، وإن أخطأ فساندوه. فالإصلاح يحتاج إلى التجديد، والتجديد يحتاج إلى التجريب، والتجريب قد يصيب وقد يخطئ.
*صحافية متدربة


