-عمر طويل-
أثارت صور متداولة من ساحة السويسي بالرباط، حيث ينظم المنتدى الوطني للمدرس، جدلا في أوساط مهتمة بالشأن التعليمي، بعد تسجيل ملاحظات اعتبرها متتبعون بعيدة عن الطابع الرسمي للتظاهرة.
وأفادت المعطيات المتداولة أن إحدى الصور تظهر المكلف بتسيير القناة الرقمية الخاصة بالمنتدى وبث اللقاءات المباشرة، وهو يستمع إلى مقطع من أغنية “أغراس” لفنان مغربي، وهو ما اعتبر، من طرف منتقدين، خروجا عن طبيعة الحدث الذي تنظمه وزارة التربية الوطنية، وطرح تساؤلات حول مدى احترام الطابع المؤسسي للتظاهرة.

كما أثيرت ملاحظات بخصوص الصورة الثانية، التي تظهر، وفق نفس المصادر، أن المشرف على القناة لا يتابع الصفحة الرسمية التي يديرها، وهو ما اعتبر مؤشرا، بحسب بعض المتتبعين، على ضعف الانخراط أو القناعة بما يتم نشره عبر هذه المنصة الرقمية. وتأتي هذه المعطيات في سياق انتقادات سابقة وجهت للمنتدى من طرف فاعلين نقابيين، الذين شككوا في أهدافه وآليات تنظيمه، مؤكدين على ضرورة وضوح المعايير والحرص على الحياد، خاصة في تظاهرة تنظم بتمويل عمومي وتحت إشراف مؤسسة رسمية.
كما دعا منتقدون إلى ضرورة الحفاظ على الطابع المؤسساتي للمنتدى، وتفادي أي سلوك أو ممارسات قد تفهم على أنها توظيف لرسائل ذات طابع غير تربوي أو تحمل دلالات سياسية، مؤكدين أن مثل هذه الملاحظات تفتح النقاش حول طبيعة الفضاءات التربوية وحدود توظيفها.

وفي تفاعل مع موضوع منتدى المدرس في دورته الثانية، قدم الحسين الداودي، الكاتب الجهوي للجامعة الوطنية للتعليم (التوجه الديمقراطي)، جملة من الملاحظات التي وصفها بالأساسية، همت مضامين المنتدى وسياق تنظيمه ومخرجاته.
وسجل الداودي في تصريح له مع “ملفات تادلة”، أن منظمي المنتدى يحاولون حصر إشكالية التعليم في جوانب تقنية وبيداغوجية، معتبرا أن أزمة المدرسة العمومية ترتبط باختيارات سياسية ذات بعد طبقي وتنفيذ لإملاءات مؤسسات مالية تدفع نحو خوصصة وتسليع التعليم، وهو ما انعكس، بحسب تعبيره، في ضعف البنيات التحتية والتجهيزات، والخصاص في الموارد البشرية، وتراجع مؤشرات التعلم، إضافة إلى تداعيات أنماط التوظيف التي أثرت على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأطر التربوية والإدارية.
واعتبر المتحدث أن المنتدى، خلافا لما يروج له كفضاء للنقاش وتبادل التجارب، يشكل محاولة لتوجيه النقاش بعيدا عن القضايا الجوهرية المرتبطة بوضع المدرسة العمومية، مشيرا إلى أن الهدف منه هو الخروج بخلاصات تخدم التوجه القائم على التسليع والخوصصة، مبرزا في هذا السياق ما وصفه بفشل مشروع “الريادة” رغم كلفته المالية وغياب أثره على مستوى التحصيل الدراسي.
كما انتقد تنظيم المنتدى من زاوية تدبير الموارد، معتبراً أن صرف المال العام على هذا النشاط يتناقض مع استمرار عدد من المطالب العالقة للشغيلة التعليمية، خاصة المرتبطة بالترقيات والتعويضات. وفي ما يتعلق بالتمثيلية، أشار الداودي إلى أن المنتدى لا يمثل نساء ورجال التعليم، في ظل غياب معايير واضحة لانتداب المشاركين، معتبرا أن ذلك يعكس تحكما قبليا في الحضور وفي مخرجات التظاهرة.
وبخصوص احتمال توظيف المنتدى سياسيا، أوضح أن غياب التعددية الفكرية والثقافية وغياب معايير موضوعية للمشاركة يفتح المجال أمام خدمة أجندات معينة، معتبرا أنه من المرجح أن يتم توظيفه لتقديم صورة إيجابية عن حصيلة الحكومة والوزارة في قطاع التعليم، رغم المؤشرات التي تعكس وضعا مغايرا.
واعتبر الحسين الداودي أن المنتدى قد يستغل لتقديم صورة إيجابية عن وضعية المدرسة العمومية وتبييض حصيلة الحكومة والوزارة، مع منح “صكوك النجاح” لمشاريع من بينها “الريادة”. وأضاف أن ذلك يعكس، بحسب تعبيره، انحيازا واضحا لخدمة توجه معين داخل الوزارة والحكومة، في تناقض مع الواقع الذي، وفق قوله، تؤكده تقارير دولية تصنف البلاد في مراتب متأخرة وتُسجل ضعفا في تمكن التلاميذ من المعارف والمهارات الأساسية.
وأشار الداودي إلى أن الجميع لاحظ حضور رموز ذات خلفية انتخابية بشكل مباشر، مبرزا ما وصفه بطغيان “اللون الانتخابي” للحزب الأغلبي، سواء من خلال الحضور داخل القاعة أو في ملابس بعض المشاركين، معتبرا ذلك استغلالا غير مقبول لتظاهرة منظمة من طرف وزارة التربية الوطنية بتمويل من المال العام.
وأوضح الداودي أن الأمر يرتبط، حسب تعبيره، بطبيعة النظام السياسي، الذي وصفه بأنه يتسم بطابع “مخزني” قائم على الاستبداد والفساد، وغياب الحد الأدنى من الديمقراطية التي تضع قواعد للتنافس السياسي وتوفر آليات الرقابة للحد من استغلال المواقع الرسمية في تمرير خطاب سياسي أو التأثير على قواعد المنافسة الحرة.
وأشار الداودي إلى أن المنتدى منظم من طرف الوزارة بشراكة مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية، التي تتشكل ميزانيتها من مساهمات نساء ورجال التعليم، دون مشاركة أو رقابة ديمقراطية على تدبير ماليتها، مبرزا في السياق ذاته ما وصفه بإقصاء عدد كبير من نساء ورجال التعليم من الاستفادة من خدماتها.
وشدد الداودي على أن مسؤولية الجهات المنظمة تتمثل في ضمان الحياد السياسي للتظاهرة، من خلال الحرص على عدم تحولها إلى خدمة جهة معينة، مع ضرورة إبعاد كل ما من شأنه أن يشكل دعما لأي جهة سياسية، والحفاظ على مسافة متساوية من مختلف التعبيرات السياسية.
واعتبر الداودي أن توظيف المنتدى لخدمة أجندات معينة وأطراف سياسية كان، في تقديره، مخططا له ومقصودا من طرف المنظمين، بهدف جعله دعاية مباشرة لتوجه سياسي يراد له الاستمرار في الواجهة. وأضاف أنه في الدول ذات التقاليد الديمقراطية، وبمفهومها الليبرالي، يؤدي استغلال الموقع الحكومي لتحقيق مكاسب سياسية إلى الإطاحة بالحكومة عبر التصويت العقابي، غير أن طبيعة النظام السياسي، الذي وصفه بأنه يعاني من الفساد، تجعل مثل هذه التجاوزات تفلت من المحاسبة والعقاب.
أكد الداودي أن استغلال محطة من هذا النوع، ذات طبيعة أكاديمية، لتمرير خطاب سياسي يخدم جهة معينة من شأنه أن يضر بالممارسة السياسية، ويخرق مبدأ الحياد، ويؤثر على قواعد المنافسة الديمقراطية بين مختلف مكونات الحقل السياسي.
وأضاف أن توظيف المنتدى لاستصدار تقييم إيجابي لحصيلة الوزارة والحكومة في قطاع التعليم يعد استغلالاً للموقع الرسمي لخدمة الانتماء الحزبي، ويشكل، بحسب تعبيره، حملة انتخابية سابقة لأوانها، فضلاً عن كونه مساساً بمبدأ تكافؤ الفرص بين الهيئات السياسية. كما أشار إلى محدودية دور الانتخابات في المغرب، معتبرا أنها لا تتجاوز، في نظره، كونها وسيلة في إطار “ديمقراطية الواجهة”، دون أن تشكل رهانا حقيقيا لإحداث تغيير جوهري في السياسات والتوجهات الاستراتيجية التي يتم، حسب قوله، اتخاذها خارج المؤسسات المنتخبة، بما فيها الحكومة والبرلمان والمجالس المحلية.
من جهته انتقد مصطفى الكهمة، أستاذ بالتنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، منتدى المدرس في دورته الحالية، معتبرا أنه لا يعكس، بحسب تعبيره، حقيقة وضعية المدرس، وأنه أقرب إلى “بهرجة” إعلامية.
وأوضح الكهمة، في تصريح ل “ملفات تادلة”، أن التساؤلات الأساسية لا تهم فقط مضمون المنتدى، بل تمتد إلى آليات اختيار المشاركين والهدف من تنظيمه، متسائلا عن مخرجات الدورة السابقة، ومدى تحقيقها لأي نتائج ملموسة. واعتبر المتحدث أن استغلال المنتدى لأغراض سياسية أو انتخابية يفرغه من محتواه الحقيقي، مشددا على أن الإشكال الجوهري، من وجهة نظره، يتمثل في غياب الشفافية في اختيار المشاركين، وهو ما يطرح، حسب قوله، علامات استفهام حول معايير الانتقاء.
وأشار الكهمة إلى أن المنتدى الوطني، في تصوره، كان من المفترض أن يسبقه تنظيم لقاءات إقليمية وجهوية قبل المرور إلى المستوى الوطني، معتبرا أن غياب هذه المقاربة يطرح تساؤلات حول أهداف المبادرة. كما أضاف أن الوزارة لم تقدم، حسب تعبيره، وثيقة تعريفية توضح أهداف المنتدى والغرض من تنظيمه، مما يعزز، برأيه، حالة الغموض المحيطة به.
وفي ما يتعلق بطريقة اختيار المشاركين، قال المتحدث إنها تمت، وفق تعبيره، بشكل “غير شفاف”، مع وجود تعليمات لاختيار فئة من الأساتذة، وهو ما اعتبره إقصاء لمكونات أخرى، دون تقديم معايير واضحة أو معلنة. وختم الكهمة تصريحه بالتأكيد على أن هذه النقاط تظل، في نظره، جوهرية في تقييم أي مبادرة من هذا النوع، داعيا إلى توضيح أهداف المنتدى وآليات تدبيره وضمان الشفافية في مختلف مراحله.
هشام أزرو، الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للتعليم (كدش) بأزيلال، اعتبر أن ما جرى لا يمكن اختزاله في “سوء تقدير”، بل يتعلق، بحسب تعبيره، بـ“توظيف سياسي مباشر لفضاء عمومي”، مضيفا أن المنتدى تم تحويله من فضاء تربوي إلى منصة “مبطنة لتمرير رسائل انتخابية”، في خرق واضح لمبدأ الحياد المؤسساتي.
وأوضح المتحدث أن إدراج مضامين أو شعارات ذات خلفية انتخابية ضمن تظاهرة رسمية تشرف عليها وزارة التربية الوطنية “ليس خطأ تقنيا، بل اختيار سياسي واع”، على حد وصفه، مؤكدا أن ذلك يشكل توظيفا غير مشروع للمرفق العمومي لأغراض سياسية، ويضرب القوانين المؤطرة للعمل العمومي.
وبخصوص المسؤوليات، شدد أزرو على أن الجهات المنظمة والمشرفة على التواصل الرقمي والوزارة الوصية تتحمل مسؤولية كاملة، معتبرا أن ما وقع إما أنه تم السماح به أو عجز عن منعه، وفي الحالتين “نحن أمام إخلال خطير يرقى إلى مستوى التواطؤ”، وفق تعبيره.
أما على مستوى الانعكاسات، فأبرز المسؤول النقابي أن هذه الممارسات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الصميم، وتؤثر سلبا على مصداقية المؤسسات العمومية، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مشيرا إلى أن استغلال إمكانيات الدولة في سياقات ذات طابع انتخابي “يمثل انحرافًا خطيرًا يمس قواعد اللعبة الديمقراطية”.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن ما وقع في المنتدى “ليس استثناء”، بل يعكس، حسب قوله، استمرارا لنهج يتم فيه توظيف المناسبات العمومية في سياقات انتخابية سابقة لأوانها، معتبرا أن المنتدى، بصيغته الحالية، “لم يعد سوى واجهة شكلية”، وإهدارا لإمكانيات مخصصة لنساء ورجال التعليم، كان الأجدر توجيهها لتحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية.


