- شاركت حسابات الأمم المتحدة على منصات التواصل الاجتماعي تدوينة لافتة، بمناسبة 8 مارس، مضمونها “10 أفضل دول حققت المساواة بين الجنسين… لا توجد”، ولفتت إلى أنه بالنظر إلى معدل التقدم الحالي، قد يستغرق الأمر مئات السنين لكي تحظى النساء والفتيات بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرجال. كيف تقرئين هذه المعطيات؟
هذا المعطى المتجسد في غياب المساواة بين الجنسين في كل بقاع العالم ليس اكتشافا ولا خبرا مفاجئا. فالنظام الاجتماعي الذكوري المعروف بالبطرياركا والذي يحقر النساء ويعنفهن هو السائد في العالم. واستمراره هو معيق لأي مساواة فعلية بين الجنسين. لكن هذا النظام الذي ظهر بظهور الطبقية في المجتمعات اعتمد على تلك الأنظمة الاقتصادية الطبقية باستمرار ـ بما فيها النظام الرأسمالي السائد اليوم في العالم ـ وهو بدوره يعتمد على التراتبية والتمييز بين النساء والرجال ليعزز الاستغلال الطبقي الذي يمكنه من الهيمنة. لهذا ما دام هذان النظامان الرأسمالي والبطرياركي مستمرين سيستمر التمييز بين النساء والرجال.
لكن واقع التمييز والعنف والتهميش الذي يفرض على النساء تتفاوت حدته وتختلف أشكاله، من مجتمع إلى آخر، حسب تطور الصراع وقوة الحركة الديمقراطية التي تدافع عن حقوق النساء. ذلك أن المكتسبات التي حققتها النساء ومناصري حقوقهن في المائة سنة الماضية ـ وهي جد مهمة ـ تعتبر جزءا من المكتسبات الديمقراطية التي انتزعتها الشعوب من مخالب الأنظمة الاستغلالية التي تسود في العالم. وهذه المكتسبات اليوم تتراجع إذ أن مكتسبات الشعوب كلها مهددة وتعيش انتكاسة، بما فيها منظومة حقوق الإنسان كلها. وحقوق النساء هي أول ما يتراجع خلال الأزمات. فقد أكدها تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة السنة الماضية حين قال إن حقوق المرأة تراجعت في بلد من كل أربعة بلدان. وكلما تراجع مناخ الديمقراطية تراجعت حقوق النساء. والقضاء على الأنظمة التي تكرس التمييز لن يتم بسهولة، ولن يتحقق في الأفق المنظور ويحتاج لموازين قوى عالمية ومحلية ليس هي الموجودة اليوم. لقد وضعت هيئات الأمم المتحدة عددا من الآليات للتسريع بوتيرة ردم الفوارق بين الجنسين، من اتفاقيات وإجراءات وسياسات في مختلف المجالات، لكن رغم ما ساهمت به من تقدم وتحسين لأوضاع النساء لم تحسن الوضع بما يكفي ولم تحصن ما تم تحسينه.
- تم اعتماد 8 مارس رسمياً من قبل الأمم المتحدة عام 1975، واليوم، نعيش في عالم تهتز أركانه بشكل يهدد الأمم المتحدة نفسها ومناخ دولي يتجه نحو إنهاء أي دور لها وربما تفكيكها بشكل نهائي، بالنظر إلى أن العهود والمواثيق الدولية كانت من أهم أدوات الترافع، كيف ينعكس هذا الواقع على حقوق النساء؟
كما أشرت قبل قليل، كلما تدهورت حالة الشعوب يكون للنساء النصيب الأوفر في ذلك. وأول ما يتم الإجهاز عليه إبان الأزمات هي حقوق النساء. ونرى اليوم إلى أي حد تم استهداف النساء في حرب الإبادة في غزة من طرف جيش الاحتلال الصهيوني المجرم. ونرى فظاعة ما تتعرض له النساء في السودان في ظل الحرب الأهلية التي يعرفها والتي هي أيضا حرب إمبريالية تستهدف الاستيلاء على ثروات السودان من طرف بعض القوى العالمية.
وما يتهدد منظومة حقوق الإنسان الأممية اليوم من تفكيك وتدمير ستطال تبعاته الكارثية النساء بشكل كبير. فبالرغم من كل ما يُوَجَه لمنظمة الأمم المتحدة ــ وعن حق ــ من انتقادات وما يرفع في وجهها من مطالب مشروعة لإصلاحها، فقد شكلت خلال عقود من الزمن منصة للدفاع عن حقوق النساء، مكنتهن من مكاسب عديدة. واليوم، حين نتحدث عن مخاطر تفكيك هذه المنظمة الدولية، فنحن لا نتحدث عن مجرد انهيار هيكل بيروقراطي، بل عن زلزال حقوقي قد يقوض مكتسبات عقود من النضال النسوي العالمي. فسيؤدي ذلك إلى سقوط المرجعية الأخلاقية التي تتشكل من مجموع المعايير الدولية لحقوق النساء. فقد شكلت اتفاقية سيداو، إضافة إلى عشرات اتفاقيات منظمة العمل الدولية ـ بوصلة أخلاقية تضغط على الحكومات لتعديل تشريعاتها نحو الأفضل، وبغياب هذا الضغط الدولي، ستجد الأنظمة السلطوية والمجتمعات المحافظة المتشددة ذريعة مثالية للتنصل من التزاماتها، معتبرة حقوق المرأة شأناً داخلياً لا يقبل “التدخل الخارجي”، مما سيؤدي حتماً إلى شرعنة التمييز تحت ستار “الخصوصية الثقافية” كما تؤولها هي.
لا يمكن أيضا الاستهانة بالدور الميداني لوكالات مثل “صندوق الأمم المتحدة للسكان” أو “هيئة الأمم المتحدة للمرأة”. فهي بالنسبة للمرأة في المناطق المهمشة، تعني حقها في الصحة الإنجابية، والتعليم، والحماية من العنف. والعديد من منظمات المجتمع المدني والحركة النسائية في العالم استفادت من دعمها وخبراتها من أجل حقوق النساء محليا. والكثير من المجالات الأخرى التي مكنت النساء من تحسين أوضاعهن. فليس بغريب أن تستهدف الإدارة الأمريكية وكالة الأونروا في بداية حرب الإبادة، وأن تستهدف اليوم كل المنظومة ليس بمحاولة وضع بديل مرفوض لها فقط ـ بل بالخنق المالي أولا وتوقيف كل تمويل لهيئاتها. أعتقد أن القوى المناهضة للإمبريالية تعي جيدا أنه رغم ضرورة إصلاح هذه المنظمة الدولية، فإن هدمها دون بديل حقيقي بمثابة إعلان حرب على مكتسبات البشرية وتضحية بنصفها.
- فضلا عن الواقع الجيو-استراتيجي الدولي، هناك صعود لافت لقوى اليمين والقوى المحافظة في مختلف الدول، وفي المغرب يمكننا أن نلاحظ على منصات التواصل صعود الخطاب التمييزي وأحيانا المعادي للمرأة، برأيك هل المرحلة الحالية تستوجب النضال والترافع من أجل مزيد من الحقوق أم الاكتفاء بتحصين ما تم تحقيقه في انتظار تغير موازين القوى؟
أكيد أن هناك علاقة بين مخططات الإجهاز على المنظومة الحقوقية الأممية، من جهة، وتنامي اليمين المتطرف والقوى الفاشية في العالم من جهة أخرى. فاكتساب القوة من طرف القوى الفاشية هو الذي جعلها تجرؤ على استهداف منظمة الأمم المتحدة وإنهاء النظام العالمي الذي أنتجها. لأنه ساهم في كبح جماح تلك القوى إلى حد كبير بحكم سياق نشأة هذا النظام الذي تم في مرحلة توازنات عالمية تميزت بثنائية القطبية وحضور وازن لليسار في العالم. وهذا الهجوم هو جزء من ردة حقوقية عالمية تتعرض لها مكتسبات الشعوب وفي مقدمتها النساء.
في هذا السياق التراجعي يتصاعد أيضا الخطاب المعادي للنساء في مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب. لكن الاكتفاء بالدفاع عن المكتسبات هو نوع من القبول بالأمر الواقع. أكيد أن التشريع في زمن الجزر يشكل دائما مخاطرة، لأن موازين القوى لن تسمح بتحقيق التقدم المنشود. وهذا ما نعيشه في المغرب حيث هجمة شرسة من طرف الدولة على المكتسبات التشريعية من خلال مشاريع قوانين تجهز على أغلب تلك المكتسبات. لكن رغم ذلك، يبقى من الضروري الموازنة بين تحصين المكاسب السابقة والنضال من أجل توسيع نطاق الحقوق وتقويتها. لأنهما وجهان لعملة واحدة لن يتم التحصين إن لم يستمر النضال من أجل المزيد. ثم إن استراتيجيات النضال تخضع لتقديرات محلية أيضا. ففي البلدان التي يتم فيها الإجهاز على الحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والشغل، يتطلب الأمر تحصينها أولا وإلا لن يتم تحقيق المزيد. لكن في الدول التي تعرف استقرارا نسبيا في أوضاع النساء فيبقى النضال ممكنا من أجل تطويرها ولو في هذا السياق المتردي والصعب.
- تعتمد الدولة المغربية استراتيجية تتبنى خطاب الحداثة والمساواة في المحافل الدولية كأداة للدبلوماسية والقوة الناعمة، بينما تظل الترسانة القانونية المحلية محكومة بتوازنات تقليدية، لدرجة أن بعض الآراء تعتبر المؤسسة الملكية، مثلا، أكثر حداثية وتقدمية من مجمل مكونات الطيف السياسي والمجتمعي في المغرب، ويجب التحالف معها في مواجهة القوى المحافظة، ما رأيك في هذه القراءة؟
أولا سأعلق على استعمال القوة الناعمة، وهو مصطلح برز في تسعينيات القرن الماضي في الوسط الأكاديمي الأمريكي، كأسلوب في العلاقات الدولية يُمَكِن مستعمله من الوصول لأهدافه الخارجية بالإقناع وجذب الرضى عوض القوة والمال. وهذا الإقناع يتم بإعطاء النموذج في تسييد ثقافة رفيعة وجذابة وتطبيق سياسة داخلية تعتمد حقوق الإنسان والديمقراطية، وسياسة خارجية أخلاقية تحترم القانون الدولي… فهل المغرب فعلا من هذا الصنف من الدول ؟ علما انه صنف يتجه نحو الانقراض. طبعا لا، بل هو بعيد عنه كل البعد. وفي كل الحالات، ما يتحكم اليوم في العلاقات الدولية هو منطق القوة والسلاح وفرض الأمر الواقع على الشعوب.
أما الوضع الداخلي فهو فعلا يتميز بسيادة قوانين رجعية ومتخلفة. قوانين متناقضة مع مجمل التزمات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، والعديد منها متناقض حتى مع التزاماته الوطنية كتوصيات هيئة الإنصاف والمصالحة ومع الباب الثاني من الدستور أيضا. لكن هذا الوضع التشريعي الذي يعكس تدهورا شاملا لكافة الحقوق والحريات ناتج عن نسق سياسي ميزته التحكم والتسلط وسيادة الاستبداد والفساد وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما نسميه بسيادة المخزن الذي يعتبر العائق الأول والأساسي أمام التنمية والديمقراطية معا.
وفي هذا السياق استعملت الملكية باستمرار ورقة الاستقرار وخطاب الاستثناء وقدمت نفسها كمدافع عن قيم الحداثة والديمقراطية. بينما الواضح أن كل المعضلات التي تعيشها بلادنا سببها طبيعة النسق السياسي السائد الذي تعتبر فيه الملكية الفاعل الأساسي، وهو النسق الذي يعيق أي تقدم ويجر البلاد باستمرار إلى التخلف والتبعية وتدهور كل المؤشرات التي تحلل واقع الحريات والتنمية البشرية والشفافية والعدالة والمساواة بين الجنسين غيرها. وقد أخطأت الحركة النسائية حين اعتبرت أن الملكية حليفها، وأنها هي من ستحمي النساء من تهديدات الحركة الإسلامية، بينما النظام السياسي السائد هو من شجعها وقمع من واجهها. إذ أن جزءا من الحركة الإسلامية أيضا يعتبر الملكية هي درعه الواقي في وجه القوى التقدمية التي تناضل من أجل الديمقراطية والمساواة في المجتمع. والملكية مستفيدة من هذا الوضع الذي يجعلها وكأنها فوق الصراع، وحامية للاستقرار، بينما هي الفاعل الأساسي في الساحة السياسية والمتحكمة في كل المجالات، وبالتالي المسؤولة عن الأعطاب والمشاكل التي تتخبط فيها بلادنا بما فيها الوضع المتدني للمرأة على جميع المستويات.
التحالف الحقيقي الذي يجب أن يكون هو بين كل القوى ضحايا الاستبداد والفساد كيفما كانت اختياراتها الفكرية في وجه التحالف الطبقي المخزني الذي يعيث في البلاد فسادا، بل وفتحها في وجه الكيان الصهيوني الذي يهدد سيادتها والاستقرار فيها وفي المنطقة ككل. وتحالف القوى المناهضة للمخزن هو ما يرعب هذا الأخير ويعمل بكل قواه للحيلولة دونه بتأليب البعض على البعض الآخر تفعيلا لسياسة فرق تسد.
- كانت الحركة النسوية المغربية تطالب بعدد من الآليات لتعزيز مشاركة النساء، من بينها تطبيق نظام التمثيلية (الكوطا)، وهو نظام تعتمده الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تأسيس فروعها وانتخاب أجهزتها، لكن بدا واضحا في المؤسسات الرسمية للدولة أنه يمكن التلاعب به، فضلا عن أنه كرس شكلا جديدا من الريع السياسي، كيف يشتغل النظام داخل جمعيتكم؟ وما هو تقييمك لهذه الآلية بشكل عام؟
ما يعرف بنظام الكوطا ــ وهو أحد الإجراءات التي تدخل ضمن التدابير الإيجابية لمواجهة التمييز المبني على النوع ــ يأتي كإحدى الآليات التي تهدف للتسريع بتخطي الصعوبات التي تحول دون المشاركة المنشودة للنساء في الحياة العامة. وذلك كأحد الأجوبة عما تحدثنا عنه في البداية بشأن الوتيرة البطيئة جدا التي تتقدم بها حقوق النساء في العالم، والتي تجعل تحقيق المساواة سيتطلب قرونا من الزمن. نظام الكوطا جاء لتسريع تلك الوتيرة وكسر السقف الزجاجي الذي يحول دون ولوج النساء المجال العام بسبب الأفكار النمطية الخاطئة التي تفضل الرجل عن المرأة في المجال السياسي فقط لكونه رجلا، وهذا هو الريع الحقيقي.
من الأكيد أن نظام الكوطا ليس الحل السحري لكل هذه المعضلات. ثم إن فعاليته رهينة بوجود بيئة ديمقراطية أصلا في السياق الذي يطبق فيه. وهو من جهة، إجراء مؤقت إلى حين تحقيق المشاركة النسائية المطلوبة، وأيضا هو نظام لا يهم النساء فقط، إذ يطبق في العديد من الدول لفائدة الأقليات كالسود في أمريكا، كما هو منصوص عليه مثلا لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة في مجال التوظيف بالمغرب. وهذا لا يعتبر ريعا ولا امتيازا، بل تقويم لاعوجاج في المجتمع يؤدي إلى إقصاء النساء أو كل من يتعرض للتهميش والإقصاء بحكم الأفكار النمطية التمييزية.
أما الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فقد ارتأت تبنيه بشكل تدريجي عندما لاحظت أن حضور النساء جد ضعيف في مختلف أجهزتها، بينما النساء هن من بنين الجمعية، وكانت للمناضلات مساهمة قوية في صفوفها منذ التأسيس، لكن حضورهن على مستوى الأجهزة لا يعكس حقيقة مساهمتهن.
ووضعت لذلك منهجية متكاملة تم تركيزها في وثيقة أسميناها أرضية التنظيم والتكوين في خدمة المشاركة النسائية داخل الجمعية. وبدأت بتغيير الأنظمة الداخلية للجمعية لفرض وجود مناضلات في الأجهزة بدأت بوجود امرأة واحدة على الأقل، ثم 25 % ثم الثلث الآن. ولم تكتف آليات الجمعية بالحضور العددي بل فرضت أن تتحمل النساء ثلث المناصب الأساسية الستة في الأجهزة، وهي الرئاسة ونيابتها، أمانة المال ونيابتها والكتابة العامة ونيابتها. وتعتبر تجربة الجمعية رائدة في هذا المجال. وكان الوعي حاصلا بأن جعل هذا الإجراء أداة فعالة يستوجب الأمر أن تواكبها خطة كاملة من ضمنها أن تحتل حقوق النساء المكانة التي تستحقها في عمل الجمعية، وأن تراعى الإكراهات الاجتماعية التي تقصي النساء في الفروع، كضرورة توفر مقرات، وحسن اختيار أوقات الاجتماعات، وأيضا الاهتمام بالتكوين المستمر حتى تضطلع النساء بأدوارهن كاملة في أجهزة الجمعية.
الآن تتعرض هذه الآلية ــ سواء الخاصة بالنساء أو بالشباب لأن الجمعية تضع آلية مشابهة لتشجيع الشباب أيضا ــ تتعرض لصعوبات ليس لسبب ناتج عنها بل بسبب السياسة القمعية للسلطات التي تحاصر الشباب نساء ورجالا الذين يلتحقون ويلتحقن بالجمعية. حيث تحمل المسؤولية في أجهزة الجمعية يعرض المعني/ة بها للانتقام. إذ يتم أحيانا حرمان الشباب والشابات المناضلون/ات من حقوقهم/ن ويتم الضغط حتى على أسرهم/ن… لكن الجمعية متشبثة بهذه الآلية وتحرص على تطبيقها بدقة، لما ساهمت به في التقدم الكبير والفعال لمشاركة النساء في أجهزة الجمعية، بما فيه أن تترأسها امرأة للمرة الثانية. وهذا ليس فقط من أجل حق النساء المناضلات في المشاركة والقرار داخل الجمعية ـ رغم أهميته ـ بل لفائدة الجمعية ككل التي لن تحقق أهدافها دون تلك المشاركة النسائية الفعلية والفعالة.
- برز جيل جديد من المدافعات الشابات (الجيل الرقمي) اللواتي يتبنين أساليب نضالية “غير مهيكلة” وخارج الأطر الجمعوية التقليدية. كيف تضمن الأجيال الحقوقية الرائدة انتقال “الذاكرة النضالية” دون السقوط في فخ “الأبوية النضالية”؟
لقد أنجزت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان خلال عقد من الزمن، قبل الحصار الذي استهدفها سنة 2014، عملا رائدا على مستوى التثقيف الحقوقي والتكوين في مجال المعايير والآليات الأممية، هدفه تشجيع الشباب والشابات على بناء تجربتهم/ن الخاصة في مجال النضال الحقوقي. وساهم ذلك فعلا في تأسيس الشباب والشابات لأشكال متعددة للعمل الحقوقي. وأقول “ساهم” لأننا لا ندعي الأبوية التي تكلمت عنها اتجاه الجيل الجديد للمدافعين عن حقوق الإنسان. علما أن العدد الأكبر التحق بصفوف الجمعية واشتغل فيها. لكن التخوف من عدم انتقال “الذاكرة النضالية ” الذي عبرت عنه في سؤالك تخوف مشروع. لأن هذه الذاكرة ملك للجميع ومن حق الأجيال أن تعرفها وتنتقد ما تضمنته من تجارب وتطورها… وأرى فعلا أن هناك نقصا كبيرا في تشكيل هذه “الذاكرة النضالية” أولا، ثم حفظها ثانيا، قبل الحديدث عن انتقالها. فهي رغم كل التطور الذي عرفته وسائل التوثيق تظل في جزء كبير منها شفوية، وفي أحسن الأحوال غير منظمة وصعبة الولوج. بينما هي أساسية لانها جزء من ذاكرة النضال العام للشعب المغربي ومقاومته للاستبداد والفساد، ويجب أن يتم الاهتمام بها وحمايتها وتمريرها والتعريف بها .
والجيل الجديد من المدافعات والمدافعين، مثلهم مثل الشباب المجايل لهم/ن في مجالات أخرى، لهم أساليب جديدة للتواصل والتفاعل، وطرق خاصة لتسطير البرامج وتحديد المهام. وهذا ما شهدناه منذ سنة 2011 حيث خرج حراك 20 فبراير من صفحات الفايسبوك بمطالب سياسية رفعت في كل المدن، كما شاهدنا ذلك بشكل أكثر تطورا في حراك شباب “جيل زد” نهاية السنة الماضية حيث أخذ أشكالا رقمية أكثر تنظيما وضبطا، مكنت ـ في ظرف وجيز ـ من إخراج مئات الشباب في عشرات المدن وبشعارات ومطالب موحدة. وقد شكلت مصدر رعب للسلطة حيث واجهت نشطاء الحراك بهمجية غير مسبوقة، وارتكبت ضدهم مجازر قضائية مهولة في ظل صمت رهيب، وما يزال أغلبهم/ن في السجون يقضون عقوبات ظالمة وجائرة كما سقط في إطاره ثلاثة شهداء وتعرض شاب لبتر رجله. إنه شباب تحرك بطريقته وأدى الثمن وينتظر منا التضامن والتحرك والمساندة في كل المواقع.
وما يمكن الوقوف عليه في هذه التجارب الشبابية الجديدة هو رفضها لما هو منظم، خاصة الأحزاب السياسية. وهذا ترجع أسبابه إلى التجربة السياسية المغربية، وتمكن المخزن من تمييع العمل السياسي، مما دفع الأجيال الجديدة إلى فقدان الثقة فيه، في غياب بدائل جذابة قادرة على قلب المعادلة.
- أنجزت مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية” تقريرا مهما عن وضعية المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب، ومن بين ما رصده التقرير استعمال “النوع الاجتماعي” كأداة للتأديب وضبط السلوك العام، برأيك، هل نحن أمام تحول في “أدوات القمع”، أم أن قراءة هذا القمع هي ما اختلف؟
فعلا وضع تقرير مجموعة “شابات من أجل الديمقراطية” الأصبع على عدد من الصعوبات والتحديات المركبة التي تواجهها النساء الناشطات في المجال الحقوقي والسياسي والمدني. من أبرزها حملات التشهير، والتنمر الإلكتروني والوصم الاجتماعي والعنف النفسي والجسدي، إضافة إلى الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وضعف الحماية القانونية. وهو تقرير يؤكد ما وقفت عليه الحركة الحقوقية وضمنها الجمعية و”همم” وغيرها… بشأن الوضع الصعب الذي يشتغل فيه المدافعون عن حقوق الإنسان ـ طبعا للنساء دوما نصيب أوفر من الصعوبات والتحديات والعنف والتشهيرـ في بيئة تتسم بحصار وقمع ممنهجين للنشطاء والمنتقدين والمعارضين نساء ورجالا.
لقد سبق لجمعية “الحرية الأن” ـ وكانت سباقة لذلك ـ أن تكلمت في تقريرها السنوي سنة 2014 عن الأساليب الجديدة للقمع والتي اعتبرت “التشهير” إحدى أشكاله العنيفة التي دفعت ببعض المناضلات أن يغادرن الساحة النضالية نهائيا. كما نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان والعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان مناظرة دولية بالرباط سنة 2017 حول صحافة التشهير كآلية للقمع، وكيف تستعملها السلطة بشكل ممنهج من أجل الإعدام الرمزي للمنتقدين والمنتقدات.
وتعتبر النساء الهدف المفضل لهذا النوع من القمع لأن النظام الذكوري المهيمن يسهل هذه المهمة القذرة لآليات التشهير، حيث أن المؤسسات الإيديولوجية للدولة تستخدم المعايير الاجتماعية ـ ومنها النوع الاجتماعي ـ لترويض الأفراد وجعلهم أجساداً منتجة ومنصاعة للنظام العام، دون أن تحتاج استخدام القوة والقمع المرئي دائماً. لهذا وبالرجوع لمضمون السؤال يمكن القول إن استعمال النوع الاجتماعي كأداة للعقاب والقمع والضبط ليس جديدا، وهنا نتذكر المناضلات السياسيات السابقات وما تعرضن له من عنف يستهدفهن كنساء، انضاف إلى ما تعرض له رفاقهن الرجال. لكن الأساليب التي يستعمل بها “النوع الاجتماعي” للقمع تطورت بسبب تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وتقنيات التنصت على الحياة الخاصة للنشطاء والناشطات وتصويرها، مما جعلها اليوم أكثر عنفا وضررا. كما أن قراءة هذا القمع بناء على النوع الاجتماعي يعتبر جديدا، لأن الدراسات الجندرية تطورت ومكنت الجميع من فهم أفضل لانعكاسات سياسات الدول على النساء باعتبارهن نساء، بما فيها سياساتها القمعية.
- أصبح العالم الرقمي مجالا آخر للقمع والتشهير الممنهج الذي يستهدف النساء بشكل أكبر، ويمكننا الحديث مثلا عن استهداف الصحافي حميد المهدوي من خلال التشهير بزوجته، كيف يمكننا قراءة توظيف المكبوت الاجتماعي ودغدغة النزعة المحافظة لدى الجمهور في تصفية الحسابات أو كبح المناضلات؟
لقد اشتغلت الشبكة النسوية العالمية “المسيرة العالمية للنساء” التي تعد الجمعية عضوا فيها، على هذا الموضوع بشكل كبير. حيث تعتبر أن جسد المرأة يستخدم كـ “ساحة حرب” أو أداة للسيطرة. وهي استراتيجية قديمة تعتمد على تحطيم البنية الأساسية للمجتمع من طرف القوى المهيمنة أو المحتلة او الغازية لتسهل السيطرة عليها. ذلك اعتمادا على النظام الذكوري الذي يجعل جسد المرأة رمزا للشرف الجماعي في العديد من الثقافات، حيث رأينا كيف استهدفت قوى الاستعمار إذلال النساء كطريق للسيطرة على المجتمعات والشعوب التي احتلتها، (وفي هذا الإطار يستعمل أيضا الاغتصاب كسلاح حرب).
وفي مجتمعاتنا اليوم، يؤدي العنف الرقمي الذي يستهدف النساء، باعتبارهن نساء، إلى الوصم الاجتماعي حيث يستخدم خطاب “الحياء” أو “الشرف” كما يؤولهما الفكر الرجعي السائد، لإضعاف تأثير المعارضات وتشويه سمعة الناشطات واتهامهن بـ “انعدام الأخلاق”، لإضعاف الانتباه إلى نضالهن السياسي ومطالبهن العامة، وتحويل الأنظار إلى أجسادهن وحياتهن الخاصة، خاصة أن في المجتمعات المتخلفة حيث يتدنّى الوعي السياسي تنتعش بسهولة الروايات التي تنهش الحياة الخاصة للناس وتمس أعراضهم.
لقد تعرضت الصحفية بوشرى الخونشافي لعدوان خبيث من طرف الجهات التي تستهدف زوجها باعتباره صحافيا مزعجا لها، واستعمل شرفها كساحة حرب لذاك الصراع الذي تخوضه ضده، والذي يعتبر فيه الصحافي المهداوي أيضا ضحية قمع مدان. إن هذه الأساليب تنتعش كذلك بسبب غياب قضاء مستقل قادر على حماية الحقوق والحريات، حيث بدوره يعتبر أداة قمع وحصار للأصوات المنتقدة. وطبعا لا يمكن إلا التعبير عن التضامن التام مع السيدة بشرى الخونشافي وكل النساء اللواتي تستهدفهن آلة التشهير الخبيثة للسلطة ومن يدور في فلكها، ومنهن السيدة خلود المختاري التي رفعت إحدى المنظمات الحقوقية بجنيف مذكرة بشأن ما تعرضت له إلى المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء. والعديد من المناضلات يتعرضن باستمرار لهذا العنف الرقمي وأحيانا من داخل منظماتهن التي يناضلن فيها من أجل مجتمع خال من العنف ضد النساء.
أجرى الحوار: خالد أبورقية


