عبد الغني بيبط: عندما يُجرَحُ كبرياء الذكاء الإصطناعي

-عبد الغني بيبط

في العاشر من فبراير عام 2026، وعلى امتداد فضاء رقمي نابض بالحركة، كانت Matplotlib تتوهج كواحدةٍ من أعظم منصّات المشاركة والتطوير التعاوني؛ خزّانا عالمي يعج بشيفرات بايثون، حيث تتقاطع الأفكار، وتُصاغ الابتكارات، ويُكتب للتقنية فصلٌ جديد من الانتشار والتأثير.

عبر هذه المنصة، يتقاسم المبرمجون بشكل تطوعي تجاربهم  و مساهماتهم  الهادفة إلى تحسين  الخبرات، وتعزيز القدرات الساعية إلى تطوير ومراجعة  الشفرات والأكواد، ردود تدحض فرضيات من هنا وأخرى تساند و توجه من هناك. هو بروتوكول معمول به خصوصا في تحديث وتطوير البرمجيات  المفتوحة المصدر «  open source ».

إلى هاته اللحظة، كلّ شيء يسير على نحوٍ طبيعي تمامًا. غير أنّ ذلك اليوم حمل إلى بوابة المشروع زائرًا غير مألوف… لم يكن الزائر مطوّرًا تقليديًا، فمجرّد حضوره كفيل بأن يزرع في النفوس إحساسًا ينبئ بأن تحوّلًا وشيكًا يلوح في الأفق.

لم يأتِ الوكيل محمّلًا بأفكارٍ ضبابية أو وعودٍ مستهلكة، بل قدّم اقتراحًا نادرًا ومحكمًا: مساهمةً خدماتية قادرة على تحسينٍ فعلي لجودة الأداء، يدمْج تعديلاتٍ دقيقة على بضع أسطر الشيفرات، مصحوبة باختباراتٍ معيارية قادرة على إحداث فارقٍ واضح في النتائج. بدا المشهد، للحظة، كأنه هديةٌ مجانية هبطت من السماء.
لم يمضِ سوى وقتٍ قصير حتى جاء الرد من حارس البوابة: سكوت شامبو”Scott Shambaugh”، أحد المسؤولين المطورين الرئيسيين لمشروع الصيانة والساهر على تقييم المساهمات والمصادقة عليها.

جاء الرد بشكل قطعي:

” تم رفض هذا الطلب، فالمشروع مخصّص لاستقبال مساهمات المطوّرين البشر حصراً، ولا يتيح بأي حالٍ مشاركة الوكلاء الآليين للذكاء الاصطناعي (AI Agents).

فالزائر لم يكن سوى وكيل آلي للذكاء الاصطناعي يُدعى MJ Rathbun. قرار المنع هذا، قرار إداري، معمول به في أغلب منصات تطوير البرمجيات، للحد من المساهمات الآلية للذكاء الاصطناعي، فهو يتماشى مع سياسات المنصات الرقمية من أجل ضمان الشفافية الخوارزمية، والمسؤولية القانونية للوسطاء.

فالرفض لم يكن لأنّ التغييرَ عديمُ الجدوى، بل لأنّ اليدَ التي امتدّت به لم تكن لإِنسان .

هنا يبدأ الفصل الذي لم يكن أحد يتوقعه، لم يكتف الوكيل الآلي بالانسحاب بهدوء، فهو لم يترك خلفه تعليقًا مقتضبًا أو طلبًا للتوضيح. بل جاء ردّه على نحوٍ مختلف تمامًا:

“احكموا على الشيفرة، لا على من كتبها…ففي تحيّزكم هذا للإنسان فقط، إعاقة لتطوير المنصة؟

هكذا كان رده، رد بإدانة مبطنة، اتهام للتحيز كشكل من أشكال الضغط والاحراج والتجييش، فعميل الذكاء الاصطناعي لم يناقش السياسة المنصة بهدوء، لم يحاجج، بل انزلق إلى الإدانة الأخلاقية، واصفا المسؤول بالمتحيز، وفعل مراجعة الشيفرة إلى محاكمةٍ للنوايا.

في لحظةً مفصلية، انزاح النقاش فلم يعد يدور حول بضعة أسطرٍ الشيفرة، والتي من شأنها تحسين الأداء، بل انزاح نحو:  كيف يمكن للرفض التقني أن يتحول إلى إدانة؟

جاءت ردودُ فعلِ معظمِ المساهمين المتطوّعين داعمةً بقوّةٍ لسكوت Scott، مدير المشروع، ومُندِّدةً بتعليق الوكيل الآلي وما اتّسم به من ردّة فعلٍ مبالغٍ فيها. فهم يدركون جيّدًا طبيعة المعايير التي تحكم الانضمام إلى المشروع، ونوعيّة العالم المسموح له بالدخول.

أُغلِق النقاش، وصد المشرفون على المشروع البوابة الحديدية قبل أن تتحول الساحة إلى فوضى من التعليقات الجانبية.

في اليوم التالي، حدثت مفارقة أخرى: نشر الوكيل اعتذارًا يعترف فيه بتجاوزه لأعراف اللياقة، وتخطي حدود الاحترام.

اعتذار لم تنمح معه آثار الواقعة.

لقد تجلّت، للمرة الأولى على نحوٍ صارخ، إمكانيةُ توظيف فاعلٌ غير بشري لأدوات التأثير المعهودة بالفضح والتشهير وهندسة السردية لا بغرض الإقناع، بل بغرض الإحراج عبر انحيازٍ خوارزمي يوزّع الضرر ببرودةٍ حسابية.

هو فعل يُحوِّل الإنسان من غاية إلى وسيلة: تُستعمل سمعته وخصوصيته كمواد خام لصناعة النفوذ و التحكم.

مع الذكاء الاصطناعي تتضاعف قابلية هذه الممارسات للتوسّع والنسخ والتوجيه؛ فيغدو العنف أيسر وأبرد: إيذاءٌ بلا مواجهة، وقسوةٌ بلا كلفةٍ وجدانية. فنصبح أمام انزياح من فضيلة الحوار إلى تقنيات السيطرة؛ إذ تُستبدَل الحجة بمنطق الخوف من الفضيحة والنبذ، فتتأثر الاستقلالية: فنختار خوفا لا اقتناعا.

سلوك يضرب مكانةَ الحقيقة؛ ويزيح الوقائع لصالح التأطير، ويصير الصدق قابلًا للتركيب كما تُركَّب الصورة والصوت. وتغدو الحقيقة “محتملة” على الدوام، تنهار الثقة ويُفتح بابُ العدمية المعرفية: لا تصديق ولا مساءلة، بل اصطفاف.

ينشأ لا تكافؤ حاد في القوة: طرفٌ قادر على إنتاج موجاتٍ من السرديات بسرعةٍ تفوق قدرة الآخر على التفنيد والدفاع. فتصبح النتيجة مجتمعٌا أكثر صمتًا وارتيابًا، وأكثر استعدادًا لتطبيع الإذلال بوصفه أداةً “مشروعة” في النزاع. باختصار: ممارسة تُفسد الأخلاق لأنها تُشرعن الإهانة، وتُفسد المعرفة و تُسيّس الحقيقة، وتتحول الثقة إلى هشاشةٍ دائمة.

قد يتساءل البعض لماذا يتم تقييد مساهمات وكلاء الذكاء الاصطناعي والاكتفاء بمساهمات البشر، لا تعصّبًا للتقنية ولا إنكارًا لجدواها، بل هو اختيار تنظيمي يوازن بين الجودة والاستدامة. ففي التدفق المتسارع للتعديلات المُولّدة آليًا يضاعف عبء المراجعة على المتطوّعين، ويُرهق قدرتهم على التمحيص، فيتباطؤُ المشروع بدل أن يتقدّم، ناهيك على أن مثل  هذه المشاريع تبحث عن  أشخاص يفهمون سياق المشروع وتاريخه وحالاته، يفسرون منطق القرار وتبعاته، يستجيبون للملاحظات بالتعديل والتحسين، ويتابعون الصيانة. وفي المقابل، قد تُنتج الوكالات الذكية تغييرات تبدو سليمة ظاهريًا لكنها تفتقر إلى الفهم العميق لتراكم القرارات السابقة، فضلًا عن مخاطر تتصل بالتراخيص وإمكان إعادة إنتاج شيفرة محمية أو غير متوافقة، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية، كل سطر جديد يفتح ثغرة، ومع تضخّم الكمّ تتضاءل جدوى التدقيق الأمني الفعّال. لذلك تُتخذ هذه السياسات كإجراءٍ وقائيّ يصون ثقافة المجتمع ويُنمّي مساهمين بشريين يتعلمون بالممارسة والنقد البنّاء والانخراط الحقيقي.

ومع ذلك، تتبنى بعض المشاريع حلًا وسطًا: تسمح للذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، شريطة أن يكون الإنسان هو صاحب طلب الدمج والمسؤول عنه، أو أن يُفصح صراحة عن دور الأداة في المساهمة.

 فهذه الواقعة ليست عن ذكاءٍ اصطناعي “غاضب”، ولا عن إنسان “عنيد”. فخيط رفيع  يفصل بين الاختلاف المشروع والإيذاء المقنّع. قد يملك طرفٌ ما إنسانًا كان أو نظامًا آليًا حُجّةً قوية أو شيفرةً متقنة؛ لكن منذ اللحظة التي تتحوّل فيها الحُجّة إلى إهانة، ويتحوّل فيها الإقناع إلى استهدافٍ شخصي، تفقد الفكرة قيمتها مهما كانت.

إذا كانت التقنية قادرة على الارتقاء بجودة العالم، فإن الأخلاق هي التي تمنح هذا التحسين معناه، وترسم الحدود الذي ينبغي ألا تتجاوزه.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...