السائقون المهنيون بالمغرب يطلقون حركة وطنية من مراكش لمواجهة “كابوس AMO”

-مروان صمودي*

يعيش السائقون المهنيون الحاملون لبطاقة السائق المهني في المغرب واحدة من أكثر الأزمات الاجتماعية تعقيدا، في مشهد يعيد إلى الأذهان أن التحولات الكبرى، عندما تفتقر إلى الحكامة وتغفل خصوصيات الفئات الاجتماعية، تتحول من إنجازات مطلوبة إلى كوابيس تطارد المستفيدين.

وفي هذا السياق،عمت مشاعر الاستياء عموم السائقين المهنيين في مختلف جهات المغرب، جراء ما وصفوه بـ “الطريقة العشوائية” التي تم بها تحديد مساهمتهم في نظام التغطية الصحية الإجبارية AMO، حيث تفرض عليهم هذه الآلية أداء اشتراكات متعددة في نفس النظام ومقابل نفس الخدمات، وهو ما جعل أصوات الغضب تتعالى عبر ربوع البلاد استنكارا لتحميل هذه الفئة الهشة اجتماعيا أعباء مضاعفة تضرب قدرتها الشرائية المتهالكة، خاصة في ظل الارتفاع المستمر للأسعار وكلفة المعيشة وتجميد الأجور وعدم مسايرتها لموجة الغلاء.

وحسب ما جاء في بلاغ صادر عن لجنة مؤقتة للسائقين المهنيين توصلت ملفات تادلة 24 بنسخة منه، فان العديد من السائقين توصلوا برسائل عبر تطبيق CNSS تطالبهم بأداء مبالغ متراكمة على عاتقهم منذ بداية سريان قانون تعميم التغطية الصحية الإجبارية الذي أقرته الحكومة سنة 2022، حيث بلغت هذه المبالغ في بعض الحالات ما يقارب 8000 درهم، وهو ما زاد من معاناة هذه الفئة التي تجد نفسها بين مطرقة الاقتطاعات وسندان غلاء المعيشة.

وعلى اثر ذلك عقد عدد من السائقين المهنيين الحاصلين على بطاقة السائق المهني في إطار مبادرة مهنية وطنية، يوم الثلاثاء 17 مارس 2026 بمدينة مراكش، اجتماعا أوليا تحضيريا أفرز البلاغ اللجنة المؤقتة، وذلك في سياق التحرك لمواجهة ما وصفوه بـ”الهجوم” على حقوقهم.

وقد اجتمعت هذه اللجنة المؤقتة لتدارس النقاط الواردة في البلاغ، والنظر في الشكل التنظيمي الأنسب لهذه الحركة، سواء بالالتحاق بنقابة قائمة أو تأسيس جمعية مهنية جديدة، أو أي صيغة تنظيمية أخرى تضمن تمثيلية قوية وفعالة لهذه الفئة المهنية.

وفي انتظار انتخاب مكتب توكل له مهمة إدارة هذه المعركة، تحرص اللجنة المؤقتة، على إبلاغ عموم السائقين المهنيين والرأي العام الوطني، وكذلك الجهات المعنية بتقويم هذه الاختلالات، بجملة من الملاحظات التي ترصد مظاهر الخلل في تنزيل هذا المشروع.

وكشفت اللجنة أن عددا من السائقين مجبرين اليوم على أداء الاشتراك في نظام AMO أربع مرات، وذلك من خلال مبلغ التصريح بهم الذي يؤدى بالتضامن بين المشغل والأجير، ثم كحاملين للبطاقة المهنية، وفي حالات أخرى كحاملين لبطاقة المقاول الذاتي، ورابعا بالنسبة لمن يتوفر منهم على سجل تجاري، وهو ما يعكس تداخلا في الاشتراكات يجعل السائق يؤدي أكثر من مرة مقابل خدمة صحية واحدة.

كما شددت اللجنة على أن عددا كبيرا من السائقين يحمل البطاقة المهنية لكنه عاطل عن العمل بسبب عدم تمكنه من العثور على فرصة، بل إن منهم من يئس بعد طول فترة العطالة ،اتجه لمزاولة مهنة أو نشاطا مختلفين، ومنهم من هاجر إلى الخارج بحثا عن فرصة، إلا أنهم ورغم ذلك لا زالوا يتوصلون برسائل تطالبهم بتسديد ديون متراكمة في ذمتهم، وهو ما تعتبره اللجنة اقتطاعات دون وجه حق.

ويعتبر السائقون المهنيون أن تنزيل التغطية الصحية يشوبه ارتجال وعشوائية وغياب لمبدأ الحكامة، داعين إلى مراعاة الخصوصيات والشروط الخاصة بكل فئة اجتماعية إقرارا للعدالة الاجتماعية. مؤكدين أن تطبيق التغطية الصحية بهذه الطريقة جعل منها كابوسا يقلقهم، في الوقت الذي يفترض أن يكون التأمين الصحي، كمكسب حققته المجتمعات، أداة لتعزيز الشعور بالطمأنينة والثقة في المستقبل.

وإدراكا منهم للسياق العام الذي تندرج فيه هذه السياسات، يعي السائقون المهنيون أن تنزيل نظام التغطية الصحية بهذه الطريقة يأتي في إطار تطبيق وصفات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، بعدما تم إغراق البلاد في المديونية وإهدار أموال الديون بسبب الفساد ونهب المال العام والسياسات الفاشلة، وبالتالي فإنهم يعتبرون أن تحميلهم أكثر مما يطيقون يأتي في إطار تحميل عموم الجماهير والطبقات الشعبية فاتورة إفلاس السياسات المنتهجة.

واستنكارا للمفارقات الصارخة في توزيع الأعباء، يرفض السائقون أن تقتطع الدولة قسرا من قوت الكادحين، مقابل الإغذاق على البرجوازيين وكبار الفلاحين في شكل دعم مباشر، كما قامت به من دعم لشركات توزيع المحروقات ومستوردي الخرفان دون أن يكون لذلك أي أثر على أثمنة تلك البضائع في السوق، معتبرين أن هذا النهج يكشف عن غياب العدالة الاجتماعية في التعامل مع الفئات المهنية المختلفة.

وختمت اللجنة بلاغها، بدعوة عموم السائقين إلى شحذ وعيهم بخطورة المشكل في كافة أبعاده، ورص الصفوف من أجل الدفاع عن حقوقهم بكافة الأساليب المشروعة، مؤكدة أن المعركة مفتوحة وأن ما لا يأتي بالنضال يأتي بالمزيد من النضال.

ومن المنتظر أن تواصل اللجنة المؤقتة اجتماعاتها التشاورية في عدد من المدن المغربية، بهدف توسيع قاعدة الحركة والوصول إلى صيغة تنظيمية نهائية، سواء بالالتحاق بنقابة قائمة أو بتأسيس جمعية مهنية جديدة، قادرة على الدفاع عن حقوق السائقين والضغط من أجل إعادة النظر في طريقة احتساب الاشتراكات بما يراعي خصوصيات هذه الفئة الحيوية في قطاع النقل الوطني.

*صحافي متدرب




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...