-عبد الرحمان سفير*
في واحدة من أكثر القصص إثارة واستثنائية في تاريخ كرة القدم بالقارة الإفريقية، شهدت الساحة الرياضية خلال الشهرين الماضيين سلسلة من الأحداث المتسارعة؛ بدءا بالمواجهة الساخنة بين “أسود الأطلس” و”أسود التيرانغا” على أرضية ملعب مولاي عبد الله. مرورا بقرار لجنة الانضباط في “الكاف” ثم لجنة الاستئناف بعد ذلك، وستستمر إلى غاية دراسة الطعن السنغالي على مستوى محكمة التحكيم الرياضي إن هي اختارت ذلك المسار. ناهيك عن المحاكمة المارطونية للمتورطين ال 19 في الأحداث التي شهدتها المباراة النهائية.
خلال المباراة النهائية التي جرت أطوارها بتاريخ 18 من يناير، غادر أغلب لاعبي المنتخب السنغالي الملعب بأمر من مدرب الفريق بابي تياو إلى غرفة الملابس لأزيد من 15 دقيقة احتجاجا على ركلة جزاء لصالح المغرب، جاءت في الوقت بدل الضائع من المباراة، بعد إلغاء هدف للسنغال؛ بينما اشتبك مشجعو السنغال مع أفراد الأمن.
عاد اللاعبون لاحقا إلى الملعب تحت إلحاح القائد ساديو ماني، ليهدر هداف البطولة إبراهيم دياز ركلة الجزاء على طريقة “بانينكا” التي فجرت بدورها الكثير من ردود الفعل بين معتبر بأن تضييعها كان شرطا من الجانب السينغالي لاستئناف اللعب، وبين من عدّها إخفاقا من إبراهيم نتيجة فقدان التركيز بسبب ما عرفته المباراة من أحداث شغب وعنف.
ارتفعت معنويات الفريق السنغالي، فكثفوا هجماتهم في بداية الشوط الإضافي الأول، فجاء الهدف السنغالي في شباك المغرب في الدقيقة 94 على يد بابي غايي. لتنتهي المباراة بفوز السنغال على المغرب بهدف لصفر، قاد أسود التيرانغا لاعتلاء منصة التتويج في فرحة عارمة وخيبة أمل عميقة لدى أسود الأطلس ومشجعيهم بالملعب.
توجه المغرب للكاف للطعن في النتيجة، فأقرت لجنة الانضباط التابعة للكاف بالفوز المستحق للسنغال بتاريخ 3 فبراير الماضي مع تغريمه 615 ألف دولار بينما فرضت على الاتحاد المغربي غرامة قدرها 315 ألف دولار. كما صدرت عقوبات بإيقاف لاعبين من كلا الطرفين. في حين، ذهبت لجنة الاستئناف إلى عكس ذلك تماما في 17 من مارس الجاري، معتبرة منتخب السنغال منهزما بالانسحاب من المباراة أمام المغرب ب 3-0 طبقا للماة 84 من لوائح الكان.
قوبل القرار بالرفض القاطع في السنغال شعبا وحكومة، ذهب لحد وصف السلطات السنغالية للكاف بالفساد وبانحيازها للمغرب، وأنها ستتمسك بالكأس وإن اقتضى الأمر الانسحاب من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، كما أنها ستسلك كل السبل القانونية للاحتفاظ باللقب.
دفاع موتسبي عن قرارات الكاف
دافع الجنوب إفريقي، باتريس موتسيبي رئيس الكاف بشدة عن استقلالية الهيئات القضائية التابعة للاتحاد، مشيرا إلى أن لجنة الانضباط ولجنة الاستئناف تتكونان من أكثر المحامين والقضاة احتراما في القارة، كما أنهما تختاران عبر ترشيحات من جميع الاتحادات الأعضاء البالغ عددها 54 اتحادا، بالإضافة إلى الاتحادات الإقليمية الست. وأضاف أن اختلاف قرار اللجنتين دليل على الاستقلالية الكاملة التي يتمتع بها القضاء الكروي الإفريقي.
وبشأن الاتهامات بأن قرار لجنة الاستئناف جاء محابيا للمغرب، شدد موتسيبي، في فيديو نشر على موقع الاتحاد، على أن الكاف لا تتعامل مع أي دولة في إفريقيا بطريقة أكثر تفضيلا من أي دولة أخرى. كما رحب موتسيبي بقرار طعن السنغال في الحكم أمام محكمة التحكيم الرياضية (CAS) بلوزان، مؤكدا أن الكاف سيلتزم بأي قرار تصدره السلطة القضائية الكروية الأعلى.
اعتقالات ومحاكمات
تابعت المحكمة الابتدائية بالرباط على مدى خمس جلسات امتدت بين الـ22 من يناير وال19 من فبراير المنصرمين، ولأزيد من 15 ساعة، ملف 18 متهما من السنغال بالإضافة إلى فرنسي من أصول جزائرية، في القضية الجنحية التلبسية رقم 95/2103/2026، المتعلقة بأحداث الشغب التي شهدها ملعب الأمير مولاي عبد الله خلال نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بين المنتخب المغربي والسنغالي.
عرفت المحاكمة التي تراوحت عقوباتها بين ثلاثة أشهر وسنة، تحديات كثيرة لعل أهمها غياب الدفاع عن بعض جلسات المحاكمة نتيجة إضراب هيئة المحامين، وإنكار المتهمين للتهم المنسوبة إليهم، مبررين دخولهم إلى أرضية الملعب إما بغرض استعادة ممتلكات شخصية أو لحث زملائهم على العودة إلى المدرجات أو نتيجة التدافع. وقد عبر بعض منهم عن أسفه لما وقع مشيدين بالعلاقات الطيبة بين المغرب والسنغال.
رحيل الركراكي قبل التتويج
في تطور مفاجئ داخل المعسكر المغربي، أعلنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في 5 مارس عن انفصالها عن المدرب وليد الركراكي، ليخلفه محمد وهبي. جاء القرار بعد حملة انتقادات لاذعة تعرض لها المدرب من الصحافة المحلية بعد الخسارة في النهائي، على الرغم من إنجازاته التاريخية السابقة بقيادة المنتخب لنصف نهائي كأس العالم 2022، وهو المستوى الذي لم يبلغه من قبل أي فريق عربي أو إفريقي.
هذا وإن أكدت محكمة التحكيم الرياضي بلوزان قرار لجنة الاستئناف التابعة للكاف، أو في حالة عدم إقبال السنغال على الطعن تجنبا لعقوبات أشد قد تطالها من ذلك أمام قوة ملف الدفاع المغربي، فسنكون حتما أمام مفارقة لا نظير لها في تاريخ المغرب الكروي، تتجلى في التخلي عن خدمات من قد حقق للمنتخب الوطني المغربي أفضل إنجازاته على الإطلاق؛ وهو ما قد يوصف مستقبلا بجحود ونكران للجميل.
استعدادات جديدة وسط غموض قانوني
مع بدء حقبة جديدة للمنتخب المغربي بقيادة المدرب محمد وهبي، كشفت القائمة الأولى التي أعلن عنها في 19 مارس عن غياب نجوم الجيل السابق مثل حكيم زياش ويوسف النصيري، واعتمدت على دماء جديدة استعدادا لمواجهات ودية تجهيزا لكأس العالم. في المقابل، لا يزال مصير اللقب القاري معلقا بقرار المحكمة، حيث من المتوقع أن تستغرق إجراءات الفصل في القضية عدة أشهر، تاركة الجماهير الإفريقية في حالة ترقب لما ستؤول إليه هذه القضية القانونية الفريدة في تاريخ المسابقة.
دبلوماسية مغربية حكيمة
وعبر كل هذا المسار الطويل، ظل الحرص الرسمي المغربي ثابتا بخصوص الحفاظ على العلاقات الأخوية بين المغرب والسنغال في ما وصفه مراقبون بـ “الحكمة الدبلوماسية المغربية”. ولعل عقد النسخة الـ 15 للجنة العليا المشتركة بين البلدين يومي 26 و27 يناير؛ أي بعد أسبوع فقط من الأحداث المؤسفة التي عرفتها المباراة النهائية، دونما إلغاء أو حتى تأخير لهذه القمة عن موعدها المقرر أتى في هذا الباب.
عرفت النسخة توقيع 17 اتفاقية بعدة مجالات منها الصناعة والتجارة والصيد البحري، مع التأكيد المتبادل بين البلدين على ضرورة تعزيز العلاقات بينهما بعيدا عن التأثر بالشغف الرياضي. وهذا ما حال دون أي انزلاق لهذه الصداقة، مع قطع الطريق في الوقت نفسه أمام أي مناورة محتملة للجزائر في هذا الباب.
اتسمت تعليقات رئيس الجامعة فوزي لقجع، وحتى المدرب وليد الركراكي، وكل المسؤولين بالدولة المغربية- على قلة تدخلاتهم- طول هذا المسار بالتروي والحكمة، وكانت كلها تصب في ما مفاده الثقة في القضاء الكروي التابع للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، دون الإساءة للسنغال لا من قريب ولا بعيد. وحتى مع قرار لجنة الاستئناف ونشوة النصر باستعادة اللقب، ظلت العبارة ذاتها هي الديدن.
وحفاظا على العلاقة بين البلدين، ولكن هذه المرة من مجال القضاء، جرت محاكمة السنغاليين الـ 18 وسط حضور حقوقي وإعلامي مكثف، وبمتابعة دقيقة من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان التي أوفدت أربعة ملاحظين قانونيين لرصد مدى توفر محاكمة الموقوفين السنغاليين لضمانات المحاكمة العادلة. وقد أصدرت المنظمة بناء على ذلك تقريرا مطولا من 19 صفحة عن الظروف التي مرت فيها أطوار المحاكمة.
خلص تقرير المنظمة المغربية لحقوق الإنسان إلى أن المحاكمة استوفت كل ضمانات المحاكمة العادلة كما ينص على ذلك الدستور المغربي والقوانين الدولية ذات الصلة: بما في ذلك علنية الجلسات، وتمكين المتهمين من الدفاع عن أنفسهم، وتوفير الترجمة، واحترام قرينة البراءة عبر استعمال مصطلح “المتهمين”، وحياد الهيئة القضائية وتفاعلها الإيجابي مع الملتمسات.
وعلى صعيد آخر، ودائما بهدف الحفاظ على متانة العلاقات بين البلدين الشقيقين المغرب والسنغال، دعت سفارة المغرب في دكار، في بلاغ لها، المغاربة المقيمين في السنغال مباشرة عقب قرار لجنة الاستئناف إلى ضبط النفس، والتحلي باليقظة، وتحمل المسؤولية معتبرة أن العلاقات مع الشقيقة السنغال أمتن من أن تؤثر فيها نتائج مباراة رياضية عابرة، كما أشادت السفارة بالعلاقات المغربية السنغالية المتميزة.
علاقات مغربية-سنغالية متينة
المغرب والسنغال يرتبطان بعلاقات قوية منذ فترة طويلة، تقوم على الدين والتجارة والثقافة؛ فعلى المستوى الديني، تعتبر الطريقة التيجانية الصوفية من أكثر الطرق انتشارا في الدولتين. أما على المستوى التجاري، فتستثمر البنوك والشركات المغربية بشكل كبير في قطاعات التمويل والزراعة بالسنغال. وتشمل أوجه التبادل الثقافي بين البلدين برامج طلابية، وحركة هجرة، ومهرجانات مشتركة تعكس عمق الروابط بين البلدين.
*صحافي متدرب

