خديجة عناني في حوار مع “ملفات تادلة”: هشاشة الشغل وغياب الحماية الاجتماعية يفاقمان معاناة النساء العاملات بالمغرب
أجرى الحوار: عمر طويل
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، حاورت جريدة “ملفات تادلة” الناشطة الحقوقية خديجة عناني، عضو اللجنة الإدارية للجمعية المغربية لحقوق الإنسان وعضوة المكتب التنفيذي للشبكة الأورومتوسطية للحقوق، للحديث عن واقع النساء العاملات بالمغرب.
في هذا الحوار، تقدم عناني قراءة متعمقة للوضع الاقتصادي والاجتماعي للنساء، مسلطة الضوء على هشاشة ظروف الشغل التي تواجهها شريحة واسعة من النساء، خاصة في القطاعات غير المهيكلة والفلاحة والخدمات، حيث يفتقر الكثير منهن إلى الحماية الاجتماعية ويواجهن التمييز في بيئة العمل. كما تناقش عناني فعالية القوانين الوطنية، بما فيها مدونة الشغل، في حماية النساء، وتستعرض أبرز الإصلاحات والتدابير التي تراها ضرورية لتعزيز حقوق المرأة وضمان ظروف عمل أكثر إنصافا عدلا، مؤكدة أن النضال الحقوقي يبقى السبيل الوحيد لتحقيق المساواة والتنمية المستدامة في المغرب.
س. باعتباركم من الفاعلات داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وبحكم متابعتكم لواقع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يثار اليوم نقاش متجدد حول أوضاع النساء في سوق الشغل بالمغرب، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والتشريعية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. كيف تقرؤون وضعية المرأة العاملة في المغرب اليوم؟ وما أبرز التحولات التي شهدها هذا المجال خلال السنوات الأخيرة؟
ج. أود في البداية أن أشكر جريدة ملفات تادلة على هذه الاستضافة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، كما أحيي عاليا النساء المكافحات والمناضلات والمقاومات في كل مكان، خاصة في فلسطين والسودان والمغرب، وفي مختلف بلدان العالم.
وبخصوص السؤال المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء، يمكن القول إن وضعية النساء في المغرب تعرف تدهورا مقلقا. فهناك العديد من المؤشرات التي تدل على هذا التراجع. فعلى سبيل المثال، صنف المنتدى الاقتصادي العالمي المغرب سنة 2025 في المرتبة 137 عالميا في ما يتعلق بالفجوة بين الجنسين، وهو مؤشر يعكس مدى انتشار التمييز بين النساء والرجال وتغلغله في مختلف المجالات، خصوصا في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن النساء العاملات يعشن اليوم أوضاعا تتسم بالهشاشة بمختلف أشكالها. وتشير تقارير المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة لدى النساء يبلغ حوالي 20 في المائة، وهي نسبة مرتفعة بالنظر إلى أن نسبة النساء النشيطات اقتصاديا تعرف بدورها تراجعا كبيرا جدا، إذ كانت تفوق 30 في المائة سنة 1999، بينما أصبحت اليوم أقل من 20 في المائة، وتتراوح في السنوات الأخيرة ما بين 17 و19 في المائة. وهذا يعني أن أكثر من 80 في المائة من النساء مقصيات بشكل شبه كامل من أي نشاط مرتبط بالتنمية والعمل المأجور الذي يضمن الاستقلالية الاقتصادية لهن. وينعكس هذا الوضع بشكل مباشر على معدلات الفقر، خاصة في صفوف النساء المعيلات للأسر اللواتي يعشن أوضاعا صعبة. وحتى النساء اللواتي يشتغلن، تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن نسبة وصول النساء إلى مراكز القرار في الإدارات العمومية مثلا لا تتجاوز 5.4 في المائة.
كما أن النساء العاملات يتركزن أساسا في قطاعات هشة داخل القطاع الخاص، مثل قطاع النسيج والعمل المنزلي. وعندما نتحدث عن الهشاشة فإننا نقصد كذلك ضعف الحماية الاجتماعية، إذ أن عددا كبيرا من النساء لا يستفدن من هذه الحماية، إضافة إلى تدني الأجور وصعوبة الولوج إلى السكن اللائق، وهو ما ينعكس أيضا على الأوضاع المعيشية للأسر التي تعيلها النساء. وللأسف، فإن الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، مثل زلزال الحوز والفيضانات، ساهمت بدورها في زيادة الأعباء الملقاة على عاتق النساء.
كما أن نسبة مهمة من النساء النشيطات، تقدر بحوالي 45 في المائة، يشتغلن في أعمال غير مؤدى عنها، ولا يستفدن من ثمار عملهن. ففي العديد من المناطق القروية، تعمل النساء في الحقول أو في صناعة الزرابي ومجالات الصناعة التقليدية، غير أنهن غالبا لا يستفدن من العائدات المالية لهذا العمل، حيث يتولى الرجال تسويق المنتجات والاستفادة من مداخيلها.
س. في ظل ما تشير إليه تقارير حقوقية ونقابية من استمرار مظاهر الهشاشة التي تطال شريحة واسعة من النساء العاملات، خاصة في القطاعات غير المهيكلة وقطاعي الفلاحة والخدمات، يبرز نقاش متواصل حول ظروف العمل التي تعيشها هذه الفئات وما يرافقها من تحديات على مستوى الحماية الاجتماعية والحقوق المهنية. في هذا السياق، ما طبيعة الانتهاكات أو الصعوبات التي ترصدونها بخصوص أوضاع النساء العاملات في هذه القطاعات؟
ج. في الواقع، فإن خريطة القطاعات التي تشغل النساء تظهر بوضوح تمركزهن في قطاعات تتسم بالهشاشة. فحوالي 43 في المائة من النساء العاملات يشتغلن في القطاع الفلاحي، كما تعمل نسبة تفوق 42 في المائة في قطاع الخدمات، بينما لا تتجاوز نسبة اشتغال النساء في قطاع الصناعة 13 في المائة. وحتى داخل قطاع الخدمات، نجد أن العديد من النساء يشتغلن في مهن هشة، مثل العمل كنادلات أو في الاستقبال أو في مراكز النداء، وهي وظائف غالبا ما تكون غير مستقرة وتفتقر إلى شروط العمل اللائق.
أما في القطاع الفلاحي، فإن النساء يعملن لساعات طويلة قد تمتد من الفجر إلى الليل، وغالبا بأجور أقل من أجور الرجال، إضافة إلى أن هذا القطاع يتسم بكونه غير مهيكل في جزء كبير منه، مما يعني غياب الحماية الاجتماعية.
كما أن وضعية النساء في القطاع الصناعي ليست أفضل حالا، إذ يتركزن أساسا في قطاعات هشة مثل قطاع النسيج، الذي يشغل أعدادا كبيرة من اليد العاملة النسائية. وقد شهدنا في السنوات الأخيرة حالات متعددة لطرد عاملات النسيج بشكل تعسفي بعد إغلاق بعض المعامل، سواء في الدار البيضاء أو فاس أو طنجة. وهناك أيضا ملف عاملات سيكوم-سيكوميك بمكناس، حيث تم طرد اكثر من 560 عاملة منذ سنة 2001 وهن في وضعية تشرد بسبب فقدانهن العمل.
إن طرد العاملات لا يعني فقط فقدان مصدر رزق فردي، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى تشريد أسر بأكملها، خاصة عندما تكون المرأة هي المعيل الرئيسي للأسرة.
س. يعد الحق في التنظيم النقابي من بين الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور والتشريعات الوطنية، غير أن واقع الممارسة داخل عدد من القطاعات المهنية يطرح تساؤلات حول مدى تمتع النساء العاملات بهذا الحق بشكل فعلي، وحول حجم حضورهن ومشاركتهن داخل الهياكل النقابية. في هذا الإطار، إلى أي حد تتمكن النساء العاملات من ممارسة حقهن في التنظيم النقابي؟ وما أبرز العوامل أو الإكراهات التي ما تزال تحد من انخراطهن وحضورهن داخل العمل النقابي؟
ج. يمكن القول إن وضعية العمل النقابي في المغرب صعبة للغاية، حيث لا تتجاوز نسبة المنخرطين في النقابات 4.5 في المائة من مجموع المشتغلين في الوقت الذي يعرف فيه، عدد النقابات ارتفاعا مبالغا فيه ويساهم في تمييع دور النقابات، ويؤدي إلى تشتيت نضال الأجراء والأجيرات ويحد بالتالي من نسبة الانخراط فيها .ويرجع ذلك، من جهة، إلى سياسات عمومية ساهمت في إضعاف العمل النقابي والحد من تأثيره، ومن جهة أخرى إلى عوامل داخلية مرتبطة بالنقابات نفسها.
أما بالنسبة للنساء، فإن حضورهن داخل النقابات يظل محدودا، إذ لا تتجاوز نسبتهن حوالي 15 في المائة من مجموع المنخرطين. ويرتبط ذلك بعدة أسباب، من بينها تمركز النساء في القطاع غير المهيكل، إضافة إلى التزاماتهن الأسرية والاجتماعية المتعددة في ظل التوزيع النمطي للأدوار بين النساء والرجال، فضلا عن تعرض بعض المكاتب النقابية للطرد فور تشكيلها، وهو ما يزرع الخوف في صفوف العاملين والعاملات.
كما أن النقابات نفسها لا تقوم دائما بالدور المطلوب منها في استقطاب النساء وتأهيلهن للانخراط في العمل النقابي. وتظل العقلية الذكورية حاضرة داخل عدد من التنظيمات النقابية، مما يجعل وصول النساء إلى مراكز القرار داخلها أمرا صعبا. ويزيد من تعقيد الوضع تمرير بعض القوانين، مثل قانون الإضراب، الذي أصبح يجعل من الصعب على النقابات إعلان الإضراب أو اتخاذ قرار بشأنه، وهو ما ينعكس سلبا على الدفاع عن حقوق العمال والعاملات.
س. في ظل ما تعيشه فئات واسعة من النساء العاملات من ظروف شغل تتسم بالهشاشة، خاصة في بعض القطاعات التي تعرف ضعفا على مستوى الحماية الاجتماعية والضمانات المهنية، يطرح نقاش متزايد حول انعكاسات هذه الأوضاع على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للنساء. في تقديركم، كيف تنعكس هذه الظروف الهشة للشغل على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للنساء العاملات؟
ج. إن نسبة كبيرة من النساء تشتغل كما أسلفت في القطاع غير المهيكل، وهو ما يعني غياب الحماية الاجتماعية. فالكثير من النساء يعملن كمساعدات منزليات دون استفادة من هذه الحماية، كما أن القانون المتعلق بعاملات وعمال المنازل لا يتم تطبيقه بالشكل المطلوب رغم محدوديته.
ويضاف إلى ذلك عدم إمكانية قيام مفتشي الشغل بوظيفتهم في مراقبة ظروف اشتغال العاملات والعمال بالنظر إلى عددهم القليل جدا في القطاع المهيكل، وغيابهم في القطاع غير المهيكل.
وتنعكس هذه الأوضاع بشكل مباشر على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للنساء وأطفالهن، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية. كما أن النساء لهن احتياجات خاصة مرتبطة بالحمل والولادة والأمومة، وهو ما يجعل غياب الحماية الاجتماعية أكثر تأثيرا على حياتهن وكرامتهن.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن المغرب يحتل مرتبة متأخرة في ما يتعلق بالرعاية الصحية، إذ جاء في المرتبة 94 من أصل 99 دولة، وهو ما يزيد من الأعباء الملقاة على النساء، خصوصا في ظل ضعف الخدمات الصحية، حيث تضطر النساء غالبا إلى تحمل أدوار الرعاية داخل الأسرة.
س. في سياق النقاش المتواصل حول حماية الحقوق المهنية للنساء وتعزيز المساواة داخل سوق الشغل، يبرز التساؤل حول مدى فعالية الترسانة القانونية المعتمدة في المغرب، بما في ذلك مدونة الشغل، في ضمان الحماية اللازمة للنساء العاملات من مختلف أشكال التمييز أو الاستغلال داخل بيئة العمل. من خلال تجربتكم في العمل الحقوقي، كيف تقيمون نجاعة هذه الترسانة القانونية في حماية النساء العاملات؟ وإلى أي حد تنعكس مقتضياتها على أرض الواقع؟
ج. للأسف، لا تزال القوانين المغربية تتضمن عددا من المقتضيات التي تكرس التمييز ضد النساء. فالدستور، رغم تنصيصه في الفصل 19 على المساواة بين النساء والرجال، يربط هذه المساواة بعدم تعارضها مع ثوابت المملكة، وهو ما يفرغ هذا المبدأ من محتواه في بعض الحالات. كما أن العديد من القوانين التي تم اعتمادها بعد سنة 2011 جاءت نتيجة نضالات حركة 20 فبراير والحركة النسائية والحقوقية، لكنها تظل في نظرنا قوانين ناقصة ولم تتم ملاءمتها بشكل كامل مع الاتفاقيات الدولية.
فالقانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء لا يوفر حماية فعلية كافية، كما أن قانون مناهضة الاتجار بالبشر لا يتناول بالشكل الكافي حماية الضحايا، خصوصا النساء في وضعية هشاشة. كما أن مظاهر العنف ضد النساء ما تزال متعددة، سواء داخل الأسرة أو في أماكن العمل أو في الفضاء العام، بما في ذلك التحرش الجنسي والاغتصاب. ولا تزال القوانين قاصرة عن توفير الحماية اللازمة، سواء على مستوى الوقاية أو الحماية أو المتابعة.
ويضاف إلى ذلك صعوبة ولوج النساء إلى العدالة، نتيجة عوامل متعددة من بينها استمرار العقلية الذكورية داخل المؤسسات القضائية، وهو ما يظهر مثلا في استمرار تزويج القاصرات في بعض الحالات، أو السماح بالتعدد، أو إصدار أحكام بنفقات ضعيفة لا تراعي الوضعية الحقيقية للنساء والأطفال. كما أن القانون الجنائي نفسه ما يزال يتضمن بعض المقتضيات التي تحتاج إلى مراجعة. ولذلك نؤكد على ضرورة ملاءمة القوانين الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إلى جانب ضرورة تفعيل القوانين الموجودة.
س.في ظل النقاشات المتواصلة حول العدالة الاجتماعية وحقوق الشغل، يتجدد الحديث عن ضرورة تعزيز الضمانات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء العاملات وتحسين ظروف عملهن. في هذا السياق، ما هي أبرز الإصلاحات أو التدابير التي ترون أنها ضرورية لتعزيز حقوق المرأة العاملة وضمان ظروف عمل أكثر إنصافا وعدلا؟
ج. في ما يتعلق بمدونة الشغل، فإن قانون سنة 2003 تضمن بعض المقتضيات التي يمكن اعتبارها مكاسب للنساء، لكنه في المقابل أقر قدرا كبيرا من المرونة في علاقات الشغل، وهو الجانب الذي يتم تطبيقه بشكل أكبر في الواقع.
وغالبا ما تكون النساء العاملات أولى ضحايا هذه المرونة، نظرا لتمركزهن في القطاعات الهشة. كما أن هناك في كثير من الحالات نوعا من التواطؤ بين بعض السلطات وأرباب العمل، يكون على حساب حقوق العمال والعاملات.
ومن جهة أخرى، فإن المطالب التي رفعتها حركة 20 فبراير، مثل العدالة الاجتماعية والمساواة والتوزيع العادل للثروة وربط المسؤولية بالمحاسبة والفصل الحقيقي بين السلط، ما تزال مطالب قائمة إلى اليوم. فبدون تحقيق هذه المبادئ، من الصعب بناء مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان وحقوق النساء. كما أن الخطاب الرسمي حول الدولة الاجتماعية لا وجود له في الواقع، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة ظروف العيش والعمل، وهو ما يؤثر بشكل خاص على النساء العاملات.
وفي تقديري، لا يوجد حل آخر سوى مواصلة النضال والضغط أكثر من أجل انتزاع حقوق النساء بشكل عام وحقوق العاملات بشكل خاص. ونأمل أن يأتي الثامن من مارس 2027 وقد شهدت أوضاع النساء تغييرا ملموسا في اتجاه المساواة الفعلية، لأن التنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل مجتمع يكرس التمييز ويشل طاقات النساء اللواتي يشكلن نصفه.
كما لا يمكن بناء دولة ديمقراطية قائمة على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية دون ضمان حقوق النساء واحترام كرامتهن، خاصة النساء العاملات اللواتي يعشن أوضاعا كارثية. ولذلك من الضروري إعادة النظر في السياسات العمومية، واعتماد إجراءات قانونية وتدبيرية أكثر إنصافا لضمان حقوق النساء وصون كرامتهن.


