-ملفات تادلة 24-
رغم التطور الذي عرفه الإطار القانوني المتعلق بحماية حقوق النساء في المغرب، ما تزال فئة واسعة من النساء في وضعية هشاشة بجهة بني ملال خنيفرة تواجه تحديات متعددة تحول دون تمتعهن الفعلي بحقوقهن الأساسية، في ظل إكراهات اجتماعية وثقافية واقتصادية وجغرافية معقدة.
وفي هذا السياق، أكدت أسماء بوعلي مساعدة اجتماعية بجمعية زهور بني ملال لدعم النساء في وضعية صعبة، في حديث لها مع “ملفات تادلة”، أن التجربة الميدانية التي راكمتها الجمعية خلال السنوات الأخيرة كشفت أن أول ما تحتاجه النساء المعنفات أو اللواتي يعشن وضعيات هشاشة هو الإنصات لمعاناتهن ومرافقتهن في مسار استعادة حقوقهن.
وأوضحت المتحدثة أن جمعية زهور بني ملال تشرف منذ مارس 2022 على تسيير الفضاء المتعدد الوظائف للنساء ببني ملال، وذلك في إطار شراكة مع مؤسسة التعاون الوطني والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مشيرة إلى أن هذا الفضاء يشكل آلية أساسية في التكفل بالنساء والفتيات ضحايا العنف وتقديم الدعم لهن في مختلف الجوانب الاجتماعية والنفسية والقانونية.
وأبرزت بوعلي أن السياق المغربي الذي يتميز بتعدد لغوي وثقافي، ويتقاطع مع مظاهر الهشاشة الاجتماعية، يجعل فعل الإنصات نقطة تحول حاسمة في حياة النساء اللواتي يلجأن إلى خدمات المساعدة الاجتماعية. فالفضاءات المتعددة الوظائف للنساء توفر، بحسبها، مساحات آمنة للبوح والتعبير عن المعاناة، وهو ما يشكل جسرا أساسيا لبناء الثقة بين الضحية والمساعدة الاجتماعية.
وتقدم هذه الفضاءات حزمة من الخدمات المتكاملة تشمل الاستقبال والاستماع والتوجيه، والدعم والمواكبة الطبية والنفسية، وتأمين العلاجات الصحية الأولية، والمساعدة الاجتماعية والقانونية، والوساطة الأسرية، إضافة إلى خدمات الإيواء والإطعام وبرامج الإدماج المهني والتمكين الاقتصادي.
وأكدت المتحدثة أن جمعية زهور بني ملال تضطلع، باعتبارها جمعية متخصصة في التكفل بالنساء والفتيات ضحايا العنف، بأدوار متعددة في مجال محاربة العنف ضد النساء، وذلك بشراكة مع عدد من المؤسسات الوطنية، غير أن الواقع الميداني يكشف وجود عدد من الثغرات والتحديات التي تعيق الاستفادة الكاملة من هذه الآليات.
ومن بين أبرز هذه التحديات، تشير أسماء إلى صعوبة ولوج النساء القاطنات بالمناطق القروية والجبلية إلى خدمات التكفل والتبليغ عن العنف، رغم توفر المحاكم والمستشفيات على خلايا متخصصة في هذا المجال.
وترجع هذه الصعوبات، بحسب المتحدثة، إلى ارتفاع كلفة التنقل وبعد المسافات ووعورة التضاريس، إضافة إلى تأثير الظروف المناخية في بعض المناطق الجبلية، مؤكدة أن المسافة قد تتحول في بعض الأحيان إلى “المعنف الأول للمرأة” عندما تمنعها من الوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما تلعب الضغوط الاجتماعية والثقافية دورا كبيرا في إحجام النساء عن التبليغ، إذ ما تزال ثقافة “الصبر والحشومة” منتشرة في بعض الأوساط، حيث ينظر إلى لجوء المرأة إلى القضاء أو التبليغ عن العنف الأسري باعتباره فضيحة تمس بسمعة العائلة، ما يدفع العديد من النساء إلى التنازل عن حقوقهن حفاظا على الروابط الاجتماعية.
وتضيف أسماء أن الوصاية الذكورية داخل بعض الأسر القروية تشكل بدورها عائقا أمام تمتع النساء بحقوقهن، إذ تبقى سلطة اتخاذ القرار في يد الزوج أو أحد أفراد العائلة من الرجال، وهو ما قد يمنع المرأة حتى من الخروج لزيارة الطبيب أو التوجه إلى الإدارة بمفردها. مشيرة إلى وجود تطبيع اجتماعي مع بعض أشكال العنف، خصوصا العنف الاقتصادي والنفسي، حيث يتم التغاضي عنه أو اعتباره شأنا عائليا خاصا، الأمر الذي يدفع العديد من النساء إلى الصمت خوفا من فقدان المأوى أو مصدر العيش، خاصة في ظل وجود أطفال.
ومن بين العوامل الأخرى التي تزيد من تعقيد الوضع، ضعف الوعي بالحقوق وغياب المعلومات حول المراكز والفضاءات المتخصصة في التكفل بالنساء في وضعية صعبة، إضافة إلى الأمية وغياب التكوين، وهو ما يحصر العديد من النساء في أعمال فلاحية شاقة وغير مهيكلة دون حماية اجتماعية أو تغطية صحية.
وتلفت المتحدثة أيضا إلى إشكالية اللغة واللهجة، حيث تواجه بعض النساء صعوبات في التواصل أثناء تتبع ملفاتهن الطبية أو القانونية بسبب عدم إتقان اللغة العربية الفصحى واعتمادهن أساسا على الدارجة أو الأمازيغية.
وفي ما يتعلق بأبرز الانتهاكات التي تواجه النساء، أكدت المساعدة الاجتماعي بوعلي أن العنف الأسري بمختلف أشكاله، خصوصا الجسدي والنفسي، يظل الأكثر انتشارا، مشيرة إلى أن العديد من النساء يترددن في التبليغ عن هذه الممارسات رغم تكرارها، خوفا من تفكك الأسرة أو من تداعيات اجتماعية أخرى.
كما أن العنف الاقتصادي يعد من الظواهر الواسعة الانتشار، ويتخذ عدة أشكال، من بينها إهمال الأسرة أو الاستيلاء على راتب الزوجة أو إجبارها على العمل أو الإنفاق تحت الضغط.
وسجلت المتحدثة أيضا تنامي ظاهرة العنف الرقمي الذي يتم عبر وسائل التكنولوجيا بهدف إلحاق الضرر بالمرأة أو التشهير بها، إلى جانب استمرار بعض الممارسات التقليدية مثل تزويج القاصرات بالعقود غير الموثقة المعروفة بزواج “الفاتحة”.
وأكدت بوعلي أن معاناة النساء لا ترتبط بغياب القوانين بقدر ما ترتبط بصعوبة الوصول إلى هذه القوانين والاستفادة منها فعليا. فالقانون، كما تقول، يستعمل لغة قانونية رسمية قد يصعب فهمها بالنسبة لنساء يعشن في وضعية هشاشة ويتحدثن الدارجة أو الأمازيغية. ومن أبرز العراقيل التي تواجه النساء أثناء متابعة ملفاتهن القضائية إشكالية الإثبات وتوفير الأدلة، إذ يتطلب القانون تقديم شهادة طبية أو شهود لإثبات واقعة العنف، وهو ما يصعب تحقيقه في كثير من الحالات. فالشهود وفق تعبيرها غالبا ما يكونون من العائلة أو الجيران، وهم يتجنبون الإدلاء بشهاداتهم ضد الزوج تفاديا لقطع الأرحام أو تفجر النزاعات العائلية، كما أن الحصول على شهادة طبية في الآجال المحددة قد يكون صعبا بسبب بعد المرافق الصحية، مما يؤدي أحيانا إلى اختفاء آثار العنف قبل وصول الضحية إلى المستشفى.
وأكدت المتحدثة أن المساعدة الاجتماعية تشكل حلقة أساسية في تمكين النساء من الولوج إلى الآليات القانونية والمؤسساتية، حيث تقوم المساعدات الاجتماعيات بتبسيط المساطر القانونية وتوجيه النساء نحو الإجراءات المناسبة، مثل مسطرة الشقاق أو شكايات إهمال الأسرة. كما يشكل الدعم النفسي خطوة أساسية في هذا المسار، إذ يساهم في تعزيز قدرة النساء على الصمود خلال مسار التقاضي، الذي قد يكون طويلا ومعقدا في بعض الأحيان.
ورغم ذلك، تظل بعض الإكراهات قائمة، من بينها بطء المساطر القضائية، خاصة في قضايا النفقة وتقسيم الممتلكات، وهو ما قد يدفع بعض النساء إلى الاستسلام والعودة إلى العنف لضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. كما أن تنفيذ الأحكام القضائية يشكل تحديا آخر، إذ قد تحصل المرأة على حكم بالنفقة دون أن يتم تنفيذه بسبب تهرب الزوج أو ادعائه العسر.
وتشمل المواكبة التي تقدمها المساعدة الاجتماعية، بحسب أسماء، تبسيط لغة القانون وشرح الحقوق المرتبطة بمدونة الأسرة وقانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، مثل حقوق النفقة والحضانة والولاية الشرعية وتوثيق الزواج.
كما يتم توجيه النساء إلى الخطوات الإجرائية الصحيحة، من خلال شرح المسار الذي ينبغي اتباعه، سواء عبر التوجه إلى المستشفى أو الشرطة أو المحكمة، إضافة إلى مساعدتهن في إعداد ملفاتهن القضائية.
وعلى المستوى النفسي، يتم توفير فضاء آمن للاستماع والتفريغ النفسي، والعمل على إعادة بناء ثقة النساء بأنفسهن ومساعدتهن على تجاوز خطاب الضحية، مع تقديم نصائح تساعدهن على مواجهة الضغوط العائلية والاجتماعية التي قد تدفعهن إلى التراجع عن متابعة ملفاتهن.
وفي إطار دعم استقلالية النساء، تعمل المساعدة الاجتماعية أيضا على توجيه النساء نحو فرص التمكين الاقتصادي، خاصة من خلال الانخراط في التعاونيات النسائية والاستفادة من برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. كما يتم تقديم إرشادات حول تدبير الموارد المالية البسيطة وإدارة المصاريف المنزلية، بهدف تعزيز قدرتهن على تحقيق حد أدنى من الاستقلال المادي، الذي يعد شرطا أساسيا للتحرر من علاقات العنف والتبعية.
وأكدت المتحدثة أن النساء القرويات يواجهن تحديات مضاعفة، أبرزها الهشاشة الاقتصادية، حيث تعمل العديد منهن في الفلاحة أو رعي الماشية داخل الأسرة دون مقابل مادي، ما يجعلهن في تبعية اقتصادية كاملة للزوج أو الأب. كما تلعب التمثلات الاجتماعية المرتبطة بالأدوار الجندرية دورا في تقييد حركة النساء، إذ لا يزال خروج المرأة إلى الفضاء العام أو تعاملها مع الإدارات ينظر إليه في بعض الأوساط باعتباره خروجا عن الأعراف والتقاليد. ويشكل الهدر المدرسي بدوره أحد أبرز العوامل المؤثرة، حيث يؤدي انقطاع الفتيات عن الدراسة في سن مبكرة إلى حرمانهن من أدوات المعرفة والوعي بالحقوق، مما يجعلهن عرضة لتزويج القاصرات أو للاستغلال في العمل الفلاحي غير المهيكل.
ولتجاوز هذه الإكراهات، تقترح المتحدثة عددا من التدابير، من بينها إحداث وحدات قانونية متنقلة تضم مساعدات اجتماعيات ومستشارين قانونيين تجوب الأسواق الأسبوعية في المناطق القروية والجبلية لتقديم الاستشارات والتبليغ الفوري عن العنف. كما دعت إلى رقمنة الخدمات داخل الجماعات القروية عبر منصات رقمية تمكن النساء من تقديم الشكايات أو تتبع ملفات النفقة دون الحاجة إلى التنقل إلى المدن.
وعلى صعيد الاقتصاد، شددت بوعلي على أهمية دعم المقاولاتية النسائية في المناطق القروية، مشيرة إلى أن تحويل التعاونيات النسائية من مجرد نشاط تضامني إلى وحدات إنتاجية احترافية، مدعومة بالخبرة التقنية والتمويل، يعد عاملاً أساسياً لتمكين النساء ماديا واجتماعيا. وأضافت أن توفير التغطية الصحية للعاملات الفلاحيات وإحداث صندوق جهوي لدعم المشاريع الصغيرة جدا يمثل خطوات استراتيجية لضمان استقلالية النساء في مواجهة الهشاشة الاقتصادية والتبعية المادية للمعنف.
وختمت المتحدثة بالقول إن قصة النساء في وضعية هشاشة بجهة بني ملال خنيفرة هي قصة صمود في مواجهة جغرافيا قاسية وتمثلات اجتماعية أكثر قسوة، مؤكدة أن تحقيق التمكين الحقيقي للنساء يتطلب مقاربة قائمة على القرب الميداني وتقريب الخدمات من المناطق النائية، بما يضمن ولوجا فعليا إلى العدالة والحقوق والفرص الاقتصادية.


