حين يغلق المصنع وتفتح الجراح.. مونية تحكي معاناة عاملات سيكوميك بمكناس

-محمد لغريب-

“قضيت أكثر من ربع قرن داخل مصنع سيكوميك وأنا الآن بلا حقوق”. كانت هذه العبارات التي أطلقتها مونية، عاملة الخياطة بذات المصنع، كافية لتلخيص كل شيء. لم يخطر ببالها يوما أن كل تلك السنوات، وذلك الحلم، سينتهي فجأة بإغلاق أبواب المصنع وترحيل الآلات سرا، وسط ما تصفه بمؤامرات ضد العاملات والعمال الذين أفنوا عمرهم خلف أسواره.

وجدت مونية نفسها بلا عمل ولا حقوق، رفقة العشرات من النساء اللواتي وجدن أنفسهن في مواجهة آلة الطحن والاستغلال بلا رحمة. تتحدث مونية وهي تستعيد شريط الذكريات، وكأنها تريد قول كل ما لحق بها من ظلم وتعسف رفقة باقي العمال والعاملات، دفعة واحدة.

التحقت مونية بمعمل النسيج سيكوميك بمكناس سنة 1994، وواصلت عملها إلى جانب رفاقها ورفيقاتها بحيوية كبيرة، إلى أن أغلق المصنع أبوابه سنة 2018. كان الأمل يحذوها في أن تعيش مستقلة وتبني مستقبلها بعرق جبينها، رغم قسوة ظروف العمل داخل المصنع والإكراهات والتحديات اليومية التي كانت تواجهها.

كانت تظن أن الجهد الذي منحته للمصنع سيحفظ لها بشيئ، من الكرامة وهي تطوي ما تبقى من سنوات عمرها. لكن اليوم، تسرد مونية، “كل شيء تبخر فجأة وفي رمشة عين”، كأن الوقت الذي أمضته بين جدران المصنع وضجيج الآلات وتعب السنين لم يترك أثرا، وكأن سنوات العمر التي مضت هناك طويت في صمت وعن سبق إصرار وترصد. تاركة وراءها فراغا ثقيلا وأسئلة بلا جواب.

لم تكن مونية وحدها من دفعت ثمن هذا الطرد التعسفي والممنهج. فخلف كل عاملة قصة مشابهة، وحياة انقلبت رأسا على عقب بين ليلة وضحاها. فمئات النساء اللواتي أفنين سنوات طويلة من عمرهن داخل المصنع وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة واقع قاس، بطالة، ديون متراكمة، وأسر تنتظر لقمة العيش.

لم تقتصر تداعيات التسريح على العاملات والعمال وحدهم، بل امتدت آثارها إلى أبنائهم. فقد أدى تدهور الأوضاع المادية للأسر إلى اهتزاز الاستقرار داخل البيوت، بينما وجد الأطفال أنفسهم يعيشون تحت وطأة توتر دائم. بعضهم صار يعاني من أزمات نفسية حادة نتيجة ما يشاهدونه من معاناة ذويهم، وما يتعرض له هؤلاء من مضايقات واعتداءات متكررة خلال معركتهم النضالية. وهكذا وجدت الأمهات أنفسهن في مواجهة أزمة مزدوجة، القلق على لقمة العيش والخوف على التوازن النفسي لأبنائهن.

كان ذلك قاسيا بشكل مضاعف، خصوصا على الأزواج الذين كانوا يشتغلون معا داخل نفس المصنع. ففي لحظة واحدة فقد الجميع مصدر الدخل، ليجدوا أنفسهم في مواجهة فراغ اقتصادي خانق وضغط يومي لا يرحم. تقول مونية إن “هذا الوضع ترك جروحا عميقة في حياة كثير من العائلات، حيث صار المستقبل يبدو غامضا وثقيلا على القلوب”.

تسرد مونية بمرارة فصول التسريح الجماعي الذي طال أزيد من 500 عامل وعاملة، مشيرة إلى أن كثيرات وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة واقع قاس لم يكن في الحسبان. بعضهن اضطررن إلى البحث عن أعمال هامشية بالكاد توفر قوت يومهن، بينما اضطرت أخريات إلى العودة إلى بيوت عائلاتهن بعد أن فقدن القدرة على تدبير أبسط متطلبات الحياة. وتؤكد مونية أن ما حدث كان مدبرا بعناية نتيجة ما تصفه بالتواطؤ واستغلال النفوذ، وهي عوامل دفعت بمئات الأسر إلى حافة الهشاشة والضياع، تاركة وراءها قصصا مؤلمة من الكفاح اليومي من أجل البقاء.

تروي مونية لملفات تادلة 24، أن هناك من قضى أزيد من أربعين سنة بين أسوار المصنع الذي تحركت آلاته في السبعينيات من القرن الماضي، ليجد نفسه أمام سلطة ونفوذ يقفان سدا منيعا في وجه أزيد من 500 عامل وعاملة، كان سلاحهم الوحيد الصمود والإصرار على انتزاع الحقوق. وقد خاضوا اعتصامات مطولة ومسيرات يومية للتنبيه إلى ما وصلت إليه وضعيتهم جراء هذا التسريح الجماعي.

تسرد مونية تفاصيل ما جرى بمرارة واضحة، موضحة أن العاملات والعمال استأنفوا العمل من جديد ابتداء من سنة 2020 إلى غاية 2021، على أمل أن تستعيد الشركة عافيتها وأن تعود الحياة تدريجيا إلى المصنع. غير أن تلك الآمال سرعان ما تبددت، حين فوجئ الجميع بإغلاق الشركة في نونبر 2021، إغلاق ما زالت آثاره مستمرة إلى اليوم.

ثم تضيف أن ما حدث لم يكن مجرد تعثر اقتصادي متراكم،  ولكن كانت هناك إيادي تدير في الخفاء عملية تفويت أصول الشركة، حيث جرى، بحسب روايتها، نقل بعض الأطر وتهريب الآلات ووسائل النقل التابعة للمصنع نحو شركة جديدة. وترى العاملات أن كل تلك الخطوات كانت جزءا من خطة محكمة لدفع الشركة نحو الإفلاس وترك مئات العمال يواجهون مصيرهم وحدهم.

تقول المتحدثة “إن العمال استأنفوا العمل بعد إعادة فتح المعمل سنة 2017، لكن الأوضاع لم تكن كما كانت في السابق، إذ إن رب المعمل، حسب روايتها، لم يكن يؤدي مستحقات العمال لصناديق الضمان الاجتماعي ولا للتغطية الصحية، رغم استمرار الاقتطاعات من أجورهم. ومع مرور الوقت بدأت تتكشف معاناة جديدة؛ فبعض العمال والعاملات صاروا يعانون من أمراض مزمنة دون أن يتمكنوا من الاستفادة من أبسط حقوقهم في العلاج”.

وتضيف مونية أن “الإغلاق الذي تلا ذلك دفعهم إلى الشارع، حيث وجدوا أنفسهم لأكثر من أربع سنوات يخوضون مسيرات ووقفات شبه يومية من الحي الصناعي إلى مقر عمالة مكناس لإيصال صوتهم”. “طرقنا كل الأبواب”، تقول بحسرة، “من الإدارات إلى المسؤولين، لكن لا أحد أنصت لآهاتنا ولا لمعاناة مئات الأسر التي تركت تواجه مصيرها وحدها”.

وتساءلت مونية بمرارة عن سبب غياب تدخل حازم يلزم صاحب المعمل بأداء الديون الكبيرة المتراكمة لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. فبالنسبة لها ولزميلاتها، كان من الصعب فهم كيف يمكن أن تستمر الاقتطاعات من أجور العمال دون أن تصل إلى الصندوق المعني بحقوقهم الاجتماعية.

ورغم استفادة الشركة من دعم مالي عمومي قدر بنحو أربعة ملايين درهم، ساهمت فيه كل من جماعة مكناس والجهة، فإن ذلك لم ينجح في إنقاذها من أزمتها المالية المتفاقمة. فقد كانت الشركة مثقلة بديون متراكمة شملت مستحقات لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إضافة إلى متأخرات ضريبية وديون لدى مؤسسات بنكية، ما جعل وضعها المالي يتجه نحو مزيد من التعقيد والانهيار.

وتقول إن هذا الوضع ترك العاملات في حالة من الحيرة والغضب، إذ شعرن بأن حقوقهن ضاعت بين أبواب المسؤولين، بينما ظلت الديون معلقة دون حل ينصف مئات العمال الذين أفنوا سنوات طويلة من حياتهم داخل المصنع.

فمونية ورفيقاتها، وإن خسرن عملهن بعد هذه السنوات الطويلة من العطاء داخل المصنع، فإنهن لم يفقدن إرادتهن في مواصلة المطالبة بحقوقهن. فقد تحول الاعتصام إلى عنوان للصمود في وجه النسيان والتهميش، حيث ما زالت النساء يتمسكن بخيط الأمل رغم قسوة الظروف.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...