لطيفة زهرة المخلوفي: “النضال النسوي في المغرب بين العدالة الاجتماعية ومقاومة الهيمنة الاقتصادية والأبوية”
-عمر طويل-
في ظل التطورات التشريعية والمؤسساتية الأخيرة المتعلقة بحقوق النساء بالمغرب، ترى لطيفة زهرة المخلوفي، عضوة مجلة “مساواة” أن الواقع الحقوقي للنساء لا يعكس التقدم المعلن، بل يتأثر بإكراهات سياسية واقتصادية عميقة تحول دون تمكين النساء فعليا.
وقالت المتحدثة في حديثها مع “ملفات تادلة”، إن ما يصطلح عليه “الإصلاحات” القانونية، بما فيها مدونة الأسرة وقوانين محاربة العنف ضد النساء، يمثل في العمق جزء من مشروع نيوليبرالي يفرغ الحقوق من مضمونها الحقيقي، ويحوّل النساء إلى واجهة دعائية للخطاب الرسمي بينما يتم تصفية حضورهن الفعلي في الحياة الاجتماعية والسياسية. وأوضحت أن هذه الظاهرة تعرف بـ”نسوية الدولة”، حيث يتم الاحتفاء بالنساء في المناسبات الرسمية، في حين تكرّس التبعية الاقتصادية والاجتماعية، ويعاد إنتاج التراتبية الطبقية والتمييز الأبوي.
وأضافت المخلوفي أن تقييم الحقوق الأساسية للنساء لا يمكن فصله عن سياق الاستبداد السياسي والهيمنة الاقتصادية العالمية، والتي تجعل المغرب حلقة ضمن منظومة استعمارية جديدة، تستغل فيها النساء لتلميع صورة الدولة بدل تعزيز استقلالهن وحقوقهن الفعلية.
وعن أبرز التحديات التي تعيق تحقيق المساواة الفعلية، شددت المتحدثة على أن البنية المركبة للاستبداد السياسي والتفاوت الطبقي والعنف البنيوي تمثل معوقات رئيسية. وأكدت أن هذه التحديات ليست تقنية أو قانونية فحسب، بل مرتبطة بالهيمنة الاقتصادية التي تعيد إنتاج هشاشة النساء من خلال سياسات التقشف، البطالة، وخصخصة الخدمات. كما أوضحت أن العنف ضد النساء لا يقتصر على سلوك فردي، بل يستخدم كأداة سياسية لضبط أجساد النساء وحركتهن، فيما يعمل التمييز الاقتصادي والثقافي والديني كشبكة متداخلة للحفاظ على التبعية واستمرار الاستغلال في العمل والحياة اليومية.
وأوضحت المخلوفي أن الحركة النسائية والهيئات الحقوقية لعبت دورا محوريا في فتح النقاش العمومي حول قضايا النساء، إلا أنها اليوم تواجه تحديات كبيرة نتيجة النخبوية في حقل العمل النسوي وارتباط التمويل الدولي بأجندات محددة. واعتبرت أن الاستجابة لهذه التحديات تتطلب بناء جبهة نسوية تحررية مرتبطة بالحركات الاجتماعية والعمالية، مع الانفتاح على النساء المهمشات في القرى والمناطق النائية حيث يظهر الاستغلال بأبشع صوره. كما أكدت على ضرورة تطوير خطاب نسوي جنوبي يربط بين مقاومة الذكورية ومقاومة الاستعمار الجديد، ويعيد تعريف التضامن خارج دائرة الوصاية الأجنبية، إلى جانب استعادة الذاكرة الجماعية للنساء كأداة مقاومة ضد النسيان والتدجين.
وأكدت المخلوفي أن النساء لطالما كن في الصفوف الأمامية للنضالات الاجتماعية والقطاعية، بما في ذلك نضالات النساء السلاليات، نساء فگيگ، عاملات سيكوم، نساء أيميضر، ونساء جرادة ونساء الريف. لكن مشاركتهن لا تزال تواجه قمعا مضاعفا، من الدولة التي تستخدم العنف المباشر وغير المباشر، ومن البنية الأبوية داخل الحركات نفسها، ما يؤدي إلى تهميش أدوار النساء وإعادة إنتاج العنف الرمزي.
رغم ذلك، أوضحت المتحدثة أن حضور النساء أعاد تعريف الاحتجاج كفعل جماعي مقاوم، وبين أن النضال النسوي ليس قضية قطاعية، بل قلب الصراع الاجتماعي والسياسي ضد الاستبداد والاستغلال.
وعن مدونة الأسرة ومحاربة العنف ضد النساء، أكدت لطيفة أن النقاش غالبا ما يختزل بين القوى المحافظة التي تسعى لتكريس الوصاية الأبوية، والدولة التي توظف حقوق النساء كأداة شرعنة سياسية، بينما تبقى بذرة نسوية شعبية تحررية الرقم الأضعف لكنها الجوهرية في بناء بديل جذري.
وأوضحت أن هذا البديل يرتكز على ربط الإصلاحات بالعدالة الاجتماعية، نظرا لأن العنف ضد النساء يتغذى من الفقر والهشاشة الاقتصادية، إلى جانب فضح الدولة كفاعل رئيسي في إنتاج العنف ضد النساء بدلا من قبولها كحكم محايد. كما يشمل بناء مشروع جماعي نسوي جنوبي يعتمد على نضالات النساء في الشارع والقرى ودوائر الإنتاج وإعادة الإنتاج، بعيدا عن الأجندات الرسمية أو الدولية.
وأكدت المتحدثة أن الانتظارات الحقيقية للنساء لا تقتصر على تعديل القوانين، بل على تفكيك البنية الأبوية والنيوليبرالية التي تجعل النساء مواطنات من الدرجة الثانية، ورفع الحظر عن أصواتهن.
وشددت المخلوفي على أهمية تركيز الجهود على ضمان العمل اللائق للعاملات في القطاعات الهشة، مثل الزراعة والنسيج والعمل المنزلي، إلى جانب تعميم الحماية الاجتماعية ونظام التقاعد للنساء في القطاع غير المهيكل. كما أكدت على ضرورة الاستثمار في المناطق المهمشة حيث تكون النساء أكثر عرضة للإقصاء، ومحاربة الهدر المدرسي للفتيات وربط التعليم بفرص اقتصادية فعلية، إضافة إلى الاعتراف بالعمل غير المؤدى عنه، بما في ذلك الرعاية المنزلية، كجزء أساسي من الاقتصاد الوطني.
وأضافت أن هذه الأولويات يجب أن تتصدى للسياسات النيوليبرالية التي تعمق الفقر وتعيد إنتاج التبعية، معتبرة أن التحرر النسوي جزء من معركة أوسع ضد الاستعمار الجديد وكل أشكال الاستغلال.
واختتمت لطيفة زهرة المخلوفي تصريحها بالتأكيد على أن المعركة النسوية في المغرب ليست مجرد صراع ضد قوانين مجحفة أو ثقافة أبوية، بل هي جزء من نضال نساء الجنوب ضد منظومة عالمية تستخدم أجسادهن أداة للاستغلال والسيطرة. وأشارت إلى أن المساواة الفعلية لن تتحقق إلا عبر مشروع جماعي تحرري يربط بين مقاومة الذكورية ومقاومة الاستعمار الجديد، ويعيد تعريف التضامن كحق جماعي في الحرية والكرامة.


