عبد اللطيف ايت الحاج: “القوانين لحماية النساء موجودة.. لكن التطبيق الفعلي ما زال ضعيفا”

-ملفات تادلة 24-

بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، يتجدد النقاش العمومي والحقوقي حول واقع حقوق النساء بالمغرب، خاصة في ظل التطورات التي شهدها الإطار التشريعي خلال السنوات الأخيرة، والتي سعت إلى تعزيز الحماية القانونية للنساء والتصدي لمختلف أشكال العنف والتمييز. غير أن السؤال الذي يظل مطروحا بإلحاح هو مدى قدرة هذه الترسانة القانونية على توفير حماية فعلية للنساء على أرض الواقع.

وفي هذا السياق، أكد عبد اللطيف ايت الحاج، باحث في سلك الدكتوراه ومحام وفاعل حقوقي، أن المغرب عرف خلال السنوات الأخيرة صدور مجموعة من التشريعات التي تهدف إلى توفير حماية قانونية للمرأة، خاصة على مستوى الحماية الجنائية، من خلال إصدار القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء.

وأوضح المتحدث أن الإشكال لا ينحصر فقط في وجود إطار قانوني ينظم هذه الحماية، رغم أهمية ذلك، بل يتجاوز الأمر إلى ضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات العملية الكفيلة بتنزيل هذه القوانين على أرض الواقع. وأضاف أن تفعيل هذه المقتضيات القانونية يتطلب تعزيز الجانب المؤسساتي، إلى جانب توفير الإمكانيات المادية والوسائل التقنية والموارد البشرية الضرورية لضمان التطبيق السليم للقانون.

وأشار الفاعل الحقوقي، إلى أن نجاح هذه القوانين في تحقيق الحماية المطلوبة للنساء يظل مرتبطا بمدى توفير الإمكانيات اللازمة لتفعيلها، بما يضمن انتقال النصوص القانونية من حيز التشريع إلى حيز الممارسة الفعلية، ويوفر حماية حقيقية للنساء من مختلف أشكال العنف.

وفي ما يتعلق بالثغرات القانونية التي ما تزال مطروحة في بعض النصوص ذات الصلة بحماية النساء، أوضح ايت الحاج أن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في تشتت المقتضيات القانونية المرتبطة بهذه الحماية بين عدة قوانين، سواء في القانون الجنائي أو مدونة الأسرة أو بعض القوانين المدنية والتجارية، وهو ما يجعل المنظومة القانونية في حاجة إلى مزيد من الانسجام والتكامل.

وأضاف أن التجربة القضائية، من خلال القضايا المعروضة أمام المحاكم، أبانت عن وجود عدد من الثغرات التي تستدعي مراجعة بعض النصوص القانونية، من أجل سد هذه الاختلالات وتعزيز فعالية الحماية القانونية الموجهة للنساء.

وعلى مستوى القضايا المرتبطة بمدونة الأسرة، يرى الفاعل الحقوقي أن بعض الإشكالات، مثل تزويج القاصرات وإثبات الزوجية والتعدد، ستظل من بين المواضيع التي تواكب الأسرة المغربية وتطرح نفسها باستمرار ضمن النزاعات المعروضة على القضاء. وأكد في هذا السياق أن القانون لوحده قد لا يكون كافيا لمعالجة هذه القضايا، في ظل غياب معالجة شمولية تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والثقافية التي تؤطر هذه الظواهر داخل المجتمع.

أما بخصوص آليات التكفل بالنساء ضحايا العنف، مثل الخلايا المحدثة داخل المحاكم والمستشفيات، فقد أشار المتحدث إلى أن أهميتها تظل قائمة في توفير المواكبة والدعم للضحايا، غير أن عددا من الصعوبات ما يزال مطروحا على مستوى التنزيل العملي، خاصة في المناطق القروية التي تعاني من ضعف الإمكانيات وقلة الموارد.

وفي تفسيره للفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي، اعتبر المتحدث أن أحد أسباب هذه الإشكالية يرتبط بما وصفه بأزمة التشريع، المتمثلة أحيانا في استيراد بعض النصوص القانونية من تشريعات أجنبية، خاصة من التجربة الفرنسية، دون مراعاة كافية لخصوصية المجتمع المغربي. كما أشار إلى أن مسألة الإرادة السياسية تظل بدورها عاملا مؤثرا في تحقيق حماية فعلية على أرض الواقع، مؤكدا أن بعض التشريعات قد تأتي أحيانا في سياق الاستجابة لتوصيات أو ضغوط دولية أكثر من ارتباطها بالخصوصيات الاجتماعية للمجتمع المغربي.

وفي سياق التحولات الرقمية المتسارعة، شدد الفاعل الحقوقي على ضرورة مواكبة المشرع المغربي لظهور أشكال جديدة من العنف، من بينها العنف الرقمي والتحرش عبر الوسائط الإلكترونية، مؤكداً أن السلطة التشريعية مطالبة بمواكبة تطور المجتمع وتحولاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، من خلال وضع الأطر القانونية الكفيلة بتنظيم الظواهر الاجتماعية المستجدة التي قد يكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على المجتمع.

وبخصوص الإصلاحات القانونية الأكثر إلحاحا لتعزيز حماية حقوق النساء بالمغرب، يرى المتحدث أن الأمر يقتضي مراجعة عدد من النصوص التشريعية الأساسية، من بينها قانون الشغل لمواجهة مظاهر العنف الاقتصادي والتمييز في بيئة العمل، إضافة إلى القانون الجنائي لتعزيز الحماية من الأفعال ذات الطبيعة الجنائية المرتبطة بالعنف ضد النساء، فضلاً عن مدونة الأسرة لمعالجة الإشكالات المرتبطة بالعنف الأسري وتعزيز حماية النساء داخل المؤسسة الأسرية.

وختم ايت الحاج تصريحه بالتأكيد على أن تعزيز حماية حقوق النساء يمر عبر مقاربة شمولية لا تقتصر فقط على سن القوانين، بل تشمل أيضا توفير الإمكانيات اللازمة لتفعيلها، إلى جانب تطوير السياسات العمومية والبرامج التوعوية الكفيلة بالحد من مختلف أشكال العنف والتمييز ضد النساء.

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...