تقليم أشجار التفاح بأيت بوكماز: فلاحون يصارعون البرد والمصاريف من أجل محصول وفير

-عمر طويل-

ينطلق موسم تقليم أشجار التفاح في دوار سرمت، بوادي أيت بوكماز بإقليم أزيلال، في أجواء يلفها البرد وصمت الجبال، لا يقطعهما سوى وقع المقصات وهي تقص الأغصان الزائدة بعناية.

لا تبدو العملية مجرد عمل فلاحي روتيني، ولكن محطة حاسمة في تحديد جودة المنتوج وحجمه. ومن قلب الحقول، يؤكد الفلاحون، عبر شهاداتهم، أن هذا الموسم يشكل مرحلة أساسية في دورة الإنتاج، حيث ينهمكون في تهذيب الأشجار وإزالة الزوائد، أملا في محصول وفير وجودة أفضل.

يواصل لحسن أزروال عمله بين صفوف أشجار التفاح، ممسكا بمقصه بعناية، يراقب كل غصن قبل أن يقرر قطعه. بنبرة هادئة، يقول في حديثه ل “ملفات تادلة 24″ وهو منهمك في التقليم إن ” تقليم التفاح يحتاج إلى دقة وتجربة، فليس كل غصن يقطع، بل نختار بعناية ما يجب إزالته حتى نمنح الشجرة القدرة على إنتاج تفاح ذي جودة عالية”.

يحكي لحسن، وقد راكم خبرة تمتد لأزيد من عشر سنوات، أن بداياته في هذا المجال لم تكن عفوية، ولكنها جاءت بعد تكوين أولي تلقاه على يد أحد المؤطرين الذين زاروا المنطقة.

ويستحضر تلك المرحلة قائلا إن أستاذا حل بأيت بوكماز، ورافق الفلتحين في الحقول، وشرح لهم خطوة بخطوة كيف يتعاملون مع الشجرة في كل مرحلة من مراحل نموها، وهو ما شكل بالنسبة له الأساس الذي بنى عليه خبرته الحالية.

ولا يتوقف عمل لحسن عند حدود التقليم، بل يمتد ليشمل العناية الشاملة بالأشجار في هذه المرحلة الدقيقة. وبينما يواصل تفقد الأغصان، يوضح أن هذه الفترة تتزامن أيضا مع وضع الأسمدة وتهيئة التربة، قائلا “في هذا الوقت نولي الأشجار عناية كبيرة، نمدها بالأسمدة ونحضرها للموسم، لأن أي إهمال ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج وجودته”.

غير بعيد عن لحسن، يواصل محمد اليزمي عمله بهدوء بين الأشجار، مقصه لا يفارق يده، وعيناه تترصدان تفاصيل الأغصان. محمد، وهو فلاح وأب لثلاثة أطفال، يؤكد أن هذه المرحلة لا تقل أهمية عن باقي مراحل الإنتاج، قائلا “عملية التقليم ضرورية، بدونها لا يمكن أن نحصل على منتوج جيد، فهي التي تساعد الشجرة على التوازن والإثمار بشكل أفضل”.

ولا يخفي محمد أن العناية بأشجار التفاح تمتد لما بعد التقليم، إذ يضيف وهو يسترسل في عمله “بعد “الزبر”، نقوم بمعالجة الأشجار بالأدوية حوالي خمس مرات خلال الموسم، وذلك لحمايتها من الأمراض والحشرات”، في إشارة إلى مسار طويل من العناية المستمرة التي تسبق جني الثمار.

ولا يتوقف المشهد عند حدود التقليم فقط، فمحمد يشرح كيف يستمر العمل على مدار الموسم، وكأن الأشجار تتطلب متابعة يومية دقيقة. يتجول بين الصفوف، يلمس الأغصان بعناية، ويشير إلى أن كل خطوة (التقليم إلى المعالجة بالمبيدات) هي جزء من مسار طويل يضمن صحة الشجرة وجودة الثمار.

يقول وهو يراقب العمل بعين خبيرة: “كل موسم له تحدياته، من الأمراض والحشرات إلى التغيرات المناخية، وعلينا أن نكون دائما متأهبين”.

غير أن هذه العناية الدقيقة تأتي محملة بعبء مالي متزايد. محمد، وهو يواصل عمله بين الأشجار، يوضح بقلق: “الفلاحون الصغار هنا في أيت بوكماز يعانون، المصاريف كثيرة، من أسمدة وأدوية وأدوات، وكلها تثقل كاهلنا”. ويضيف أن هذه التكاليف لا تؤثر فقط على يومياتهم، بل تنعكس مباشرة على مردودية الفلاحين، خاصة في ظل محدودية الدعم المقدم لهم، ما يجعل كل موسم تحديا جديدا.

يرفع محمد رأسه للحظة من بين صفوف أشجار التفاح، يتفحص الحقل الممتد أمامه بعينين تجمع بين الإرهاق والأمل.

يقول متأثرا بواقع الفلاحين الصغار: “الحياة هنا صعبة، وكل موسم يمثل تحديا جديدا. نحتاج إلى دعم حقيقي، خصوصا في تجهيز الآبار بالطاقة الشمسية لتخفيف تكاليف السقي، ومساعدة في اقتناء المبيدات، من وتوفير تكوينات للفلاحين لمواكبة التقنيات الحديثة”.

ومع كل خطوة يقطعها بين الأشجار، يعاود محمد الحديث عن واقع الفلاحين الصغار في أيت بوكماز، مؤكدا أن العبء المالي ثقيل على الجميع: “كل موسم يمثل تحديا كبيرا بالنسبة لنا، من شراء الأسمدة والأدوية إلى اقتناء الأدوات اللازمة. أحيانا نضطر للتضحية ببعض الخطوات حفاظا على المال، لكن ذلك يؤثر مباشرة على جودة المحصول ومردوديتنا”.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...