-هشام هشام-
“المحتوى التلفزي في رمضان يندى له الجبين، سام لصحة المجتمع ومدمر لقيم الدين”، كان هذا نص الرسالة المعبرة الموجهة من جماهير نادي المغرب التطواني من خلال رفع لافتة بخطوط عريضة تتصدر منصة الجمهور، في تعبير واضح عن استيائها العميق إزاء رداءة الأعمال المعروضة في شهر رمضان.
اللافتة ربطت بين رداءة المحتوى وبين “تدمير قيم الدين”، وهذا يعكس وجهة نظر شعبية ترى أن شهر رمضان له خصوصية روحية لا تتناسب مع مضامين يراها الكثيرون “مبتذلة” أو “لا تحترم ذكاء المشاهد المغربي”.
ويأتي اختيار جمهور “حمامة تطوان” لملاعب كرة القدم للتعبير عن سخطها تجاه هذه الإنتاجات، واصفة إياها بالمدمرة لقيم المجتمع، لتبليغ رسالتها لأكبر شريحة من المواطنين والجهات الموكولة إليها مهمة الرقابة وضبط مجال الاتصال السمعي البصري.
يعتبر هذا الحدث (رفع جماهير التراس سيامبري بالوما لافتة منتقدة للإنتاجات الرمضانية) مؤشرا سوسيولوجيا لافتا، حيث لم يعد النقد حبيس المجالس أو مواقع التواصل الاجتماعي، بل انتقل إلى “الملاعب” باعتبارها أكبر فضاء للتعبير الشعبي العفوي.
حيث تجاوزت الانتقادات هذا العام حدود “الريموت كنترول” لتصل إلى المدرجات الرياضية. رسالة جمهور “حمامة تطوان” لم تكن مجرد رأي صادر من جمهور رياضي، ولكن صرخة احتجاجية منظمة تعكس وعيا جماعيا برداءة المحتوى. اختيار الملعب كمنصة يهدف إلى “إحراج” القائمين على القنوات العمومية أمام الرأي العام الدولي والوطني الذي يتابع البطولة.
يرى الباحثون في علم الاجتماع أن الأعمال الرمضانية، خاصة “السيتكومات”، تكرس نمطية مشوهة عن الشخصية المغربية.
و يرى الدكتور فؤاد بلمير (باحث في علم الاجتماع) في تحليلات سابقة أن الإشكالية تكمن في “التبضيع”؛ أي تحويل المشاهد إلى مجرد رقم إعلاني.
يقول المختصون في هذا الصدد إن المحتوى الذي يعتمد على “التهريج اللفظي” و”العنف الرمزي” يساهم في تطبيع الناشئة مع قلة الذوق، مما يفسر وصف الجمهور لها بأنها “سامة لصحة المجتمع”.
ويعيب النقاد الفنيون على هذه الإنتاجات ما يسمونه “منطق الصفقات” لا “منطق الإبداع”، حيث يؤكد الناقد السينمائي أحمد سيجلماسي وغيره من النقاد أن “الارتجالية” هي سيدة الموقف.
فكتابة السيناريو تتم في وقت ضيق، ويتم الاعتماد على “الوجوه” (المؤثرين أحيانا) بدلا من “الممثلين”، مما يؤدي إلى غياب العمق الدرامي. هذا هو “المحتوى الذي يندى له الجبين” فنيا، حيث يغيب الصراع الدرامي الحقيقي ويحل محله الصراخ.
أما القنوات العمومية التي تمول من ضرائب المواطنين، فمن حقهم المطالبة بجودة تليق بهويتهم. إذ يشير خبراء الإعلام إلى أن التلفزيون في رمضان يمارس نوعا من “الاستلاب الثقافي”. فبدلا من استغلال ذروة المشاهدة لتقديم برامج وثائقية أو دراما تاريخية واجتماعية رصينة، يتم التركيز على الترفيه السطحي.
ويبقى غياب “المحاسبة الإبداعية” هو ما دفع الجمهور للمطالبة بتدخل المؤسسات الرقابية مثل الهاكا – HACA لضبط دفتر التحملات.
وتعد صرخة جماهير المغرب التطواني بمثابة “كارت أحمر” في وجه السياسة البرامجية الرمضانية. لم يعد المشاهد “مستهلكاً سلبيا”، بل أصبح ناقداً يمتلك أدوات الضغط، مما يضع القنوات الرسمية وشركات الإنتاج أمام ضرورة مراجعة شاملة للنموذج المتبع قبل أن تفقد هذه القنوات ما تبقى من ثقة لدى المواطن.
*صحافي متدرب


