-هشام هشام-
بمناسبة زيارتها المرتقبة للمغرب خلال الفترة الممتدة بين 23 مارس و 2 أبريل 2026، بورتريه حول أليس جيل إدواردز (Alice Jill Edwards)، بصفتها أول امرأة تتولى منصب المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، مع التركيز على مسارها وحزمها في الدفاع عن حقوق الإنسان.
في عالم تملؤه النزاعات وتغيب فيه أحياناً سلطة القانون، تبرز أليس جيل إدواردز كواحدة من أكثر الشخصيات الحقوقية تأثيراً في الساحة الدولية. لم تكن مجرد محامية أسترالية عادية، بل هي المرأة التي كلف بعهدتها ملف من أثقل الملفات الأممية: المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
أليس إدواردز ليست غريبة عن ساحات المعارك الحقوقية. قبل تعيينها في هذا المنصب في الأول من أغسطس 2022، راكمت خبرة تمتد لأكثر من 20 عاماً كقانونية وباحثة دولية. عرفت بدفاعها المستميت عن اللاجئين، وعملها الطويل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، حيث كانت تدير الحماية القانونية العالمية، فهي تتمتع بمهارات عالية وبسجل راسخ من الانخراط المستمر بالنيابة عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وبمساهمات حاسمة في تطوير معايير القانون الدولي.
تجمع إدواردز بين الصرامة الأكاديمية (وهي حاصلة على الدكتوراه في القانون الدولي) وبين الخبرة الميدانية، مما جعلها “عدواً شرساً” لسياسات الإفلات من العقاب.
منذ توليها مهامها، تبنت إدواردز نهجاً مباشراً وصريحاً. لم تكتف بالتقارير المكتبية، بل كانت صوتا صارخا ضد استخدام التعذيب كأداة للترهيب السياسي أو العسكري. برز اسمها بقوة في تحقيقاتها حول الانتهاكات في مناطق النزاع الكبرى، حيث وجهت رسائل شديدة اللهجة للدول التي تتقاعس عن حماية مواطنيها من سوء المعاملة.
تؤمن إدواردز بأن التعذيب ليس مجرد جريمة ضد فرد، بل هو “تفتيت للكرامة الإنسانية” وإضعاف لأساس الدولة والمجتمع.
تعتبر أليس أول امرأة تشغل هذا المنصب منذ إنشائه في عام 1985. هذا التفرد أعطى لعملها بعدا إنسانيا وحقوقيا خاصا، خاصة في القضايا المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، حيث تعتبر أن الاغتصاب والعنف الجنسي في سياق الاحتجاز يمثلان “أقسى أشكال التعذيب” التي يجب أن يحاسب مرتكبوها دون هوادة.
وهي مستشارة للحكومات والهيئات الدولية والإقليمية والمؤسسات الوطنية والمجتمع المدني، وتدرك تماما التحديات والعقبات والفرص لتنفيذ الإصلاحات. وقد عملت على مدى 25 عاما، مع مجموعة واسعة من أصحاب المصلحة بهدف تحسين النتائج في مجالات العدالة الجنائية، والشرطة وحفظ الأمن وإنفاذ القانون، والخدمات العسكرية والأمنية، ومسائل الهجرة واللجوء وانعدام الجنسية والاتجار بالبشر، وقانون مكافحة التمييز ومعايير السجون والإصلاحيات.
وشغلت إدواردز مؤخرا منصب رئيس أمانة مبادرة اتفاقية مناهضة التعذيب، وهو تعاون حكومي دولي فريد يهدف إلى تعزيز التصديق العالمي على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (2016-2021). وخلال فترة ولايتها، انضمت 15 دولة جديدة إلى الاتفاقية وبدأت مسيرتها نحو التنفيذ، متجاوزة بأشواط التصديق على معظم معاهدات حقوق الإنسان الأخرى، في حين شاركت أكثر من 180 دولة في أنشطة بناء القدرات والزيارات الدبلوماسية.
وفي المراحل الأولى من حياتها المهنية في مجال العلاقات الدولية، عملت في منظمة العفو الدولية وفي منظمة غير حكومية معنية بالتنمية في موزمبيق.
وشغلت في السابق منصب رئيس قسم سياسة الحماية والمشورة القانونية في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في جنيف (2010-2015)، وهو منصب مؤسسي رئيسي، وذلك عقب المهام الميدانية التي تولتها في البوسنة والهرسك ورواندا والمغرب.
وهي عضو في مجالس إدارة مجلات أكاديمية رائدة، منها مجلة التعذيب المفتوحة المصدر، كما عِنت في مناصب أكاديمية دائمة ومساعِدة في جامعات رائدة عالميًا، بما في ذلك جامعات أكسفورد ولندن ونوتنغهام. وهي حاليًا أستاذة مساعدة في ماستر الدراسات في القانون الدولي لحقوق الإنسان بجامعة أكسفورد.
ومن بين أكثر أعمال الدكتورة إدواردز شهرة حجتها القانونية الرائعة التي تشكل إنجازا في الواقع وقد أصبحت اليوم مقبولة كمبدأ أساسي على المستوى العالمي، بأن الاغتصاب والعنف الجنسي من أشكال التعذيب والاضطهاد، ما يمكن مئات الآلاف من الضحايا من المطالبة بالحماية بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. بالإضافة إلى ذلك، تم تبني جهودها في البوسنة والهرسك في أواخر تسعينات القرن الماضي بهدف توفير حلول مناسبة وطويلة الأجل عقب انتهاء الحرب، يستفيد منها ضحايا الحرب من الإناث وأسرهن كممارسة تشغيلية للأمم المتحدة والسياسات الحكومية. كما استرشد بعملها الميداني كتابُها المؤثر Violence against Women under International Human Rights Law (العنف ضد المرأة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان) (منشورات جامعة كامبريدج، 2011)، الذي فاز بجائزة أودري رابوبورت للمنح الدراسية في مجال حقوق الإنسان للمرأة.
ونشرت د. إدواردز دراسات عن حالات تجريبية بشأن بدائل الاحتجاز الإداري، واستخدمت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحكومات والمحاكم والمجتمع المدني، حججها القانونية بشأن تطبيق بروتوكول الأمم المتحدة الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب على مراكز الهجرة واحتجاز اللاجئين. وتم وصف عملها في مجال تصور وتوجيه الاستراتيجية العالمية المتعددة السنوات، التي أعدها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين – ما بعد الاحتجاز، بأنه “مخطط للدفاع عن حقوق الإنسان”. وهي مؤلفة العديد من المنشورات الأخرى، منها المبادئ التوجيهية للاحتجاز التي وضعتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، والمبادئ التوجيهية الأولى للمفوضية بشأن الاضطهاد الجنساني، ورقة المعلومات الأساسية التي تستند إليها التوصية العامة رقم 32 للجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة؛ وهي عضو في لجان استشارية لتنقيح بروتوكول اسطنبول بشأن التحقيق في التعذيب وتوثيقه ومبادئ مانديز بشأن إجراء مقابلات فعالة لأغراض التحقيقات وجمع الأدلة.
وقد أصدرت أكثر من 50 منشورا وتقريرا، وألفت وشاركت في تأليف وتحرير العديد من الكتب، أبرزها: Human Security and Non-Citizens: Law, Policy and International Affairs (الأمن البشري وغير المواطنين: القانون والسياسة والشؤون الدولية) (2010)، Violence against Women under International Human Rights Law العنف ضد المرأة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان (2011)، Nationality and Statelessness in International Law (الجنسية وانعدام الجنسية في القانون الدولي) (2014)، In Flight from Conflict and Violence: UNHCR’s Consultations on Refugee Status and Other Forms of International Protection (الفرار من النزاع والعنف: مشاورات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بشأن وضع اللاجئين وأشكال الحماية الدولية الأخرى(2017).
بينما يراها البعض مجرد موظفة دولية، يراها الضحايا في السجون المظلمة “نافذة ضوء”. تظل أليس جيل إدواردز تجسيدا للإرادة القانونية التي لا تلين، تذكر العالم دوما بأن “الحق في عدم التعرض للتعذيب” هو حق مطلق، لا يسقط بالتقادم ولا تبرره الظروف الاستثنائية.


