-ملفات تادلة 24-
قد تكتسب التغيرات المناخية غاية مفيدة حين تقع على المجال الهش، إذ تكشف للمواطن البسيط مستوى تخلف التنمية بمحيطه. ذلك أن ما تحدثه تلك التغيرات في بعض المناطق المغربية يحصل تناولها بأقلام المسترزقين ويحسبون سعيهم الضال أنه خدمة للوطنية. وفي مجال الرصد تصادف أهل حقوق الإنسان الذين يرددون باسم المؤسسة العمومية عبارة «فعلية الحق»، وضمنه الحق في التنمية، وهم بطبعهم يسوقون الوهم لدى الرأي العام. ومن الأوساط الهشة التي لا تحتاج إلى عين راصد يحتل الجبل مركز الصدارة.
وكلما هطل مطر تنكشف العورة وتبرز السوأة. ذروني أركز على جبال الأطلس الكبير الشرقي، والأطلس المتوسط الهضبي. وأما أهوال جبال الريف ومحيطها القريب، بلاد الهبط فتحتاج إلى وقفة، ووسعة للبيان والتوضيح لصلة الفيضان فيها بالتاريخ. ولقد حسم الماء معركة واد المخازن سنة 1578 ميلادية، وتسمى في الذاكرة الأمازيغية معركة «تامدا»، أي: الماء الراكد، أو حوض الماء، أورد الإشارة الأستاذ عبد الله بوشطارت. وحصل في يوم 9 من شهر يناير من العام 1963 أن أهلكت الفيضانات الحرث والنسل، 10 قتلى وآلاف المنكوبين، أي: كارثة وطنية. وأهلك نهر ملوية، الذي يصب حمولته في البحر المتوسط، وفي شهر مايو من السنة ذاتها 170 شخصا. وباختصار شهد تاريخ المغرب فصولا من الأوبئة والمجاعات والكوارث، والتاريخ يعيد نفسه في هذا المجال مادام تدخل الإنسان بطيئا. ولأن الأبواق الرسمية وغير الرسمية تتحدث عن العدالة المجالية، وهي حق من حقوق الإنسان، وسواء كان الموضوع مفكرا فيه أو وروده في الخطاب لغاية الاستهلاك، تظل الجبال بعيدة عن السرعة التي راجت مؤخرا ضمن خطاب التنمية.
فالجبال تسير سير السلحفاة نحو التنمية. لنقف عند بعض المشاهد المؤسفة التي صنعها الماء. صحيح أن هناك بعض المجهودات في هذا المجال لكنها بعيدة عن إعمال حقوق الإنسان. وقد سلف أن نشرت بموقع الحوار المتمدن يوم 19-5-2011 مقالات تحت عنوان: «سد الحسن الداخل والحقوق الجماعية بضاحية الرشيدية بالمغرب»، خلصت فيه إلى أن سد الحسن الداخل عامل جغرافي لتناسل مجموعة من الظواهر مس معظمها الحقوق الجماعية للسكان الذين استوطنوا بمحيط الرشيدية طوعا أو كرها. وسلف أيضا أن نشرت مقالا آخر بنفس الموقع تحت عنوان: ذاكرة المجال وفائدتها في درء وقع كوارث الطبيعة بجنوب شرق المغرب، موقع الحوار المتمدن بتاريخ 11-9-2019. فحينما تغيب ذاكرة أهوال الماء يتعمق انتهاك حقوق الإنسان بالمجال. أتمنى أن يستوعب أهل «فعلية الحق»، هذا الخطاب.
تأخر الماء قليلا، وفي خريف سنة 2024 عاد الرعد ليقصف، وفاض واد زيز. والمؤسف أن تلك القنطرة التي بنيت في إطار «برنامج التقليص من الفوارق الترابية والاجتماعية في العالم القروي»، ودامت «أشغال بناء الطريق غير المصنفة الرابطة بين الطريق الإقليمية رقم 706، ودوار زاوية سيدي بوكيل جماعة امزيزل» بإقليم ميدلت ما يقترب من 17 شهرا، نسفت مباشرة عشية نقل الطبول والحلويات ونساء الزغارد إلى أمام لوحة التدشين، يوم 18 من شهر شتنبر من العام 2024. ولا تزال قرى الضفة اليسرى لواد زيز تعاني من العزلة، ولم تتقلص فيها الفوارق الترابية ولا الاجتماعية. والمتجول في الميدان يلاحظ أن الذين أحدثوا اليافطات تغافلوا، قصدا، عن تثبيتها لنعت كفر «قرية باليث، وتابية، وزاوية سيدي بوكيل». وأهلكت الفيضانات حقوق سكان زاوية سيدي بوكيل في الماء الشروب. وبدل العمل على إنقاذ الوضع جرى تشجيع بعض الصفحات المشبوهة لتنشر الأراجيف بأسماء مقنعة، لغاية تضليل الرأي العام، لأن أصحابها مخبرون في الجهل والأمية، وذاك هو القريب للوجه. وللإشارة فالقرية المذكورة استفادت من برنامج تزويد الوسط القروي بالماء الشروب، الذي اعتمده المغرب للتقليل من الهجرة القروية. ذلك أنه في سنة 1994 أنجزت دراسة تفيد وجود خصاص في نقط الماء المهيأة ليكون الشرب منها سليما. وتبينت ان حصول سكان الوسط القروي بثلة من المناطق المغربية على الماء صعب للغاية. هنالك بدأ الحديث يروج حول ما يسمى تزويد الوسط القروي بالماء الشروب في إطار برنامج «باجير» ويعني في اللغة الفرنسية بالحرف le programme) d’approvisionnement groupé en eau potable des populations rurales). . ويعتمد البرنامج على المقاربة التشاركية. وكان إرساء البرنامج بمساعدة برنامج الأمم المتحدة للتنمية. وفي سنة 1995 انطلق – البرنامج- واتضح أنه يهدف إلى تغطية 80 في المئة من حاجات الوسط القروي في أفق سنة 2010، وفي البرنامج الحكومي المغربي لسنة 2002 ورد ذكر «باجير». وفي سنة 2016 بلغ الانخراط 96 في المئة. ودون الوقوف عند الأهداف الإيديولوجية للمشروع إن كانت المراكز الرأسمالية تهدف إلى التقليل من الهجرة، فإن البرنامج مكن الحكومة من ضمان الحق في الماء الشروب، والذي حاق به الانتهاك في الثمانينيات من القرن الماضي. أريد للبرنامج أن يدبر من لدن شركاء، نحو الجماعة الترابية صاحبة المشروع، ومصالح الدولة المكلفة بتنفيذ المشروع. ولئن كان المشروع يقضي إقحام الجماعات الترابية في جميع مراحله، فهناك جماعات عازفة لا يعنيها الأمر.
وحسبنا أن تمويل المشروع منهله الجماعات الترابية والمستفيدون، وذلك بدفع ما بذمتهم. تقوم الجمعية المشرفة باستخلاص واجبات مستهلك الماء وتؤدي أجرة المستخدم، وطاقة تشغيل المضخة. لكن بعض المشاريع كانت وليدة الصفقات المشبوهة كمشروع زاوية سيدي بوكيل بجماعة امزيزل بإقليم ميدلت. فالخزان علوه لم يبلغ المستوى المطلوب، والشبكة هشة، وموضع البئر مترب، ومملوء بالأوحال. وأما الجماعة الترابية فتختزن شكايات الجمعية ذات الصلة بالتسهيلات، وإعمال دور الشرطة الإدارية. ولئن كانت القرى المجاورة قد استفادت من الطاقة الشمسية. ولا تزال القرية تقتبس الماء من بئر أحد المتطوعين. ولما رفعت الجمعية المشرفة المطالب والشكايات إلى السلطات الإقليمية بميدلت، انتعش حسيس الجماعة الترابية امزيزل بالمشكل. وفي يوم الخميس 22 من شهر مايو من العام 2025 وضعت الجماعة الدراسة التي أنجزتها بمكتب ضبط المجلس الجهوي لجهة درعة تافيلالت. وفي يوم الأربعاء 16 من شهر يوليوز من العام 2025 زار فريق يبحث عن موضع سبر ثقب الماء، وإلى حدود يومه لا يزال إشكال الماء الشروب مطروحا لدى سكان زاوية سيدي بوكيل، وهو أكبر تجمع سكاني بجماعة امزيزل.
وفي متم سنة 2025 وبداية سنة 2026 عادت التساقطات، نقول: عادت لهشاشة نظام التساقطات في المناخ المتوسطي، فطفق الثلج يعمر قمم الجبال. وانجر عن الثلوج عزلة ثلة من المناطق، جماعة «تانوردي»، وجماعة «تيزي ن غشو». وينبغي ذكر تغير السلطة الإقليمية بميدلت إذ لم تستقبل مسؤولا يرحل إلى المكان بالطبول والحلويات والزغاريد، بل استقبلت مسؤولا يعمل في صمت وقلل من عدد المخبرين المأجورين من الصناديق السوداء. ومنذ يوم 29 من شهر دجنبر (كانون الأول)، شوهد يعبئ ما توافر تحت إمرته من الإمكانيات لرفع العزلة على تلك المناطق، وتمكن من فتح المحاور الطرقية الرئيسية. ونشرت بعض وسائل الإعلام أن المسؤول الإقليمي يحتكم إلى مخطط إقليمي استباقي لمواجهة التغيرات المناخية.
ولم تنج منطقة إملشيل من أهوال الثلوج، وقد فرض الماء عزلة قريتين بجماعة «أوتربات» الترابية، وتدخل المسؤولون بالجماعة ونقلوا التلاميذ بواسطة شاحنة من تاوريرت وأيت علي ويكو إلى مركز أتربات لمتابعة الدراسة في الطور الإعدادي، ونشط المؤثرون في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي لتمييز الفعل أنه إهانة لسكان المنطقة لأن وسيلة النقل المستعمل تنقل الأزبال، وذاك ما اعتبره أحد المعقبين أنه مجانب للصواب. وأمام وقع المراء والمجادلة نشرت الجماعة الترابية بيان حقيقة تحت عنوان: «بيان توضيحي للرأي العام والمحلي حول تسخير الشاحنة لنقل التلاميذ إلى القسم الداخلي بالثانوية الإعدادية أتربات». ويفيد البيان أنه جرى نقل حوالي 40 تلميذا بعد نهاية عطلة الأسدس الأول من الموسم الدراسي الحالي، أي: يوم 2 من شهر فبراير الجاري. وورد في البيان، فضلا عن ذلك، أن «المنطقة عرفت كباقي مناطق المغرب ظروفا مناخية استثنائية استمرت شهرين، وتساقط كمية كبيرة من الثلوج، نتج بعد ذوبانها ارتفاع منسوب الأودية الثلاثة، واد «الموهر»، وواد «أزغار إيرس»، وواد «مدكوست». وأشار البيان إلى عائق ذي صلة بتخلف التنمية مفاده أن الطرق غير معبدة وحال توحلها «دون تمكن حافلة النقل المدرسي» من أداء المهمة. وحاولت «مصالح الجماعة، بتنسيق مع السلطة المحلية، وبآليات المجلس الإقليمي الموضوعة رهن إشارة لجنة اليقظة المحلية بدائرة أوتربات، وجرافة شاحنة الجماعة لفتح مسلك جديد «ترموت – م تغوزي». لكن ذوبان الثلوج حال دون ذلك». ودون الخوض في التفاصيل الصغيرة، ونقل بينا الحقيقة حرفيا، وتضمين المراء الحاصل حول الموضوع، وجب التنويه بالصيحات التي أثارت الحدث، بنقد الفعل أو بتزكية، وجعلته موضوعا للنقاش، دعما لحرية التعبير. كما يسجل بإيجاب حس التواصل المرتفع لدى الجماعة الترابية أتربات إذ أقدمت على توضيح موقفها للرأي العام. وباختصار فالمنطقة تشكو من أهوال تخلف التنمية، في أيام الرطوبة والجفاف. وتنبغي مواجهة التخلف بمشاريع تنصب على تعبئة الموارد المائية، وبناء القناطر، وشق الطرق، نحو الطريق بين «أيت يحيى» و«أتربات»، وبين «أيت يحيى» و«تونفيت»، وتنمية الدخل غير الزراعي لهشاشة البنية التحتية الهيدرولوجية، وإعمال حقوق الإنسان الجماعية والاجتماعية، كالحق في التعليم، وتجاوز واقع سنوات الجمر والرصاص لصلته بالتخلف.
لحسن ايت الفقيه

