محمد لغريب: كويت تادلة.. فلاحة بلا عمال وشغل بلا مستقبل

-محمد لغريب-

شكلت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي مرحلة مفصلية في تاريخ التحولات الديموغرافية والاجتماعية بسهل تادلة، إذ تزامن انخراطها المتسارع في الاقتصاد الرأسمالي الفلاحي مع تدفق موجات كثيفة من المهاجرين القادمين من مجالات قروية مجاورة، بحثا عن شروط عيش أفضل.

فقد أفرزت الدينامية الاقتصادية المرتبطة بتوسيع الزراعات الصناعية والتصديرية، كصناعة السكر والحوامض والقطن والفلفل الأحمر (المنيورة)، مجالا جاذبا لليد العاملة، في إطار سياسة راهنت على توجيه الإنتاج الفلاحي نحو الأسواق الخارجية. غير أن هذا الاندماج في الاقتصاد العالمي من موقع التبعية، الذي منح المنطقة آنذاك لقب “الكويت” دلالة على غناها، أخفى في طياته اختلالات بنيوية عميقة.

فمن جهة، شجعت هذه الطفرة الاقتصادية الوافدين على الاستقرار الدائم، ما أدى إلى تشكل أحياء ودواوير جديدة بهوامش المراكز الحضرية، وبالقرب من الضيعات الفلاحية الكبرى. ومن جهة أخرى، رافق هذا التوسع المجالي غياب شبه تام للبنيات التحتية الأساسية، حيث نشأت تجمعات سكنية تفتقر إلى الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، وتنامت أنماط سكن هش من القش والطين والصفيح، لا تزال بعض معالمها قائمة إلى اليوم (منطقة القصور، والعيايطة…) وهو ما يعكس مفارقة صارخة بين غنى المجال الفلاحي وحداثة إنتاجه، وهشاشة شروط عيش الفئات التي ساهمت فعليا في هذه الدينامية الاقتصادية.

وتعزز هذا الوضع بفعل سياقات وطنية أوسع، خاصة توالي سنوات الجفاف خلال بداية الثمانينات، وفشل سياسات الإصلاح الزراعي والاهتمام بالعالم القروي، الأمر الذي دفع أعدادا كبيرة من السكان إلى هجرة أنشطة الرعي والزراعات المعيشية. ووجد هؤلاء أنفسهم مجبرين على الاندماج في سوق الشغل الفلاحي كيد عاملة غير مؤهلة، استوعبها هذا القطاع باعتباره النشاط الاقتصادي الوحيد القادر على تشغيل هذه الكتلة البشرية المتزايدة. غير أن هذا الإدماج تم في الغالب في شروط تميزت بالهشاشة والاستغلال، مع ارتفاع ملحوظ في نسبة الأمية، خاصة في صفوف النساء اللواتي كن يقصدن “الموقف” لبيع قوة عملهن.

غير أن المجال الذي استقطب المهاجرين الداخليين خلال السبعينات والثمانينات، سيتحول ابتداء من التسعينات إلى مجال طارد للسكان، ومصدر للهجرة الخارجية نحو أوروبا، خاصة بمنطقتي بني عمير وبني موسى… ويعكس هذا التحول العميق حدود النموذج الفلاحي المعتمد، الذي دخل مرحلة أزمة بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع فرص الشغل، وتفاقم البطالة، نتيجة جلب مواد فلاحية من الخارج بأقل تكلفة (حالة القطن، حيث تم إغلاق معامل حلج القطن بكل من قصبة تادلة وسوق السبت، ووادي زم) ما ولد إحباطا اجتماعيا ونفسيا لدى فئات واسعة من الساكنة. وهو ما يجعل من تجربة سهل تادلة، كما يشير إلى ذلك الباحثون في مجال الهجرة، نموذجا ساطعا على الانتقال من الهجرة الداخلية المرتبطة بجاذبية المجال، إلى الهجرة الدولية بوصفها استراتيجية اجتماعية واقتصادية بديلة في مواجهة انسداد الآفاق محليا.

إذا كانت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قد شكلت مرحلة ازدهار نسبي للقطاع الفلاحي بسهل تادلة، جعلت منه قطبا جاذبا لليد العاملة القادمة من مناطق مجاورة، أخذا بعين الاعتبار الظروف الطبيعية: خصبة السهول ووفرة المياه…، فإن الوضع الراهن يكشف عن مفارقة لافتة تتمثل في تحوله إلى مجال يعاني خصاصا حادا في العمال الزراعيين بعد سنوات الجفاف المتتالية، رغم استمرار الفلاحة كنشاط اقتصادي محوري في المنطقة.

فالأزمة التي يعيشها الفلاحون خلال الموسم الفلاحي الجاري، خاصة مع تزامنها مع فترة جني الزيتون وتنقية حقول الشمندر من الأعشاب، كشفت عن تحولات بنيوية عميقة مست أنماط الشغل والعلاقة بالمجال الفلاحي.

ويظهر النقص الكبير في اليد العاملة، وما رافقه من ارتفاع في الأجور وتكاليف الإنتاج، حجم التحول الذي طرأ على مكانة العمل الفلاحي داخل المنظومة الاجتماعية المحلية. فبعد أن كان هذا القطاع يشكل ملاذا رئيسيا لاستيعاب اليد العاملة غير المؤهلة، أصبح اليوم نشاطا طاردا، لا يضمن الاستقرار ولا يوفر شروط العيش الكريم، وهو ما يفسر عزوف فئات واسعة من العمال الزراعيين، خاصة الشباب، عن الاشتغال في هذا القطاع، واتجاههم نحو قطاعات أخرى أو نحو الهجرة الداخلية نحو المدن، والخارجية نحو بلدان أوروبا الغربية على وجه الخصوص.

وتعكس شهادات الفلاحين، سواء من جماعتي بني عياط أو سيدي حمادي…، هذا التحول بجلاء، إذ لم يعد رفع الأجور كافيا لضمان توفر العمال الزراعيين، كما أن انتشار أنماط جديدة من العمل، كـ “العطاشة”، يكشف عن إعادة تشكل علاقة العمال بالعمل الفلاحي على أساس منطق الربح السريع لا الاستدامة الإنتاجية. وهو ما يفضي إلى نتائج عكسية، على العديد من المستويات أبرزها ضمان استمرارية الإنتاج. (العديد من الفلاحين عبروا عن تخليهم عن جني محصول الزيتون هذا الموسم بالنظر إلى ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقص الحاد في اليد العاملة).

لذلك لا يمكن فصل هذا الوضع عن المسار الطويل من التحولات التي عرفتها المنطقة منذ التسعينات، حين انتقلت من مجال مستقطب للمهاجرين الداخليين إلى مجال مصدر للهجرة، بفعل أزمة النموذج الفلاحي المعتمد، وتوالي سنوات الجفاف، وغياب سياسات ناجعة لتحسين شروط الشغل القروي. فقد أدى هذا المسار إلى تراجع جاذبية العمل الفلاحي، وتقويض صورته الاجتماعية، ليصبح في الوعي الجماعي مرادفا للهشاشة وعدم الأمان المهني.

وعليه، فإن أزمة نقص اليد العاملة بسهل تادلة لا تعكس فقط إشكالا ظرفيا مرتبطا بموسم الجني وتوالي سنوات الجفاف، والتي لا يمكن إسقاطها أثناء معالجة هذه القضية، بل تكشف عن تحول عميق في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، وعن قطيعة متزايدة بين الساكنة المحلية والمجال الفلاحي. وهي قطيعة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، إعادة التفكير في النموذج الفلاحي المعتمد، وفي سياسات التشغيل القروي، بما يضمن إعادة الاعتبار للعمل الفلاحي كرافعة للتنمية، لا كقطاع مأزوم يغذي الهجرة ويعمق الهشاشة الاجتماعية، والتي ساهم فيها المخطط الأخضر وتوجهات الدولة بشكل كبير نحو بناء فلاحة رأسمالية مرتبطة بالتصدير.

وبناء على ما سبق لا يمكن فهم أزمة نقص العمال الزراعيين بسهل تادلة، ولا مظاهر العزوف المتزايد عن العمل الزراعي، بمعزل عن التحولات العميقة التي يعرفها مفهوم الشغل نفسه في السياق الرأسمالي المعاصر، وهو ما يضع هذه الظاهرة المحلية في صلب ما يسميه “بيتر فليمنغ” في كتابه، “الأسوأ لم يأت بعد”  (The Worst Is Yet to Come) تفكيك الشغل. فحسب فليمنغ، لم يعد الشغل يشكل أساسا للاستقرار الاجتماعي أو ضمانا للاندماج، بل تحول إلى نشاط هش، مؤقت، ومجرد من وظائفه الحمائية والرمزية، حتى داخل القطاعات التي كانت تاريخيا تشكل عماد الاقتصاد والإدماج الاجتماعي، كالفلاحة.

ويظهر المسار التاريخي لسهل تادلة هذا التحول بوضوح، فخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان العمل الفلاحي، رغم ظروف الاستغلال في الضيعات والحقول الزراعية، يشكل أفقا واقعيا للاستقرار النسبي، ووسيلة للإدماج الاقتصادي لفئات واسعة من المهاجرين الداخليين القادمين من مناطق قلعة السراغنة، والسماعلة، وبني خيران، والشياظمة… غير أن اندماج الفلاحة في منطق السوق الرأسمالي والتصدير، دون مواكبة اجتماعية أو حماية لليد العاملة، ساهم تدريجيا في تفريغ الشغل في القطاع الفلاحي من معناه الاجتماعي، وتحويله إلى مورد مؤقت للبقاء، وهو ما يتقاطع بشكل مباشر مع أطروحة فليمنغ حول انفصال الشغل عن فكرة المستقبل.

ويبرز الخصاص الحالي في اليد العاملة الزراعية، وانتشار أنماط اشتغال غير مستقرة مثل “العطاشة”، كأحد تجليات هذا التفكيك. فالعمال لم يعودوا يرفضون العمل الفلاحي بسبب انخفاض الأجور فقط، بل لأن هذا العمل لم يعد يضمن أي أفق للاستقرار أو تحسين شروط العيش. وهو ما يؤكده “فليمنغ” حين يشير إلى أن الأفراد، خاصة في الهامش، لا يهربون من العمل بقدر ما يهربون من شغل لا يقود إلى شيء، ولا يراكم حقوقا ولا يؤسس لمسار مهني أو اجتماعي واضح.

كما أن انتقال سهل تادلة من مجال جاذب للهجرة الداخلية إلى مجال مصدر للهجرة الدولية يعكس بدوره منطق “الهروب من الشغل غير الضامن للمستقبل” الذي يتحدث عنه فليمنغ، حيث تصبح الهجرة، لا باعتبارها اختيارا، بل كاستراتيجية اضطرارية، ردا على انسداد الأفق داخل سوق شغل مفكك. فالهجرة هنا لا تعني البحث عن عمل فقط، ولكن تعني البحث عن معنى للشغل ذاته، وعن إمكانية إعادة ربطه بالاستقرار والكرامة، وبتعبير الباحث الجزائري عبد الصمد صياد شكل من أشكال الاحتجاج الصامت على الظلم والحرمان.

وعليه، فإن أزمة الفلاحة بسهل تادلة لا يمكن اختزالها في ندرة اليد العاملة أو ارتفاع التكاليف، ولكن هي تعبير محلي عن أزمة أوسع، تتمثل في تفكيك الشغل كنظام اجتماعي، وتحويله إلى عبء بدل أن يكون رافعة للاندماج. وهو ما يجعل مطالب الفلاحين بالتدخل العمومي، رغم مشروعيتها، غير كافية ما لم تطرح في إطار مراجعة شاملة للنموذج الفلاحي ولسياسات الدولة بالعالم القروي، بما يعيد الاعتبار للعمل الفلاحي كفعل اجتماعي منتج للكرامة والاستقرار، لا كحل مؤقت داخل اقتصاد يراكم الهشاشة ويغذي الهجرة.

 




شاهد أيضا

شاهد أيضا