الكتبيان المخلصان: قصة صبر وكفاح في عصر الشاشات

-عمر طويل-

قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت مكتبة “مامي” المتواجدة بالسوق القديم لبني ملال وسط المدينة مكانا ينبض بالحياة الثقافية، زبائنها طلبة وأساتذة يطرقون أبوابها بحثا عن المعرفة، وأخرى من القراء العاشقين للكتب الورقية. اليوم، ومع صعود التكنولوجيا والكتب الرقمية، تقف المكتبات التقليدية في مواجهة تحديات غير مسبوقة، صامدة بصبر، لكنها تواجه واقعا متغيرا بعجلة الزمن الرقمي.

“محمد الغلاوي” المعروف ب “مامي” كما يحلو لجيرانه في الدكاكين المجاورة له مناداته به، متزوج وأب لثلاث بنات، عاش حياته مرتبطا بالكتب أكثر من ارتباطه بالعالم الخارجي. دخل المهنة منذ عقود، وعاش منها، وبنى بها يومياته، يقول في حديثه مع “ملفات تادلة” “دخلت المهنة على قد الحال، والغلاء زاد الطين بلة…”، يقول بصوت هادئ يحمل قبول الواقع، فيما تتجسد الابتسامة الخافتة على وجهه كقناع للصبر والوفاء بالحرفة.

يقف “محمد”، الذي بدأ حياته المهنية في 1990 بالمجلات، قبل أن يتحول إلى بيع الكتب. يمرر يده على الرفوف القديمة، ويستعيد صورا من زمن كانت فيه المكتبة مكتظة بالطلاب والقراء. “كانت تلك أول مرة أبيع فيها المجلات، وبعدها بدأت أبيع الكتب… في ذلك الوقت كان الإقبال كبيرا، ولكن اليوم تغيّر كل شيء”، يروي وهو يراقب الأرفف شبه الخالية. “الناس يفضلون الطبعات الرخيصة، ومع ظهور الهاتف والإنترنت تراجع الإقبال على الكتاب الورقي بشكل كبير”، يضيف محمد، صوته يفيض بالحنين للأسلوب القديم للقراءة والتفاعل الثقافي.

“عبد الرحيم”، هو الآخر، يروي لنا نفس القصة: “كنت بائعا متجولا في مختلف المدن، والإقبال على الكتاب كان كبيرا… اليوم الوضع تغير تماما، القراء قليلون جدا، والتكنولوجيا قضت على الكتاب الورقي”. لكنه لا يستسلم، فهو يحاول أن يجد طرقا جديدة لمواصلة المهنة، مستخدما الوسائط الرقمية للترويج لبعض الكتب، مؤكدا أن الأسعار المعقولة قد تعيد بعض الإقبال.

كل كتاب في المكتبة لديه قصة، “محمد” يبتسم وهو يشير إلى بعض الروايات باللغات العربية، الفرنسية، والانجليزية، موضحا أن الطلب عليها ما زال قائما لأن أسعارها معقولة، لكن الكتب الأصلية الثقافية والإسلامية غالبا ما تغيب عنها أي حركة بيع. “الطلبة والأساتذة يأتون لأخذ كتب قديمة في مجالات التاريخ والدين والإسلام… هذا ما يزال يحافظ على بعض النشاط بشكل محدود” يقول، لكن مع ذلك يعترف بأن المهنة اليوم في انخفاض حاد، وأن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي أخذت مكان الكتاب الورقي في حياة الناس.

جلس “محمد” و”عبد الرحيم” في صمت ثقيل وسط مكتبتيهما المتجاورتين، في زقاق اعتاد أن يراهما معا منذ سنوات طويلة. عبد الرحيم، الكتبي الذي يناهز عمره 65 عاما، بدا وهو يتأمل رفوف مكتبته كمن يسترجع ذاكرة زمن كانت فيه القراءة فعلا يوميا وحاجة مجتمعية. يقول في شهادة تعبر عن عمق التجربة: “اشتغلت في بيع الكتاب لأكثر من أربعة عقود، ولم أشهد يوما هذا القدر من العزوف. كانت المكتبة فضاء يعج بالطلبة والباحثين، أما اليوم فأغلبهم يمر دون أن يتوقف”.

محمد، الذي يشاركه المهنة والهم نفسه، يرى أن التحول الرقمي كان عاملا حاسما في هذا التراجع، لكنه لا يخفي قلقه من نتائجه الثقافية. ويوضح في حديثه مع “ملفات تادلة”: “لسنا ضد التكنولوجيا، لكنها سحبت القارئ من الكتاب الورقي دون أن تعوضه بقراءة حقيقية. ما يستهلك اليوم محتوى سريع، يفتقد العمق الذي يمنحه الكتاب”.

من جهته، يربط “عبد الرحيم” تراجع الإقبال بغياب سياسات ثقافية مشجعة على القراءة، معتبرا أن الأمر يتجاوز حدود المكتبات الفردية. ويقول في هذا السياق: “الكتاب لا يمكن أن يصمد وحده في مواجهة هذا التحول الكبير. نحن بحاجة إلى دعم مؤسساتي يعيد للقراءة مكانتها داخل المدرسة والجامعة والفضاء العام”.

ورغم كل الصعوبات والتحديات التي فرضتها التحولات الرقمية، لا يزال المهنيون متشبثين بحرفتهم، يدافعون عن مكتباتهم كما لو كانوا حراسا لذاكرة المدينة وجسورا تصل بين الماضي والحاضر. “مامي” الذي يعرف كل زاوية في مكتبته ويحتفظ بصفحات قديمة تحمل بصمات أجيال من القراء، يشير إلى أهمية المكتبة كفضاء ثقافي واجتماعي: “المكتبة ماشي غير محل للبيع، كانت فضاء للنقاش وتبادل الأفكار… واليوم الناس خسروا هاد الجانب الثقافي”، صوته يحمل مزيجا من الأسى والحنين إلى أيام كانت فيها المكتبة القلب الحي النابض بالمعرفة والحوار.

يضيف بنبرة تتسم بالاعتزاز والحسرة في آن واحد: “الكتاب راه مفتاح المعرفة… حافظوا عليه، وزوروا مكتبة الحي… فيها أكثر من مجرد ورق، فيها حياة وثقافة وذاكرة المدينة”.

جلس “مامي” بمحاذاة رفوف مكتبته شبه الخالية، يضع يده على أغلفة كتب قديمة كان يعرف كل صفحة فيها عن ظهر قلب، بجواره، يراقب “عبد الرحيم” حركة الزبائن القليلة، كل واحد منهم يحمل في عينيه مزيجا من الحنين والقلق. قال “مامي” بصوت منخفض لكنه مثقل بالصدق: “الكتاب ليس مجرد ورق… هو حياة وذاكرة”. محمد أومأ برأسه، يتذكر الأيام التي كانت المكتبات فيها ممتلئة بصوت النقاش وحركة الطلبة والأساتذة. “عبد الرحيم”، بخبرة سنين طويلة، أضاف: “نقاوم الاندثار كل يوم، لكننا بحاجة إلى أن تنظر إلينا الجهات المسؤولة، فهذه المهنة جزء من روح المدينة”.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...