الحدادة نشاط أساسي أسد خدمات جليلة للمجتمع التقليدي

سعيد مطيع*

تشكل مهنة الحدادة واحدة من أقدم الحرف التي ارتبطت بنشوء المجتمعات الإنسانية وتطورها، لما لها من دور أساسي في الإنتاج والحماية والتنظيم الاجتماعي. وفي إفريقيا جنوب الصحراء، كما في شمالها، ارتبطت هذه المهنة بأسَر وجماعات وراثية عرفت في الذاكرة الجماعية باسم “الكيسو”، حيث تجاوز دور الحداد الوظيفة التقنية ليحمل بعدا رمزيا واجتماعيا عميقا. ويكشف تتبع امتداد هذه الأسر من إفريقيا نحو المغرب عن مسار طويل من التفاعل بين المعرفة التقنية والسلطة الرمزية والتحولات التاريخية.

“الكيسو” ليسوا قبيلة بالمعنى العرقي، بل أسر مهنية وراثية ارتبطت بالحدادة وصهر المعادن. انتقلت المهنة داخل هذه الأسر عبر الأجيال، مرفوقة بمعارف تقنية دقيقة وطقوس مهنية شكلت جزء من هوية الحداد. وقد نسجت حولهم أساطير متعددة تتعلق بالنار والمعادن والقوى الخفية، غير أن أفراد هذه الأسر ظلوا يؤكدون أن مهنتهم قائمة على الخبرة والتجربة وخدمة المجتمع، وليست مرتبطة بالسحر أو الغيب.

احتل الحداد موقعا مركزيا داخل المجتمع التقليدي، إذ لم يكن مجرد صانع أدوات، بل فاعلا أساسيا في تأمين شروط العيش والدفاع والتنظيم الاجتماعي. فقد كان مسؤولا عن صناعة الأدوات الزراعية وتجهيز مستلزمات الحياة اليومية وصناعة الأسلحة البيضاء وتجهيز الخيول، وهو ما منحه سلطة رمزية ومعنوية جعلت حضوره ضروريا في كل بيت وكل قبيلة.

وفر الحداد للقرية وللعائلة التي تحتضنه مجموعة واسعة من المنتجات التي تمس مختلف مناحي الحياة اليومية. ففي المجال الفلاحي صنع المحاريث الحديدية والمناجل والفؤوس والمعاول والمساحي والسكاكين الزراعية والسلاسل، وتكفل بصيانتها وإصلاحها بما يضمن استمرارية العمل الزراعي. وفي الحياة المنزلية، أنتج السكاكين والمقصات والمسامير والأقفال والمفاتيح والمفصلات والأوتاد، وساهم في تجهيز المساكن والفضاءات الجماعية. كما وفر أدوات الرعي والتنقل، واعتمد إعادة تدوير الحديد المستعمل، مما يعكس وعيا اقتصاديا وبيئيا متقدما.

اضطلع الحداد تاريخيا بصناعة الأسلحة البيضاء كالسيوف والخناجر والرماح والفؤوس الحربية والدروع، كما جهز الخيول بالحدوات والركاب واللجام والسروج الحديدية، سواء في زمن النزاعات البيقبلية أو في سياق التبوريدة والمواسم الاحتفالية. وهو ما جعل الحرفة عنصرا مركزيا في حماية القبيلة وتوازنها الدفاعي.

ساهمت الهجرات والتجارة والعمل الموسمي في انتقال أسر الكيسو من غرب إفريقيا نحو شمال القارة، حيث استقرت في المغرب داخل المدن الكبرى مثل فاس ومراكش وسلا، كما انتشرت في القرى والمناطق الجبلية والأطلس والجنوب الشرقي، وأصبح لكل قبيلة حرفيوها الذين يلبون حاجياتها اليومية.

على امتداد الجنوب الشرقي للمغرب، تبرز مناطق ودواوير عرفت تاريخيا بممارسة الحدادة التقليدية مثل أولنيف، أيت مرصيد، أيت توخسين، أيت مرغاد بأمسمرير، تيلوكيت، واويزغت، وتلمست، حيث ظلت الحرفة جزء أساسيا من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي المحلي.

تمثل أسرة أيت وسعدن امتدادا تاريخيا للكيسو، حيث مارست الحدادة وخدمت القبائل في السلم والشدة، وحافظت على مكانتها الرمزية بوصفها حاملة لمعرفة تقنية أساسية لحياة المجتمع.

في الأطلس الكبير المركزي تنتشر أسر حدادية مثل أيت بلخير، حافظت على استمرارية المهنة داخل البنية القبلية، وشكلت نموذجا للتكيف مع التحولات دون فقدان الجذور المهنية.

تلتئم الأسر الحدادية في مواسم ولقاءات دورية مثل موسم وايت وسعدن بدوار تيزيين بايت سدرات، وكذا بواويزغت، حيث تشكل هذه اللقاءات مناسبة لصلة الرحم وتجديد التواصل وتقوية العلاقات بين مختلف الأجيال ونقل المعرفة الحرفية.

ظلت القرى المغربية تشكل الحاضن الأساسي لمهنة الحدادة، حيث حافظ الوسط القروي على هذه الحرفة في ارتباطها المباشر بالحياة اليومية للسكان. ورغم التحولات والهجرة، ظل الحداد القروي حاملا لذاكرة تقنية واجتماعية عميقة.

مع الغزو الأجنبي خلال المرحلة الاستعمارية، تم تقييد صناعة الأسلحة التقليدية، مما أدى إلى تراجع الدور القيادي والرمزي للحداد داخل المجتمع. تحول الحداد تدريجيا إلى حرفي محدود الوظيفة، رغم احتفاظه بمعرفته التقنية، ونتج عن ذلك تهميش اجتماعي نسبي دون اندثار الحرفة.

تؤكد الأسر الحدادية أن مهنتها وراثية وخدمية، وأن ما لحق بها من تهميش هو نتيجة لتحولات تاريخية وسياسية، لا لتراجع قيمتها. وترى في المواسم واللقاءات ضمانا لاستمرارية الهوية المهنية.

يكشف هذا المسار التاريخي أن الحدادة لم تكن مجرد نشاط اقتصادي، بل نظام معرفة اجتماعية وثقافية أسهم في بناء المجتمع التقليدي وضمان توازنه. ولا تزال تشكل جزءا من الذاكرة التاريخية والهوية المهنية للمجتمع المغربي، رغم كل التحولات التقنية والاجتماعية المعاصرة، مع أفق التكيف المستمر مع التغيرات الحديثة في المجتمع والاقتصاد.

أستاذ باحث في التاريخ*




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...