عبد الهادي الحلحولي: اندثار الحرف التقليدية يعكس تحولات عميقة في القيم والمكانة الاجتماعية للعمل اليدوي وصعود المهن الرقمية
أجرى الحوار: عمر طويل
في هذا الحوار، يفتح عبد الهادي الحلحولي، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، نقاشا عميقا حول التحولات السوسيولوجية التي طالت منظومة المهن والحرف التقليدية بجهة بني ملال–خنيفرة، في سياق التحول البنيوي الذي يشهده المجتمع المغربي. ويسلط الحوار الضوء على أسباب تراجع واندثار عدد من المهن اليدوية، وعلاقتها بإعادة تشكل القيم الاجتماعية، وتغير أنماط العيش والاستهلاك، وصعود المهن الرقمية والاقتصاد السائل. كما يتناول الأبعاد الرمزية والثقافية والاجتماعية لمكانة الحرفي، وأثر اختفاء الحرف التقليدية على الهوية المحلية والروابط الاجتماعية، إضافة إلى أوضاع الحرفيين في ظل الهشاشة الاجتماعية والتحولات الاقتصادية. ولا يكتفي الحوار بالتشخيص، بل يطرح إشكالية إدماج الذاكرة الحرفية ضمن مسارات التنمية المحلية، داعيا إلى مقاربة قائمة على الاعتراف الاجتماعي والسياسي بالحرفي، وربط التراث بالحداثة بعيدا عن النزعة الفولكلورية أو الإحسانية.
س. في سياق التحولات البنيوية التي شهدها المجتمع المحلي المغربي، وما رافقها من تغير في أنماط العيش، وأشكال الإنتاج، وتمثلات العمل، شهدت جهة بني ملال–خنيفرة تراجعا ملحوظا لعدد من المهن التقليدية التي كانت تشكل جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة. في هذا الإطار، وإزاء إعادة تشكل منظومة القيم الاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بمكانة العمل اليدوي وصورة الحرفي وأنماط الاستهلاك والانتظارات المجتمعية، إلى أي حد يمكن اعتبار اندثار هذه المهن نتاجا لتحولات سوسيولوجية عميقة همت أنماط العيش وبنية العلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية، خاصة في ظل صعود قيم الحداثة وتراجع الاعتراف الاجتماعي بالعمل الحرفي؟
ج. في مستهل هذا الحوار، أود أن أعبر لكم أن اختيار هذا الموضوع هو غاية في الأهمية بالنظر لجملة من الاعتبارات ، لعل أهمها كون منظومة المهن والحرف تعرف تحولا جذريا بالمجتمع المغربي ككل، بحيث أصبحنا أمام ثنائية “حرف الأمس وحرف اليوم”، فهذه الأخيرة سائر في التشكل والإنتشار بعدما أمست تلبي حاجيات اجتماعية وتنفذ وظائف داخل النسيج الاجتماعي، كما أن هذه الأشغال الشغلية الجديدة باتت ليصقة بسيرورة التحول الاجتماعي والاقتصادي، الذي جعل الحرف اليدوية مثلا أمام رهان البقاء ومقاومة عنف الاندثار خاصة ببعض المجالات الاجتماعية حيث تنعدم الشروط البنيوية التي من شأنها أن تساعد هذه الحرف التقليدية على الإستمرار ؛ فأن تكون حرفي بمدينة مراكش حيث الطلب على المنتوجات الحرفية في تزايد عكس أن تكون حرفي بمدينة بني ملال مثلا على الأقل في الوقت الراهن. ما يمكن التعبير عنه في هذا الصدد، هو أن الحديث عن الحرف اليدوية يقتضي تجاوز المنظور العاطفي إلى المنظور الشمولي والبنيوي من ناحية آولى، والكشف عن الأنماط الجديدة من الحرف التي باتت تتكيف مع الصناعة الرقمية وتغير هويتها إلى هوية تدمج الرقمي والتقني في إنتاج الخدمات وتلبية الحاجات الاجتماعية. في ظل كل هذا، يمكننا القول من الناحية الانثروبولوجية، أن وراء الحرف التقليدية أو اليدوية، منظومة رمزية تنظمها وتجعل من الممارس الحرفي كالإسكافي او غير الاسكافي له مكانته الإجتماعية خارج البعد الاقتصادي خاصة بالتجمعات المهنية المحلية حيث للحرف تاريخ طويل من الممارسة والفعل والتفاعل مع المحيط الاجتماعي.
س. وفق النظرية السوسيولوجية التي تعتبر المهنة عنصرا محددا للمكانة الاجتماعية وتنظيم تقسيم العمل، شهدت جهة بني ملال–خنيفرة اختفاء عدد من المهن التقليدية، مثل الكتبي والإسكافي والطحان، والتي كانت تشكل جزء من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. في هذا السياق، وما يرافقه من تحولات في الاعتراف الاجتماعي بالعمل اليدوي ومكانة الحرفي، إلى أي حد يعكس اندثار هذه المهن تحولا في البنية الاجتماعية وإعادة ترتيب موقع الحرفي، وما الأبعاد الرمزية والثقافية والاقتصادية لهذا التحول؟
ج. بطبيعة الحال أن منظومة المهن والحرف تعكس نظام التراتب الاجتماعي للمكانات الاجتماعية بالمجال الواحد وبالمجتمع الواحد، وكل تغير في منظومة هذه الحرف والمهن يعكس نوع من الحركية الاجتماعية الكامنة بالمجتمع بالنظر لجملة من المبررات سالفة الذكر، فكل ما ظهرت لدينا منظومة حرف ومهن جديدة كلما اصبحنا أمام نظام اجتماعي للمكانات. غير أن ما يمكن أن نعبر عنه في هذا السياق هو أمام ظهور المهن الرقمية عبر توظيفها لكل ما هو رقمي وتكنولوجي في المجتمع المعاصر ، أضحى من الصعب جدا أن نفكر في منظمومة المهن وفي المكانات الاجتماعيه التي تترتب عليها بنفس المنظور، أي أن المهن الرقمية الان هي في هيكلة دائمة وصامة للمكانات الاجتماعية، بل غير واضحة بالمرة. فهذه الهيكلة الصامتة أو اللامرئية تستعصي على التصنيف العلمي؛ فمثلا اليوتوبر له مكانته الاقتصادية والمادية لكنه هل هو حرفة مثله استاذ، طبيب كيف؟ اذن أمام هذه الهيكلة الجديدة الصامتة التي أصبحت تساهم فيها المهن الرقمية اصبحنا أمام صعوبة التنصنيف الإجتماعي للمكانات بناء على الممارسات المهنية، غير أن النظام الرمزي داخل المجتمع الواحد في ارتباط مع السؤال الأول هو يقاوم هذه المهن الجديدة، المهن الصاعدة، او المهن الصامتة التي توظف الرقمي بارجاع الاعتبار الى المكانات التي كان يشغلها الممارس أو الحرفي اليدي. في هذا الصدد، يمكننا أن نميز بين شكلين أساسيين من الممارسات المهنية؛ ممارسات مهنية توظف الرقمي مقابل ممارسات يدوية ” تعمتد على مهارة اليد” أو الصنعة، وراءهما نوع من التجاذب الغير المعلن سواء من قبل الممارسين أو من قبل طالبي الخدمة، دون أن ننسى الأنشطة الشغلية التي باتت تعرف هجرة جماعية من ” الحرفيين اليدويين ” عبر توفير طلبات الزبائن ” عن بعد وتوظيف خدمات التوصيل عن بعد. مما قلل من فرصة التفاعل الاجتماعي المباشر بين الحرفي اليدوي والزبون بالحي أو الحومة مثلا . مما يوضح أننا أمام تحول في الأنماط الشغلية وفي كل ما يترتب عليها من نظام قيمي وعلائقي ورمزي: فأي مكانة يمكننا أن نرفقها لهذا العامل عن بعد في الوقت الذي يمنح المجتمع للعامل اليدوي الذي لديه دكان محدد ويمارس بشكل علني وفي تفاعل مستمر مع الجماعة الإجتماعية ومع أفراد الجماعة الواحدة مكانة ما؟
إجمالا، يمكن القول في هذا الصدد، أننا أمام تحول في الأنماط الحرفية غير واضح المعالم لحدود اللحظة خاصة بعد الهجرة الجماعية لمجموعة من الممارسين إلى خدمات التوصيل والإنتاج عن بعد تحت الطلب والتجارة الالكترونية والهوس الربح السريع أو السائل بلغة باومان.
س. مع تراجع الحرف التقليدية التي كانت تشكل فضاءات للتفاعل اليومي والتواصل بين أفراد المجتمع المحلي، اندثرت عدد من المهن التي كانت تؤمن روابط اقتصادية واجتماعية وثقافية مهمة داخل الأحياء والدواوير. في هذا السياق، ما الأثر الاجتماعي والثقافي لاندثار هذه المهن على الهوية المحلية ومتانة الروابط الاجتماعية، وكيف يمكن تفسير هذا التحول من منظور سوسيولوجي مرتبط بإعادة تشكيل الفضاءات الاجتماعية وأنماط التواصل اليومي؟
ج. عطفا على ما سبق ذكره، ظلت تشكل الحرف اليدوية مجالات للتلاقي والتفاعل الاجتماعي خاصة بالمجتمعات المحلية والمدن العتيقة. فتجد أن الإسكافي مثلا هو ذاكرة الجماعة الواحدة أو صناع الفخار …إلخ. لكن بالنظر للتحول الذي عرفته منظومة المهن والحرف، بالطبع سوف تتغير أشكال العلاقات والروابط التي عن تلك التي كانت تتأسس بالمجالات حيث الممارسات الحرفية اليدوية. فظهور الحرف التقنية مثلا بالمدن، أذكى ولادة أشكال جديدة من العلاقات الاجتماعية ذات خصوصية جيلية بالتحديد، فأجيال اليوم لهم أنشطتهم الحرفية وزبناؤهم بعيدا عن كل حنين أنطولوجي إلى تلك التي كانت سائدة مع أجيال الستينات أو الخمسينات أو السبعينيات.
س. مع خروج عدد من الحرفيين من دائرة الإنتاج نتيجة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها جهة بني ملال–خنيفرة، تتراجع الأدوار التقليدية لهذه الفئة داخل النسيج المجتمعي، مما يطرح إشكالية أوضاعهم الحالية. كيف يمكن، من منظور سوسيولوجي، قراءة هذه التحولات في وضع الحرفيين، وما الذي تكشفه عن أشكال جديدة للهشاشة الاجتماعية، وعن إعادة توزيع الموارد والاعتراف الاجتماعي داخل المجتمع المحلي؟
ج. أمام هذا التحول الجارف الذي يقوده المجتمع المعاصر تبعا لتغول الروح السائلة – الاقتصادية- ، سوف أن بعض الحرفيين وجدوا أنفسهم أمام خيارين: إما المقاومة عبر تبني استراتجيات بديلة لتطوير الإنتاج والحفاظ على شكل من أشكال الحضور داخل النسيج الاقتصادي والاجتماعي للزبناء كاستراتيجية الخدمة بن بعد والتواصل والتسويق.. إلخ. أو الاحتفاظ بالشكل القديم للفعل مع ما يترتب عن من صعوبات اجتماعية وصحية ورمزية خاصة وأن الطلب على خدمات بعض الحرف هو في تراجع مثلما تراجعت مهنة “مُوقظ الساعة” بالمملكة المتحدة أو بفرنسا بعدما انتشرت ساعات المنبه الميكانيكية نتيجة التي في الزوال بعدما عوضها الهاتف الذكي.
في حين، يقتضي الأمر التدخل السياساتي الاهتمام بأوضاع هؤلاء الحرفيين خاصة الذين يعيشون أوضاعا صعبة أو هشاشة ما، عبر تطوير سياسة اجتماعية تطور نظام الخدمات الاجتماعية المقدمة لهم، فيما يتعلق بالحماية من المخاطر الصحية، وتأمين المعاش ومخاطر الشيخوخة، التي تتعاظم عندما يرتفع منسوب الفقر المتعدد الأبعاد بالمنطقة كبني ملال خنيفرة.
س. في ظل البحث عن نماذج تنموية أكثر شمولا واستدامة، تبرز إشكالية إدماج الذاكرة الحرفية والمهن التقليدية ضمن مسارات التنمية المحلية بطريقة تحافظ على قيمتها الاجتماعية والثقافية. ما الشروط الاجتماعية والثقافية الضرورية، من منظور سوسيولوجي، لضمان دمج هذه المهن والذاكرة الحرفية في المشاريع التنموية المحلية دون الانزلاق إلى خطاب فولكلوري أو إحياء رمزي للحنين إلى الماضي، وكيف يمكن للمجتمع المحلي والفاعلين المؤسساتيين ضمان استدامة هذا الإدماج بطريقة تحقق التفاعل بين التراث والحداثة؟
ج. لعل أولى مداخل الجواب على سؤالك هو تطوير المعرفة بهذه الحرف والذاكرة التي تحملها أو الكامنة وراءها. علما أنها ذاكرة تعيش على محك التحول. في ذات الآن، سؤال الحرف هو التخطيط الحضري بحيث يقتضي أن تتوفر كل مدينة على متحف خاص بحرفها وممارسيها وتوصيف دقيق لها والتسويق لها باعتبارها من صميم النسيج الاجتماعي وليس كفئات موصومة تعيش على الرمزي أو على ما تجود به أيادي التضامن الاجتماعي. إن الإدماج الحقيقي لهذه الحرف في المشاريع التنمية يتم عبر مدخل الاعتراف الاجتماعي والسياسي بهم، والتعبير الحقيقي عن مساهمتهم في منظومة الإنتاج الرمزي والثقافي والمادي للمجتمع الواحد بعيدا عن التصنيف السائد اتجاههم الذي يغلب عليها الطابع الإحساني في مجمله.


