محمد بعدود: حين يستهدف الدفاع باسم الإصلاح

-ذ.محمد بعدود*

تشكل مهنة المحاماة إحدى الدعائم الجوهرية لمنظومة العدالة، فهي ليست مجرد نشاط مهني مؤطر بقواعد تنظيمية، بل رسالة قانونية تضطلع بدور أساسي في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي إصلاح تشريعي يهم المهنة يظل رهينًا بمدى احترامه لاستقلاليتها وصون كرامة ممارسيها، بعيدًا عن منطق الوصاية أو التضييق.

لقد أثارت مقتضيات مشروع القانون رقم 66.23، وما رافقها من تصريحات رسمية، نقاشًا مشروعًا داخل أسرة الدفاع، خاصة في صفوف المحامين الشباب، لما تحمله من مؤشرات تمس بتوازن العلاقة بين مكونات العدالة. فبدل تعزيز موقع المحامي كشريك أساسي في تحقيق العدالة، يَظهر توجه يعيد طرح المهنة من زاوية الضبط والمراقبة، وهو توجه يثير تساؤلات حقيقية حول انسجامه مع روح الدستور ومع المبادئ الكونية لحرية الدفاع.

إن حصانة المحامي ليست امتيازًا مهنيًا ولا استثناءً من المساءلة، بل ضمانة جوهرية لممارسة الدفاع في استقلال واطمئنان. فهي حماية لوظيفة الدفاع قبل أن تكون حماية لشخص المحامي، وأي مساس بها، بشكل مباشر أو غير مباشر، ينعكس حتمًا على حق المتقاضي في محاكمة عادلة وعلى توازن السلطة داخل قاعة المحكمة.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أثر الخطاب الرسمي المرافق للنقاش التشريعي، إذ إن بعض التصريحات، مهما كانت نواياها، ساهمت في تكريس صورة سلبية عن مهنة المحاماة، بدل ترسيخ الثقة المتبادلة بين مختلف الفاعلين القضائيين. إن العدالة لا تُبنى بمنطق الشك أو الاتهام، بل بالتكامل والاحترام المتبادل بين القضاء والدفاع وباقي المهن القانونية.

ويظل المحامي الشاب في صلب هذا الجدل، ليس باعتباره عنصرًا هامشيًا، بل كفاعل أساسي يواجه تحديات مركبة تتعلق ببداية المسار المهني، والاستقرار الاقتصادي، ومتطلبات التكوين المستمر. ومن غير المقبول أن تُضاف إلى هذه التحديات نصوص قانونية قد تزيد من الهشاشة، بدل أن تفتح آفاق التمكين والتأطير والدعم.

إن الإصلاح الذي تتطلع إليه أسرة الدفاع ليس رفضًا للتقنين أو للتحديث، بل مطالبة بإصلاح تشاركي متوازن، يحترم خصوصية المهنة ووظيفتها الدستورية، ويُشرك هيئات المحامين إشراكًا فعليًا في صياغة النصوص المنظمة لها. فالتشريع الذي يُفرض دون حوار حقيقي يفقد جزءًا كبيرًا من مشروعيته، مهما كانت أهدافه المعلنة.

ختامًا، فإن الدفاع عن استقلالية مهنة المحاماة وحصانتها وكرامتها هو دفاع عن العدالة ذاتها، وعن حق المواطن في دفاع حر ومسؤول. وأي إصلاح لا يجعل من هذا المبدأ منطلقًا له، يظل محل نقاش واعتراض مشروعين، في إطار الاحترام المؤسسي والسعي المشترك إلى عدالة قوية ومتوازنة.

* رئيس جمعية المحامين الشباب ببني ملال




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...