أجرى الحوار: عمر طويل
في هذا الحوار مع ملفات تادلة، يقدم الدكتور محسن إدالي، أستاذ التعليم العالي المتخصص في الجغرافيا السياسية والاجتماعية وقضايا الهجرة، قراءة تحليلية معمّقة في إشكالية العدالة المجالية بالمغرب، من زاوية حقوقية وتنموية مترابطة. ويناقش إدالي، انطلاقا من معطيات ميدانية ومؤشرات رسمية، مظاهر الهشاشة البنيوية التي تعانيها المناطق الجبلية، وانعكاساتها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وعلى منسوب الثقة في المؤسسات العمومية، وديناميات الهجرة، والاستقرار الاجتماعي. كما يتوقف عند رهانات إدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية والبرامج التنموية، مؤكدًا أن تحقيق تنمية منصفة ومستدامة يظل رهينًا بإرساء عدالة مجالية حقيقية تجعل من الجبل مكونا فاعلا في النموذج التنموي الجديد، لا مجالًا هامشيا خارج وتيرة التنمية الوطنية.
س. تنطلقون في تحليلاتكم من اعتبار حقوق الإنسان قاعدة أساسية لأي نموذج تنموي ناجح. انطلاقا من هذا التصور، كيف يمكن قراءة واقع التنمية بالمناطق الجبلية التي تعاني من هشاشة بنيوية واختلالات تاريخية، في ظل استمرار الفوارق المجالية وضعف الولوج إلى الحقوق الأساسية؟
جاء هذا التساؤل منطقيا يفرض نفسه بقوة، وتعبر عنه مختلف مكونات المجتمع المغربي، وإن بدرجات متفاوتة. فقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من خطاب، على ضرورة أن يشتغل المغاربة، من أحزاب سياسية ونقابات ومجتمع مدني، بالسرعة نفسها، حتى تتقدم بلادنا بوتيرة واحدة، لا بسرعات متباينة. وهي إشارة واضحة ترسم خارطة طريق لكل من يتحمل مسؤولية في مشروع التنمية ببلادنا.
الحقيقة أننا راكمنا تأخرا كبيرا في هذا المجال، وهو إرث تتحمل مسؤوليته الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام، كما تتحمل باقي مكونات المجتمع المغربي جزء من هذه المسؤولية، وإن بدرجات مختلفة. وعلينا أن نعترف بوجود اختلالات على مستوى التوازنات السوسيو-مجالية ببلادنا، وهو تحد حقيقي يتطلب اشتغالا جديا من أجل تقليص هذه الفوارق، في إطار يضمن تحقيق أهداف ومرامي النموذج التنموي الجديد. على سبيل المثال، تشير التقارير إلى أن نسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب في المناطق الجبلية تصل إلى 65 % فقط مقارنة بـ98 % في المدن الكبرى، كما تبلغ معدلات البطالة في الوسط القروي حوالي 16 % مقابل 9 % في المناطق الحضرية.
وانطلاقا من ذلك، فإن التنمية، بمفهومها الشمولي وأبعادها المتعددة، تبقى عملية متغيرة بتغير الزمان والمكان، لكنها تحافظ دائما على الأسس نفسها، والمتمثلة في التنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية الثقافية، والتنمية السياسية، ضمن مشهد سياسي متوازن. فجميع هذه المفاهيم، التي تشكل أضلاع أي نموذج تنموي جديد، لا يمكن الحديث عنها إلا في إطار يحترم حقوق الإنسان، ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، ويعامل جهات البلاد على أساس المساواة، مع محاربة الفوارق السوسيو-مجالية.
س. تعرف المناطق الجبلية خصاصا واضحا في البنيات التحتية والخدمات العمومية، من صحة وتعليم ونقل وماء صالح للشرب. إلى أي حد ترون أن هذه الاختلالات لا تعد فقط تأخرا تنمويا، بل تمس جوهر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها دستوريا؟
ج. بالنسبة لهذا السؤال، عندما نتحدث عن الجبال كمكوّن جغرافي في بلادنا، فإننا نتحدث عن مجال شاسع يناهز 25٪ من مساحة المغرب، أي ما يقارب 187 741.1 كلم²، ويضم أكثر من 7 ملايين نسمة (أزيد من 20٪ من مجموع السكان)، موزعين على وسط المغرب من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، ويشمل كلًّا من الريف، والأطلس المتوسط، والأطلس الكبير، والأطلس الصغير. كما يضم هذا المجال ما مجموعه 714 جماعة ذات صبغة جبلية، أي ما يعادل 46٪ من مجموع الجماعات، من بينها 63 جماعة حضرية.
وإلى جانب هذه المساحة المهمة، تشكل المناطق الجبلية مصدرا أساسيا للتنمية ببلادنا، باعتبارها فضاءات غابوية، وخزانًا مائيًا استراتيجيًا يحتضن حوالي 70٪ من الموارد المائية السطحية، فضلًا عن كونها إرثًا ثقافيًا متجذرًا في التاريخ، يضم تراثًا ماديًا ولا ماديًا غنيًا، إضافة إلى طاقات وكفاءات بشرية استوطنت هذه المناطق وساهمت في مختلف المراحل التي عرفها تاريخ المملكة المغربية. ورغم هذه المؤهلات، فإن مساهمة المناطق الجبلية في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز أقل من 5٪، على الرغم من مواردها الكبيرة من مياه وغابات وتنوع بيولوجي.
ومع ذلك، فإن قيمة الجبل، باعتباره مكوّنًا من مكونات الهوية المغربية، لم تحظَ، مع الأسف، بالأهمية والمكانة التي تستحقها على مستوى السياسات التنموية. وهو إرث تتحمل مسؤوليته الجهات التي تولت تدبير الشأن الترابي ببلادنا عبر الحكومات السابقة، كما يثير في الآن ذاته مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالنمو وبنموذج التنمية المعتمد.
والحالة هذه، فإن قيمة الجبل كمكوّن من مكونات الهوية المغربية لم تُمنح الأهمية والمكانة التي تليق بها على مستوى التنمية، وهو ما يشكل إرثًا تتحمل مسؤوليته الجهات التي دبرت زمام التدبير الترابي في بلادنا من خلال الحكومات السابقة، كما يثير في الوقت نفسه عديد التساؤلات المرتبطة بالنمو وبمسار التنمية في هذا البلد.
وقد عبّر صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، كما سبقت الإشارة، في أكثر من مناسبة، عن ضرورة العناية بالمناطق الجبلية والمناطق المهمشة، وضمان نموها بالوتيرة نفسها التي تنمو بها باقي مناطق المغرب، خاصة المناطق السهلية والساحلية. كما شدد جلالته على البعد الثقافي لهذه المناطق، باعتبار أن هوية المملكة المغربية هي، في جزء كبير منها، هوية بلد جبلي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن الجبال بمنطق التمايز الحاد بينها وبين باقي مناطق المغرب على مستوى التنمية في شموليتها، سواء تعلق الأمر بالتنمية الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو بالبنيات التحتية، أو بالتزود بالماء والكهرباء، أو بتمكين الساكنة من نفس الفرص والامتيازات المتاحة في مناطق أخرى. والدليل على ذلك أن المناطق الجبلية، وبعض أقاليمها مثل خنيفرة، وبولمان، وأزيلال، وميدلت، وتنغير، تسجل معدلات أمية تفوق 34٪، وهو ما يتجاوز المعدل الوطني.
وعليه، فإن استمرار هذا التفاوت السوسيو-مجالي يفرض، مع كامل الأسف، طرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كما ينص عليها الدستور المغربي. كما يعزز القناعة التي أصبحت راسخة لدى مختلف مكونات المجتمع المغربي، ومفادها أنه لا يمكن تحقيق أهداف النموذج التنموي الجديد دون أن ينمو المغرب في شموليته، بمدنه وقراه، بشماله وجنوبه، وبسهوله وجباله، بالوتيرة نفسها، وبالإمكانات ذاتها، وعلى أساس تكافؤ حقيقي للفرص.
فرغم انخفاض معدل الفقر على المستوى الوطني من 11.9٪ سنة 2014 إلى 6.8٪ سنة 2024، فإن الفقر ما يزال يتركز بشكل أكبر في المناطق القروية والجبلية، حيث تسجل جهة بني ملال–خنيفرة، على سبيل المثال، 9.8٪ من السكان في وضعية فقر متعدد الأبعاد، وهو معدل يفوق المتوسط الوطني.
س. شددتم في مداخلاتكم على ضرورة ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وتحويلها إلى ممارسة يومية داخل المجتمع. كيف يمكن تفعيل هذا الرهان في المجالات الجبلية، خاصة في ظل محدودية الولوج إلى التعليم، وضعف قنوات التوعية، وغياب آليات القرب المؤسساتي؟
ج. بالنسبة لهذا السؤال، عندما نتحدث عن حقوق الإنسان في ارتباطها بالتنمية، لا بد أن نستحضر مفهوم البنية الحقوقية، باعتبارها بنية مركبة تضم أربعة أطراف أساسية، هي: الفرد، والمجتمع، والدولة، والقانون. وهي ما يُعرف بعناصر حقوق الإنسان، التي تربط بينها علاقة جدلية قائمة على قدر كبير من التشبيك والتفاعل؛ ففي المغرب، صادقت المملكة على أكثر من 30 اتفاقية دولية أساسية في مجال حقوق الإنسان، وفق تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كما تضم هذه البنية توصيات وطنية تصل إلى 332 توصية موضوعاتية وعامة صدرت في تقارير سنة 2023 لتعزيز الممارسة الحقوقية.
ويحيلنا هذا التصور إلى الأسس المفاهيمية المرتبطة بحقوق الإنسان، ومن بينها اعتبارها علاقات كلية وشبكة متصلة لا تقبل التجزيء. فحين نتحدث عن حقوق الإنسان وحقوق المجال، لا يمكن فصل الجبل عن السهل، ولا الهضبة عن الشمال أو الجنوب، لأن هذه الحقوق تمتد لتشمل كل المجال وكل المجتمع، ضمن منظومة واحدة مترابطة؛ وهو ما يتماشى مع المقتضيات الدستورية المغربية التي تؤكد على الحق في التنمية وكرامة الإنسان كجزء أصيل من منظومة الحقوق.
وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته بـ اللاوعي البنيوي لحقوق الإنسان، المرتبط بالأعراف والتمثلات والقيم السائدة داخل المجتمع. وهي مؤشرات تحدد، إلى حد بعيد، مستوى احترام الحقوق، وقد تتجاوز في تأثيرها العمل السياسي أو شبه السياسي، لتلتصق بثقافة المجتمع وقيمه وتمثلاته، وهو ما يعكسه استمرار الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية؛ ففي 2024، كانت نسبة السكان في المغرب الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد 6.8 %، مع أن 72 % من هؤلاء الفقراء يقيمون في المناطق القروية أو الداخلية، مما يدل على ارتباط العوامل المجالية بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.
كما ينبغي التأكيد، ضمن هذه البنية، على أن حقوق الإنسان ليست مفاهيم جامدة، بل تعرف تغيرًا وتحولًا مستمرين، خاصة في ظل العولمة وبروز المجتمع الرقمي، الذي بات يعيد تشكيل العديد من المفاهيم التي كنا نعتقد سابقًا أنها ثابتة. وهو تحول ينبغي أخذه بعين الاعتبار نظريًا وعمليًا، نظراً لأهميته في النقاش المتعلق بعلاقة المجال بالتنمية وبالبعد الحقوقي، خصوصاً في سياق استمرار الاختلالات المجالية والاختلال في الولوج إلى الخدمات الأساسية بين الحضر والوسط القروي.
وفي إطار عناصر حقوق الإنسان أيضًا، تبرز ما يعرف بـ الثنائيات المتقابلة، التي تساعد على فهم الديناميات المؤثرة في الحقوق، مثل الصراعات والاصطفافات وعلاقة الفرد بالمجتمع. وهي ديناميات ترتبط بسياقات متعددة، محلية وجهوية ودولية، ذلك أن بلادنا ليست في معزل عما يجري في محيطها الإقليمي والدولي، لا سيما في ظل التحولات الحقوقية المشتركة والتزامات المغرب تجاه آليات الأمم المتحدة المختلفة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن النظر إلى المجالات الجبلية يجب أن يتم ضمن إطارها الكلي، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من المجال المغربي، سواء من حيث المكون الترابي أو الاجتماعي. فتنزيل حقوق الإنسان في هذه المجالات يظل مسألة حاسمة لضمان تنميتها، على اعتبار أن هذا التنزيل لا يرتبط فقط بالقوانين والمقتضيات الدستورية، وإنما كذلك بالبعد القيمي والثقافي، وبالقناعات الفردية والجماعية داخل المجتمع.
س. في سياق حديثكم عن العلاقة الجدلية بين احترام الحقوق وتحقيق التنمية، كيف يؤثر غياب العدالة المجالية بالمناطق الجبلية على ثقة الساكنة في المؤسسات العمومية، وعلى مناخ الاستقرار الضروري لجذب الاستثمار وتحقيق تنمية مستدامة؟
ج. طرحتم سؤالًا مهمًا جدًا يرتبط بمفهوم الثقة، وهي عنصر محوري تحكمه مجموعة من المحددات المتحولة والمتغيرة باختلاف الزمان والمكان. فالثقة تعد أساسًا للعمل التشاركي، وللممارسة السياسية السليمة، وللمساهمة الاقتصادية، كما تشكل شرطًا ضروريًا لجلب الاستثمارات وتعزيز انخراط مختلف مكونات المجتمع، من منتخبين وسلطات عمومية، ومجتمع مدني، وتلاميذ وطلبة، وإدارة ومؤسسات. وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن مؤشر الثقة في المؤسسات الأمنية ارتفع من 77 % في 2016 إلى حوالي 85 % في 2023، ما يعكس تفاوتًا في منسوب الثقة باختلاف نوع المؤسسة، في حين أن ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية (الحكومة والبرلمان) تبقى منخفضة بشكل ملحوظ بحسب استطلاعات متعددة.
ومن هذا المنطلق، فإن احترام الحقوق من أجل تحقيق التنمية يتأسس، في جوهره، على بناء الثقة والحفاظ عليها بشكل مستمر، والعمل على بلوغ الأهداف المسطرة لتحقيقها. غير أن هذا العنصر يظل، مع الأسف، عرضة للاهتزاز بفعل عدد من الاختلالات المرتبطة بالمشهد السياسي، وعدم احترام الالتزامات، وضعف تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وغيرها من الإكراهات التي تؤثر سلبًا على منسوب الثقة داخل المجتمع، خاصة لدى الفئات الشبابية، حيث أظهرت تقارير أن أقل من نصف الشباب بين 18 و35 سنة (49 %) يثقون في المؤسسات الحكومية مقارنة بالفئات الأكبر سنًا.
كما أن استمرار الاختلالات السوسيو‑مجالية، خاصة بين المناطق الجبلية وباقي المناطق، كما نبه إلى ذلك الملك محمد السادس، من شأنه أن يفاقم في كثير من الأحيان مظاهر انعدام الثقة لدى الساكنة، لاسيما في سياق الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية بين الوسط الحضري والوسط القروي والجبلي. وفي المقابل، فإن معالجة هذه الاختلالات تشكل مدخلًا أساسيًا لاستعادة الثقة، باعتبارها أولى الثمار التي يمكن جنيها من إرساء عدالة مجالية حقيقية. وتبقى الثقة، في هذا السياق، مكونًا ذهنياً ومجتمعيًا أساسياً، يحدد مستوى المشاركة والانخراط في مختلف البرامج والمشاريع التنموية، ويؤثر بشكل مباشر على مناخ الاستقرار الضروري لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة بالمناطق الجبلية وباقي ربوع الوطن.
س. تعد الهجرة، خاصة في صفوف الشباب والنساء، إحدى أبرز إفرازات الهشاشة بالمناطق الجبلية. من منظوركم كباحث في الجغرافيا السياسية والاجتماعية وقضايا الهجرة، كيف يمكن لاعتماد مقاربة حقوقية شاملة أن يحد من هذه الظاهرة ويسهم في خلق بدائل تنموية محلية؟
ج. الهجرة، في جوهرها، ظاهرة اجتماعية، شأنها شأن باقي الظواهر الاجتماعية الأخرى، ولا يمكن فصلها عن البعد الحقوقي واحترام حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأقليات وحقوق المجال، والسعي إلى تحقيق توازن سوسيو-مجالي. وحتى وإن لم يتحقق هذا التوازن بنسبة مائة في المائة، فإن بلوغه بنسب معقولة ومقبولة يظل ممكنًا، كما هو الشأن في عدد من الدول الرائدة في هذا المجال.
ووفقًا لنتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، فإن حوالي 14.7 مليون مغربي، أي ما يقارب 40٪ من مجموع السكان، قد تنقلوا داخل البلاد مرة واحدة على الأقل في حياتهم، وغالبيتهم انتقلوا من القرى نحو المدن. وبعبارة أخرى، فإن الهجرة من المناطق الريفية، التي تضم في معظمها المجالات الجبلية، نحو المدن تمثل حوالي 34.1٪ من مجموع حركات الهجرة الداخلية، أي ما يعادل نحو 5 ملايين نسمة.
وبالنسبة للمناطق الجبلية، كما هو الشأن في مناطق أخرى، فإن التنمية لم تصل بعد إلى مستوى يضمن خلق فرص شغل كافية للشباب، سواء الحاصلين على شهادات أو غير الحاصلين عليها، في ظل استمرار معدلات بطالة مرتفعة على المستوى الوطني وصلت إلى حوالي 13.3 % في 2024، مع ارتفاع بطالة الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا إلى نحو 36.7 %، وبلغت بطالة حاملي الشهادات حوالي 19.6 %، وهو ما يعكس محدودية فرص الشغل خصوصًا في الجهات الداخلية مقارنة بالمراكز الحضرية.
وهي أوضاع اقتصادية واجتماعية تدفع فئات واسعة من الشباب إلى التفكير في تحسين أوضاعهم المعيشية، ما يجعل قرار الهجرة، نحو مناطق أخرى داخل الوطن أو خارجه، خيارًا مطروحًا بقوة، إذ يعكس التحول الديموغرافي نحو الحضر وتراجع فرص التشغيل في المناطق الريفية والجبالية أن النموذج التنموي الحالي لا يزال يركز بشكل أكبر على المدن الكبرى، مما يؤثر في استمرار الضغط على المجتمعات ذات الإمكانيات الاقتصادية المحدودة.
وفي هذا السياق، تكتسي المقاربة الحقوقية أهمية بالغة، باعتبارها مقاربة ذات بعد كلي وشمولي، تقوم على علاقات مترابطة لا تقبل التجزيء. فعندما نتحدث عن حقوق الإنسان بالنسبة للمهاجر، فإننا نتحدث عنها أيضًا بالنسبة لغير المهاجر، وبالنسبة للطلبة، والعاطلين عن العمل، والنساء، وكبار السن، والأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة. وتظهر الفوارق المجالية في مؤشرات مثل الولوج إلى الخدمات الأساسية وخلق فرص الشغل كعوامل حاسمة تؤثر في قرارات الهجرة، وهو ما يبرز الحاجة إلى استراتيجيات تنموية متوازنة تستجيب للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة الفئات.
ومن هذا المنظور، أعتبر أن حقوق الإنسان هي منظومة كلية في علاقاتها، وشمولية في مراميها، تتحمل مسؤولية تنزيلها مختلف مكونات المجتمع، من دولة، وأحزاب سياسية، ونقابات، ومجتمع مدني، إلى جانب الأفراد أنفسهم. ومن شأن هذا الوعي الحقوقي الشامل أن يساهم في خلق بدائل تنموية محلية، تحد من دوافع الهجرة القسرية، وتفتح آفاق الاستقرار والتنمية داخل المناطق الجبلية.
س. في ضوء تجربتكم الأكاديمية والبحثية، ما الرسائل الأساسية التي توجهونها إلى صناع القرار بخصوص إدماج البعد الحقوقي في السياسات العمومية والبرامج التنموية الموجهة للمناطق الجبلية، حتى تتحول التنمية من شعارات وخطط إلى واقع ملموس يلمسه المواطن؟
ج. بالنسبة لهذا السؤال الأخير، أرى أن الحديث عن البعد الأكاديمي والبحث العلمي يظل أساسيا، بل وحاسما، في مسألة الرفع من منسوب احترام حقوق الإنسان وإدماجها في السياسات العمومية والبرامج التنموية. فقد تم بذل مجهود مهم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء على مستوى الهندسة البيداغوجية الجديدة، أو في إطار إصلاح التعليم العالي، خاصة مع الجيل الجديد من طلبة الدكتوراه، والوحدات الإلزامية التي يدرسونها إلى جانب إنجاز أطاريحهم، حيث يضم نظام التعليم العالي في الموسم الجامعي 2024‑2025 حوالي 1.3 مليون طالب وطالبة مسجلين في مؤسسات التعليم العالي المغربية، بزيادة تقارب 5.3 % مقارنة بالموسم السابق، منهم أكثر من 11,700 طالب دكتوراه منخرطين في 245 برنامجًا معتمدا للدكتوراه، وهو مؤشر على اتساع قاعدة البحث العلمي والتكوين المتقدم في المملكة.
ويهدف هذا التوجه والإصلاح إلى مقاربة البعد الحقوقي بشكل أكاديمي، مجرد ومحايد، بما يسمح أولًا بتشخيص الاختلالات القائمة، وتقديم توصيات عملية مبنية على البحث العلمي الرصين. كما يتيح هذا المسار للطلبة والباحثين صقل مهاراتهم وتنمية خبراتهم في مجال يعد من أكثر المجالات أهمية وحساسية في المرحلة الراهنة، لا سيما في ظل التحديات التي تواجه منظومة التعليم العالي التي تسعى إلى تحسين قابليتها لسوق الشغل وتقوية الإنتاج المعرفي.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن بلادنا، والحمد لله، تعرف قفزات مهمة على المستوى التنموي، بفضل مجهودات كبيرة تبذل على مستويات متعددة. غير أن استكمال هذا المسار يظل رهينا بتعزيز احترام حقوق الإنسان، ومعالجة الاختلالات والتفاوتات السوسيو‑مجالية، خاصة في المناطق الجبلية، حيث تظهر الفوارق في الولوج إلى التعليم العالي والخدمات الأساسية مقارنة بالمراكز الحضرية، وهو ما يستدعي عملا تشاركيا، ينخرط فيه الجميع، وفق فلسفة جديدة تواكب طموحات بلدنا كاقتصاد صاعد. فالمغرب، في هذا الإطار، في حاجة إلى الطلبة، وإلى الباحثين، وإلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وقيمها داخل المجتمع، حتى تتحول التنمية من مجرد شعارات وخطط إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية، في الحاضر والمستقبل القريب.


