الدكتور يحي الخالقي: المقاربة الفوقية في التعمير تجاهلت خصوصيات الجبل وعمقت الهشاشة المجالية (حوار)

أجرى الحوار: عمر طويل

في ظل تصاعد النقاش العمومي حول اختلالات التعمير بالمناطق الجبلية وتنامي الفوارق المجالية بين الحواضر والهوامش، يطرح سؤال العدالة المجالية نفسه بإلحاح، خاصة أمام تواتر المخاطر الطبيعية وتعثر السياسات التنموية في مجالات يفترض أنها خزانات للثروة المائية والطبيعية. ولمقاربة هذه الإشكالات من زاوية علمية وتحليلية، حاورت “ملفات تادلة” الدكتور الخالقي، الجغرافي والأستاذ الباحث بجامعة السلطان مولاي سليمان، والعميد السابق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، للوقوف عند حدود النماذج التنموية المعتمدة بالمجال الجبلي، ودور التخطيط المجالي، وعلاقة التعمير بالمخاطر الطبيعية، وكذا إسهام البحث الجغرافي في توجيه السياسات العمومية نحو تنمية مجالية عادلة ومستدامة، في سياق الجهوية المتقدمة.

س. من منظور جغرافي، كيف تؤثر الخصائص الطبيعية للمجال الجبلي (التضاريس، المناخ) في تعثر السياسات التنموية، وما حدود ملاءمة النماذج التنموية المطبقة حاليا لهذه الخصوصيات؟

ج. علم الجغرافيا، هو العلم الذي يدرس العلاقة التفاعلية بين الإنسان والمجال، أو بعبارة أخرى، التفاعلات بين الطبيعة والأنشطة البشرية. وتتكون المجالات الجبلية من وحدات تضاريسية متنوعة، تتكون أساسا من الجبال والهضاب والتلال، وهي مجالات تتميز بطبوغرافية متضرسة وبانحدارات قوية في غالب الأحيان. وحسب المجلس الاقتصادي والإجتماعي والبيئي (2017)، فإن المجال الجبلي هو الذي يوجد فوق ارتفاع يفوق 500 م عن سطح البحر، وهي مجالات تشكل ما بين 25 و30 بالمئة من مجموع التراب الوطني، وتضم أكثر من 24 بالمئة من ساكنة المغرب، وأغلبها ساكنة قروية، كما نجدها تلعب دورا أساسيا في تغذية أهم الأنهار المغربية، إذ تشكل خزان المغرب المائي بامتياز. إن هذه الخصوصيات التضاريسية التي سبقت الاشارة إليها، لا تؤثر على السياسات العمومية التنموية، فهي ترفع، شيئا ما، من الكلفة الاقتصادية للمشاريع، خاصة في شق وبناء الطرق بالسفوح الوعرة التي تتشكل من الصخور الصلبة، لكن وجود آليات وطرق عالية التقنية يمكن التغلب على هذه الاكراهات الجيوتقنية، فالحتمية الجغرافية أصبحت من الماضي.

لاشـك في أن السلطات العمومية قد قامت على تنزيل، مجموعة من البرامج والسياسات العمومية: البرنامج الوطني للطرق القروية 1995و2005، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية 2005، البرنامج الوطني لتزويد العالم القروي بالماء الشروب 1995، رؤيتا السياحة 2010 و 2020، خارطة الطريق الاستراتيجية لقطاع السياحة 2023-2026، الاستراتيجية الوطنية لتنمية العالم القروي والمناطق الجبلية، 2017، المغرب الأخضر 2008، خاصة الرافعة رقم II، الجيل الأخضر 2020-2030، الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة 2014، الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة 2017، البرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب والسقي 2020-2027.

وبذلـت الدولة مجهودات كبيرة لتنميـة المناطق الجبلية ، ومن المؤكد أنه تم تحقيق تقدم كبير في مجال توفير مياه الشرب والكهرباء وتأهيل البنيات التحتية لقطاع التعليم والصحة، وفتح المناطق الريفية على كامل التراب الوطني. ومع ذلك، وبناءً على المعطيات الاحصائية لسنة 2024، فعلى مستوى جهة بني ملال خنيفرة مثلا، فكل المؤشرات تدل على هشاشة وضعف التنمية البشرية والاقتصادية بالجماعات الترابية الجبلية والقروية بحيث أن معدل الأمية وصل إلى 40,9 %، ومعدل البطالة بدوره سجل 25,40 %، وتجاوز عند الإناث 28,5 %، ومعدل الهشاشة 9%، ومعدا الفقر بلغ 9,8 %. وفي نظري أن  المجالات الجبلية تتطلب مقاربة خاصة لتنميتها، مقاربة تنبني أولا، على تشخيص دقيق للمؤهلات الطبيعية والبشرية، وثانيا، على إشراك الجميع في اختيار النموذج التنموي الذي يمكن من خلاله تجاوز الاختلالات المجالية والبشرية التي تعرفها هذه المجالات. وهذا يعني أن المشـاريع والبرامـج التنمويـة، اعتمدت على مقاربة بنيت بشكل عمودي، أي مقاربة “فوقية Top-down”، ولم يتم اعتماد مقاربة أفقية، وهي رؤية مندمجة ومقاربة شمولية، تضمن الالتقائية، وتبنى بشكل جماعي وتشاركي مع مختلف الفاعلين الترابيين (مقاربة “تحت-فوق” (Bottom-up ، في إطار مقياس مجالي (حيز ترابي) يضمن تشبيك الموارد ومختلف المتدخلين من المؤسسات القطاعية للدولة، ومجتمع مدني، ومؤسسات البحث العلمي، والقطاع الخاص، والجمعيات المهنية…إلخ.

س. إلى أي حد يساهم غياب التخطيط المجالي المندمج في تعميق الفوارق المجالية بين المناطق الجبلية والحواضر، وكيف يمكن للجغرافيا التطبيقية أن تقدم بدائل عملية لتقليص هذه الاختلالات؟

ج. يرتبط هذا السؤال ارتباطا وثيقا بعلاقة المجالات الريفية والجبلية عامة والمدينة بوجه خاص، أي بين المدينة وضواحيها. في الواقع لا يمكن أن نقول أن هناك غيابا للتخطيط المجالي على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي، فهناك مجموعة من وثائق التعمير التي تحاول تنظيم المجال سواء على مستوى المجال الحضري أو المجال القروي والجبلي، وذلك على مختلف المستويات: وطنيا (التصميم الوطني لإعداد التراب، التوجهات العامة للسياسات العمومية لإعداد التراب)، وجهويا ومحليا (التصميم المديري للتهيئة العمرانية، وتصاميم التهيئة، وتصاميم التنطيق…إلخ)، إلا أن هذه التصاميم والمخططات لا يتم إنجازها في الفترة المحددة لها، بل في بعض الأحيان تنتهي فترة صلاحيتها، وهي لم يتم المصادقة عليها بشكل نهائي، وهذا الأمر يعيق تنفيذ البرامج في زمنها المحدد، بالإضافة إلى ضعف التتبع والتقييم وإعادة التقويم. أضف إلى ذلك أنها، خاصة التصميم المديري للتهيئة العمرانية، لا يأخذ بعين الاعتبار علاقة المدينة بالريف والمجالات الفلاحية عامة، بحيث تتركز التجهيزات الأساسية من حيث الطرق والإنارة والصحة والتعليم على مستوى المدينة، دون المجالات الريفية، وإن وجدت في الريف، فإنها تفتقر للتجهيزات الأساسية، الشيء الذي يضغط على مختلف وظائف المدينة.  وفي هذا الباب يمكن للجغرافيا التطبيقية أن تسهم بشكل فعال في تحديد هالات إشعاع المدينة على ضاحيتها، وبالتالي معرفة مدى تأثيرها والعناصر التي يمكن تنميتها بالمجالات الريفية من أجل تطويرها وتثبيت الساكنة في مجالها. وفي هذا الباب فالجغرافيا التطبيقية يمكن أن تجد حلولا مناسبة للاختلالات المجالية، وذلك باستعمال نظم المعلومات الجغرافية و والاستشعار عن بعد والتحليل المكاني، وذلك بهدف معرفة التفاوتات المجالية بين المدينة والريف، فهذه التقنيات المكانية الحديثة تساعد على حل الإشكالات المرتبطة بالتدبير الترابي وإعداد التراب. كما أن توظيف المقاربة الترابية والبيئية والمشهدية مع مختلف الفاعلين الترابيين على المستويين الجهوي والمحلي، يمكن أن يساعد على وضع برنامج تنموي يستحضر خصوصيات كل مجال، وبالتالي وضع خطة عمل على شكل خريطة طريق تساعد على تحسين صورة المنطقة والرفع من جاذبية المجالات الحضرية والقروية معا، وتقوية الاحساس بالارتباط بالأرض وعلى التربية البيئية، وتحسين ظروف عيش ساكنة المجالات الحضرية والقروية.

س. كيف تقيمون علاقة التعمير بالمخاطر الطبيعية في المناطق الجبلية، مثل الانهيارات، والفيضانات، وهل يتم استحضار المعطى الجغرافي بشكل كاف في قرار السكن والبناء؟

ج. كما قلنا سالفا عند السؤال الأول، فالمجالات الجبلية تتميز بتضاريس وسفوح وعرة وشديدة الانحدار، وبتساقطات تكون في معظم الحالات عبارة عن زخات مطرية قوية ومركزة في الزمن والمكان، أضف إلى ذلك موجات البرد والصقيع والثلوج، مما يؤدي إلى خلق ظروف مناسبة للمخاطر الطبيعية من انهيارات وانزلاقات السفوح وفيضانات، وبالتالي لابد من أي تخطيط عمراني بالمناطق الجبلية، خاصة تصاميم التهيئة، وتصاميم التنطيق، أن تأخذ هذه العناصر بعين الاعتبار في كل تهيئة عمرانية، وأن تتجنب عمليات البناء في مناطق الخطر، وهي المناطق التي تعود إليها المياه كل ما كانت التساقطات مهمة ومركزة، وما وقع بمدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025، وتعض المناطق المغربية الأخرى، خير دليل على ذلك.

والملاحظ في هذا الباب أن أغلب تصاميم التهيئة تحدد فقط المناطق التي يحرم فيها البناء، وتكون عادة على شكل شريط يوافق بطون الأودية، دون تحديد شامل وحقيقي لمناطق الخطر التي يمكن للمياه أن تغمرها في حالة الفيضانات، بعبارة أخرى يجب تحديد مناطق خطر  الفيضانات، ومستوى خطورتها، هل هو خطر ضعيف، أم متوسط، أم مرتفع. كما نلاحظ أن وثائق التعمير لا تكون مصاحبة بتصاميم تنبؤ مخاطر الفيضانات أو المخاطر الطبيعية عامة، والتي تختلف باختلاف الخصوصيات الطبيعية للمنطقة. ولهذا، لابد من إنجاز تصاميم أو خرائط تحدد مناطق المخاطر الطبيعية من فيض وانهيارات وانزلاقات بالمناطق الجبلية والريفية عامة، وهذه الخرائط تكون على شكل أطالس مناطق الفيضانات، كما هو معروف في الدول المتقدمة التي تتوفر على هذا النوع من الأطالس، بالإضافة إلى الإنذار المبكر والتواصل والتحسيس، وكلها أدوات تدخل ضمن السياسة الاستشرافية والاستباقية للحد أو التخفيف من الخسائر المادية والبشرية التي يمكن أن تترتب عن الكوارث الطبيعية. وعلم الجغرافيا، خاصة الجغرافية التطبيقية، يمكن أن تلعب دورا أساسيا في هذا الباب، وذلك بالاعتماد على النمذجة الهيدرولوجية والمقاربة الهيدروجيومرفلوجية، وهي مقاربة طبيعية، غير مكلفة اقتصاديا، تعمل على تحديد مناطق الفيضانات اعتمادا على شكل ومورفلوجية الوادي، وخصوصية المجرى، وكذا تأثير الأنشطة والمنشآت البشرية على الجريان الطبيعي للمياه. ويمكن لشعب الجغرافيا وبتعاون مع الجماعات الترابية ووكالات الأحواض المائية والوكالات الحضرية، إنجاز أطالس مناطق الفيضانات.

س. في إطار الجهوية المتقدمة، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه البحث الجغرافي في توجيه السياسات العمومية نحو تنمية مجالية عادلة ومستدامة، تراعي التوازن بين استغلال الموارد الطبيعية وحماية المجال الجبلي؟

ج. منذ حصول المغرب على الاستقلال، وبعد عشر سنوات من تنزيل الجهوية المتقدمة، عملت الدولة على تنزيل مجموعة من المشاريع التنموية، وهي البرامج التي سقناها في الجواب عن السؤال الأول، وقد أدت هذه السياسات التنموية القطاعية، على مختلف المستويات الوطنية، والجهوية، والمحلية، إلـى وجود مناطق تعرف تقدما إيجابيا في كل مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية، ومناطق لا زالت تعرف الهشاشة والفقر المتعدد الأبعاد ومؤشرات تنموية ضعيفة علـى مختلف المسـتويات، الاجتماعيـة والاقتصاديـة والبيئيـة، وتفاوتـات مجالية واقتصادية واجتماعية في المجـال الترابـي الواحـد، وفـي مـا بيـن المجـالات الترابيـة الأخرى، الشيء الذي يجعل هذه المناطق تعيش في نوع من العزلـة والنقـص فـي التجهيزات الأساسية والبنيات التحتية، وبالتالي لا تتوفر على مقومات اقتصادية تسمح لها بإقلاع اقتصادي واجتماعي يناسب ويعكس مؤهلاتها الطبيعية والبشرية الغنية. ولتجاوز هذه الاختلالات، يمكن للبحث الجغرافي أن يلعب دورا أساسيا في توجيه السياسات العمومية نحو تنمية مجالية عادلة ومستدامة، وذلك من خلال المقاربة الترابية، وهي مقاربة شمولية ونسقية تأخذ بعين الاعتبار تفاعل الآليات الطبيعية والبشرية، وتعتمد على التشخيص الترابي الدقيق من خلال جرد كل مؤهلات التراب، وتصنيفها، وحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن التنمية الترابية تنبني على مفهوم المصلحة المشتركة ومشاركة المجتمع المدني، وتهدف إلى تسهيل تنفيذ المشاريع بهدف تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز قيم التضامن والديمقراطية واحترام الآخر. وهي مقاربة قادرة على تعزيز وتوسيع نطاق التنمية المحلية من خلال تنسيق أعمال التعاون بين الفاعلين الترابين على مختلف المستويات الوطنية، والجهوية، والمحلية. فهي تصور ومسعى يهدفان – في عملية بناء من طرف الفاعلين- إلى تحقيق التنمية في أبعادها الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والبيئية فوق حيز ترابي، عن طريق مقاربة أفقية، تقوم على تنسيق أهداف وتدخلات الفاعلين، وعلى التعبئة المتكاملة والشمولية لموارد هذا الحيز الترابي، في إطار يسمح بتنمية مستدامة ومندمجة ترعى التوازن بين الموارد الطبيعية و المحافظة على خصوصيات المجالات الجبلية. و مع الجهوية المتقدمة، أصبحت الجهة ملزمة بوضع استراتيجية واضحة لتنمية ترابها الجهوي، بشكل تشاركي فعلي مع مختلف الفاعلين الترابيين ، وذلك حول مشروع ترابي عبارة عن مخطط عمل جهوي يراعي التوازن والتكامل بين مختلف جماعاتها الترابية.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...