-ملفات تادلة 24-
قالت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان إن “فاجعة آسفي لم تكن حدثا طبيعيا صرفا، بل نتيجة مباشرة لاختلال تدبيري بنيوي سبق التحذير منه في تقارير رسمية، من بينها تقرير تقني مؤرّخ في 5 يناير 2022 أنجزته الجماعة الحضرية لآسفي بشراكة مع وزارة إعداد التراب الوطني”.
وأضافت الجمعية في بيان لها أن التقرير المذكور حدد بدقة المناطق المهددة بالخطر، واقترح حلولا تقنية لم ينفذ منها شيء.
وأشارت إلى أن المسؤولية فيما وقع تتقاطع مع التغييرات التي أحدثتها وزارة التجهيز والماء في البنيات المائية ومسارات الجريان السطحي من دون تقييم شامل لآثارها، وهو ما ساهم في تحويل السيول نحو مناطق آهلة بالسكان.
وأكدت الجمعية الحقوقية أن المعطيات المحلية تشير إلى أن مخلفات المكتب الشريف للفوسفاط، خاصة المرتبطة بوحدات الغبار الأسود والغسيل والتجفيف، ساهمت في خنق المصارف الطبيعية والاصطناعية، مما أدى إلى انسدادها وعجزها عن استيعاب كميات الأمطار.
وأضافت أن مخطط التهيئة الحضرية لمدينة آسفي لم يُحَيَّن منذ الحقبة الاستعمارية، رغم التحولات العمرانية والبيئية الكبرى، ما جعل البنية الترابية عاجزة عن مواجهة أي ضغط طبيعي استثنائي.
وسجلت ما وصفته بـتهالك وتقادم قنوات صرف المياه وغمرها بالنفايات والأتربة، مما يجعل مسؤولية الشركة المفوَّض لها تدبير قطاع النظافة، وكذلك الشركة المفوَّض لها تدبير الماء والصرف الصحي، مسؤولية قائمة.
واعتبرت أن ما وقع في آسفي يكشف عن فشل بنيوي عميق تتداخل فيه المسؤوليات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية، ويفضح ما وصفته بـ”زيف الخطاب الرسمي حول التنمية والعدالة المجالية”.
وأدانت ما تعرض له العديد من المواطنين من تضييق، تمثّل في سحب هواتفهم لمنعهم من توثيق الخسائر، في محاولة لحجب الحقيقة وسط تعتيم إعلامي ممنهج.
وحملت الجمعية الدولة، بمؤسساتها المركزية والترابية، المسؤولية الكاملة عن هذه الفاجعة، باعتبارها نتيجة مباشرة لسياسات الإهمال والتهميش والإقصاء والفساد البنيوي.
وطالبت بفتح تحقيق قضائي نزيه وشفاف، ومحاسبة المسؤولين عن الفساد المالي والغش والمضاربات، واسترجاع الأموال المنهوبة، ومحاسبة كل المتورطين في هذه “الجريمة الاجتماعية والسياسية”، وعدم الاكتفاء ببلاغات التهوين أو تبريرات “القوة القاهرة”.
وشددت على ضرورة الكشف عن مآل المشاريع المبرمجة لحماية المدينة من الفيضانات، وفي مقدمتها مشروع تهيئة واد الشعبة، مع إعلان تفاصيل التنفيذ والتكلفة والتمويل للرأي العام، وتدقيق الحسابات المالية، وافتحاص برامج التنمية، ومحاسبة كل طرف أخلّ بالتزاماته.
كما دعت إلى مساءلة وزارة التجهيز والماء عن التغييرات التي أحدثتها في البنيات المائية، والكشف عن الدراسات التقنية المعتمدة.
وطالبت بفتح تحقيق تقني مستقل لتحديد مدى تأثير مخلفات المكتب الشريف للفوسفاط في انسداد المصارف، وتحديد مدى احترامه للمعايير البيئية.
ونددت بما وصفته بـالغياب الفاضح للجنة اليقظة الإقليمية التي لم تُفعَّل رغم النشرات الإنذارية، معتبرة ذلك تقصيرًا جسيمًا يستوجب المساءلة، إضافة إلى التعتيم الإعلامي الممنهج، وتواطؤ بعض المنابر في تبييض الفشل المؤسساتي، والتنبيه إلى أن الحصيلة الحقيقية للخسائر البشرية والمادية ما تزال غامضة.
ودعت الجمعية إلى توفير الدعم النفسي والمادي العاجل لأسر الضحايا وتعويض المتضررين، وإعادة إيواء من فقدوا مساكنهم وفق مقاربة تحفظ الكرامة الإنسانية.
وطالبت بـمراجعة شاملة للسياسات الحضرية، وإعادة الاعتبار للوظائف البيئية، وربط أي تدخل عمراني بإلزامية دراسات المخاطر والتكيف المناخي، مع تحيين مخطط التهيئة الحضرية الذي ما يزال يستند إلى تصور يعود إلى فترة الاستعمار.
كما دعت إلى إعلان المناطق المتضررة مناطقَ منكوبة، وتعبئة وسائل الإنقاذ والإسعاف بأولوية حماية الأرواح، ووضع برنامج استعجالي لإعادة تأهيل المنطقة عمرانيا وبنيويا، بعيدًا عن منطق المقاولات الريعية والصفقات المغلقة.
وختمت الجمعية بالتأكيد على ضرورة إعادة النظر جذريًا في برامج التنمية الفاشلة، واعتماد مخطط تنموي يخدم البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، ويقطع مع منطق الربح العقاري الذي يقوض حق المدينة في الأمان، مع الإسراع في توفير الإمكانيات المالية واللوجستيكية لإيواء المنكوبين وتعويضهم عن جميع الخسائر، وضمان الشفافية في التوزيع.


