-ملفات تادلة 24-
مع كل موجة تساقطات ثلجية جديدة، يعود شبح العزلة ليخنق الحياة اليومية لساكنة الدواوير الجبلية بإقليم أزيلال، في مشهد يتكرر كل شتاء دون أن تفقد تفاصيله حدة الألم. فما أن تتراكم الثلوج على علو يفوق أحيانا 70 إلى 120 سنتيمترا في بعض المرتفعات، تصبح الطرق الثانوية والمسالك غير المعبدة خارج الخدمة لساعات، وأحيانا لأيام، لتعزل تجمعات سكانية كاملة عن العالم.
وتبدأ معاناة السكان منذ اللحظة الأولى لانقطاع الطريق، إذ تجد الأسر نفسها أمام صعوبة في الوصول إلى المراكز الصحية أو اقتناء الحاجيات الأساسية، فيما يتحول التنقل لأبسط الأسباب، كالذهاب إلى المدرسة أو العمل، إلى مخاطرة يومية بسبب البرودة القاسية التي قد تصل إلى 5 درجات تحت الصفر خلال فترات الذروة. وفي ظل غياب وسائل نقل عمومية منتظمة، يضطر كثيرون إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام وسط الثلوج، في رحلة تجمع بين مشقة الجغرافيا وقسوة المناخ.
هذه الظروف تجعل الحياة اليومية متوقفة عند حدها الأدنى، حيث تنتظر الساكنة التدخلات لفك العزلة من الجهات المسؤولة، وتبحث عن بدائل محلية لضمان الدفء والغذاء والأمان وتوفير الأعلاف إلى أن تنقشع الثلوج ويعود الإقليم إلى نسقه الطبيعي.
في دواوير مثل أنركي، زاوية أحنصال، آيت عبدي، وتاغية، ايت بوكماز، أيت بواولي، أيت تامليل، تبلغ العزلة مستويات خانقة مع كل موجة برد، إذ تتحول المسالك الجبلية الوعرة أصلا إلى ممرات بيضاء مغلقة بفعل تراكم الثلوج. وفي ظل انعدام وسائل النقل وغياب الربط الطرقي المعبد في العديد من النقاط، وتصبح الحركة شبه مستحيلة، ما يدفع ذلك السكان نساء ورجالا وأطفالا إلى قطع ما بين 5 و12 كيلومترا سيرا على الأقدام للوصول إلى أقرب مركز صحي أو مؤسسة تعليمية.
وغالبا ما تبدأ هذه الرحلات فجرا، في درجات حرارة قد تنزل إلى ما دون 6 درجات تحت الصفر، حيث يواجه السكان انزلاقات خطيرة في المنحدرات الجليدية، ويحمل الآباء أبناءهم الصغار على ظهورهم لتجنب الإرهاق أو التعرض للبرد القارس. أما المرضى، خصوصا الحوامل وكبار السن، فيعانون أكثر، إذ قد يستغرق الوصول إلى نقطة إسعاف واحدة أزيد من ساعتين من المشي المتواصل، ما يجعل أي وعكة صحية بسيطة تهديدا حقيقيا للحياة.
في هذه المناطق، تتحول تفاصيل بسيطة كالذهاب إلى المدرسة أو اقتناء الدواء إلى اختبار يومي للصمود، وسط تضاريس قاسية لا ترحم، وشتاء طويل يفرض إيقاعه على كل حركة.
وتتأثر القطاعات الحيوية في هذه المناطق بشكل مباشر بوطأة المناخ القاسي، وعلى رأسها قطاع الصحة الذي يعد الأكثر هشاشة أمام العزلة. فبمجرد إغلاق المسالك الجبلية، تتراجع وتيرة الخدمات الطبية بشكل واضح، إذ تجد الأطر الصحية صعوبة في الوصول إلى المراكز القروية المنتشرة بالمرتفعات، بينما تتحول زيارات التتبع والاستشارات الدورية إلى مهام شبه مستحيلة. كما أن جزء مهما من سيارات الإسعاف المتوفرة غير مهيأ للتعامل مع المسالك المغلقة بالثلوج، ما يجعل التدخلات الاستعجالية بطيئة، ومحدودة في أفضل الأحوال.
ويكشف سكان هذه المناطق، في شهادات متكررة، أن حالات مرضية بسيطة مثل الحمى، التهابات الجهاز التنفسي، أو مضاعفات الحمل قد تتحول في ساعات قليلة إلى وضعيات حرجة بسبب التأخر في التنقل، أو انتظار حلول بديلة كاستعارة سيارات من الخواص أو حمل المرضى على نقالات بدائية لمسافات طويلة.
أما في قطاع التعليم، فتتسع دائرة التأثير لتشمل مئات التلاميذ الذين يجدون أنفسهم خارج حجرات الدراسة لأيام، وأحيانا لأسابيع، مع كل موجة برد أو تساقطات ثلجية كثيفة. ويظل السلك الابتدائي هو الأكثر تضررا، لكون المدارس غالبا ما تكون قريبة من الدواوير لكنها معزولة عن الوصول بسبب الطقس، بينما يعجز العديد من الأطفال الصغار عن مجابهة المسالك الوعرة أو البرد القارس الذي يصل درجات متدنية في ساعات الصباح.
وتضطر الأسر إلى بذل مجهود إضافي لتأمين الدفء لأبنائها قبل خروجهم، سواء عبر توفير الحطب الذي ترتفع أسعاره شتاء أو تجهيز ملابس ثقيلة قد لا تتناسب دائما مع طول الرحلة. كما يضطر بعض الآباء إلى مرافقة أبنائهم مسافات طويلة لضمان سلامتهم، في وقت يصبح فيه التنقل إلى المدرسة مغامرة حقيقية بين المسالك الموحلة والمنحدرات الزلقة التي تتشكل بفعل الثلوج المذابة والجليد الصباحي.
ومع غياب نقل مدرسي ملائم للمناطق الجبلية، تتحول كل يوم دراسي إلى معركة من أجل الوصول، فيما تتراجع نسب الحضور والمواظبة، ما يهدد بتعميق الهدر المدرسي ويضيف عبئا جديدا على الأسر التي تكابد أصلا لتأمين أبسط ضروريات الحياة خلال فصل الشتاء.
في قطاع النقل، تترسخ العزلة كأقسى واقع يواجه ساكنة المرتفعات، إذ تشل الحركة بشكل شبه كلي بمجرد تراكم الثلوج أو تحول المسالك إلى ممرات موحلة وخطيرة. وتتوقف عربات النقل القروي التي تعد الوسيلة الأساسية للتنقل بين الدواوير والمراكز القريبة، بسبب عدم قدرتها على تجاوز الانحدارات الجليدية أو الطرق غير المعبدة، ما يجعل العشرات من الرحلات اليومية تلغى بالكامل.
هذا الانقطاع لا ينعكس فقط على حركة الأشخاص، بل يضرب في العمق الدورة الاقتصادية المحلية. فالعمال الموسميون الذين يعتمدون على تنقلهم اليومي نحو الضيعات أو أوراش البناء يجدون أنفسهم بلا عمل، بينما يعجز الفلاحون الصغار عن الوصول إلى الأسواق الأسبوعية لتصريف منتجاتهم، سواء تعلق الأمر بالخضر، المواشي أو المواد المحلية. كما تحرم الأسر من شراء حاجياتها الأساسية، في وقت ترتفع فيه أسعار بعض المواد بسبب ندرة وسائل النقل.
ومع توقف الحركة، تتجمد أنشطة كاملة داخل هذه القرى، ليتحول الاقتصاد المحلي إلى وضع الانتظار، ريثما تنجح آليات فك العزلة في فتح الطرق، أو تتحسن الظروف الجوية، وهو انتظار قد يمتد لساعات أو أيام، لكنه يترك أثره الاقتصادي والاجتماعي واضحا على السكان.
وعلى الرغم من تدخلات فرق كسح الثلوج وتكثيف عمليات “رعاية” الصحية الموسمية، فإن الساكنة تؤكد أن هذه الجهود، على أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الإكراهات التي تعيشها الدواوير مع كل شتاء. فالتدخلات الحالية، في نظر السكان، لا تتجاوز التعامل مع الحالات الطارئة والظرفية، بينما يظل غياب الحلول البنيوية هو ما يبقي وضعية العزلة قائمة عاما بعد عام.
ويجمع سكان هذه المناطق على ضرورة إعطاء الأولوية لتوسيع وتعبيد الطرق الجبلية، بما يسمح بمرور آمن لوسائل النقل خلال التساقطات، إلى جانب تجهيز المراكز الصحية بالمعدات والموارد البشرية الكافية، واعتماد سيارات إسعاف مهيأة للثلوج. كما يشددون على أهمية توفير نقل مدرسي ملائم للمرتفعات، قادر على ضمان استمرار التمدرس في فترات البرد، إضافة إلى إطلاق برامج دعم موجهة للأسر الهشة لتأمين التدفئة والمؤونة خلال موجات الصقيع التي قد تمتد لأسابيع.
عمر طويل

