10 دجنبر… بأيّ حالٍ عُـدتِ يا حُقوق الإنسان؟

-ملفات تادلة 24-

في كل عام، يعود اليوم العالمي لحقوق الإنسان مُحمّلاً بالوعود والبيانات والندوات، لكنّه يعود كذلك مثقلاً بأسئلةٍ لا تجد طريقها إلى الجواب. يعود كضيف شرفٍ مُرحّب به في المنابر الرسمية، لكنه قلّما يجد مكاناً لائقاً في واقع الناس… واقعٍ يتأرجح بين النصوص الجميلة والممارسات التي لا تزال، للأسف، دون سقف التطلّعات.

حقوق على الورق… وامتحانات على الأرض:

تتصدّر المواثيق الدولية ديباجات الدساتير والقوانين، لكن المواطن البسيط – ذلك الذي يقف في طوابير الإدارات، أو ينتظر أسِرّة في مستشفى، أو يبحث عن مدرسة تحفظ كرامة أطفاله-يدرك أن الحقوق ليست شعارات؛ الحقوق تُقاس في تفاصيل العيش اليومي. والسؤال الذي يَعودُ كل 10 دجنبر: كم تقدّمنا فعلاً في تحويل النصوص إلى مُمارَسَة؟

الهوّة ما تزال واسعة، ليس لأن الحقوق مجهولة، ولكن لأن الإرادة في كثير من الأحيان تُحاصرها الحسابات الضيقة، ويبتلعها منطق التدبير العابر بدل الإصلاح العميق.

حين يتراجع صوت المُواطن لصالح صَخَب المؤسسات:

يقولون إن المؤسسات وُجدت لخدمة الناس… لكن الواقع كثيراً ما يعكس العكس. فبدل أن تكون حقوق الإنسان معياراً لتقييم السياسات، تتحوّل أحياناً إلى ترفٍ خطابي لا يستقر إلا في التقارير. إن حق المواطن في المعلومة، في العدالة، في الصحة، في الحرية، في الكرامة… ما يزال يواجه اختبارات صعبة. والامتحان الأهم: هل يشعر المواطن أن صوته مسموع، أم أنه مجرد رقم في محاضر رسمية؟

الفضاء الرقمي… بين الحماية والتقييد:

وفي زمن التكنولوجيا، لم تعد الحقوق محصورة في الفضاء المادي. فاليوم يتسع النقاش ليشمل حرية التعبير على المنصات، واستعمال المعطيات الشخصية، وحدود محاسبة الرأي العام. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نوازن بين التنظيم الضروري والفعل الديمقراطي؟ كيف نحمي المجتمع دون أن نُحاصر النقاش؟
إن 10 دجنبر يذكّرنا بأن الرقمنة ليست مبرّراً لإضعاف الحق في التعبير، ولا أداة لإعادة رسم حدود الحرية.

حقوق الإنسان… مسؤولية دولة ومجتمع:

الحديث عن الحقوق لا يُختزل في إلقاء اللوم على المؤسسات وحدها، بل هو أيضاً دعوة للمجتمع نفسه كي يُعيد النظر في منظومة القيم: احترام الاختلاف، عدم تبرير العنف، إسناد الفئات الهشّة، ورفض التطبيع مع الإقصاء. فحقوق الإنسان تبقى وهماً إن لم تتجذّر في الوعي الجماعي، وتتحوّل إلى سلوك يومي بين الأفراد.

بأيّ حال عُدتِ؟ الجواب في الميدان:

يَعُـودُ 10 دجنبر والسؤال نفسه يتردّد: هل حققنا تقدّماً؟

الجواب لا يُقرأ في البلاغات أو تقارير المؤتمرات، بل في قدرة المواطن على أن يعيش بكرامة، وأن يُسمع صوته دون خوف، وأن يجد العدالة عندما يحتاجها، وأن يشعر بأن القانون يحميه لا يُقصيه. هناك بالتأكيد مكاسب تحقّقت، لكن هناك أيضاً أوراشٌ مفتوحة لا تحتمل التأجيل.

في النهاية:

لا نحتفي بحقوق الإنسان كي نُصفّق، بل كي نحاسب.

كي نُذكّر بأن الكرامة ليست تاريخاً نحتفل به، بل مشروعاً يومياً يحتاج إلى إرادة، وديمقراطية، ومؤسسات تحترم الناس قبل أن تطلب احترامها.

المصطفى القرواني

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...