-ملفات تادلة 24-
منذ اللحظة التي وطئت فيها سفن الإسبان شواطئ القارة الأمريكية في نهاية القرن الخامس عشر، تغيَّر ميزانُ القوى في أوروبا، واشتعل الحسد في صدور الأمم المنافسة. فالثروة المنهوبة التي تدفّقت على إسبانيا من جزر الكاريبي، ثم من ذهب وفضة الأزتيك والإنكا، جعلت بقية القوى الأوروبية—وخاصة إنجلترا—تشعر بأنها تأخرت عن اقتسام “العالم الجديد”.
وهكذا اندفعت إنجلترا إلى محاولاتها الأولى للاستيطان في شمال أمريكا غير المكتشفة بعد، لكنها كانت محاولات بائسة، تائهة بين الجهل بطبيعة الأرض و طقس القارة ، وانعدام الخبرة في الفلاحة والصيد. كانت أولها محاولة روانوك سنة 1587 التي اختفى سكانها اختفاءً غامضًا، تلتها سلسلة من البعثات الفاشلة التي أنهكها الجوع والبرد والجهل ومصادمة القبائل الأصلية.
لكن التاريخ كان يُعدّ صفحة مختلفة تمامًا عندما وصلت سفينة الماي فلاور سنة 1620، تحمل مجموعة من المستوطنين الإنجليز. كانوا منهكين، لا يعرفون شيئًا عن الزراعة المحلية، ولا عن مناخ نيو إنجلاند الذي لا يشبه مناخ أوروبا في شيء. وفي الشهور الأولى مات نصفهم تقريبًا… كانوا على وشك الاندثار في مهبّ الرياح، لولا أن رقّ لهم قلب ماساسويت زعيم قبيلة الوامبانواغ الهندية، وهم السكان الأصليون للمنطقة.
أمرَ هذا الزعيم الهندي شعبه بمساعدة المستوطنين الإنجليز، وعلّمهم كيفية زراعة الذرة الهندية، وعرّفهم على تقنية وضع السمك كسماد للتربة، وكيف تُبنى البيوت الملائمة للبرد القارس. بل شاركوهم الطعام رغم أنهم كانوا هم أنفسهم يعانون قلة الزاد. لقد نظر الهنود إلى هؤلاء الغرباء كضيوفٍ مسالمين، لا كغزاة.
وفي خريف 1621، حين نجحت المحاصيل لأول مرة، احتفل المستوطنون مع شعب الوامبانواغ بوليمة بسيطة… أصبحت لاحقًا تُسمَّى عيد الشكر.
غير أنّ الضيف الأوروبي – كعادته – لم يُتقن إلا ردّ الجميل بالغدر والرصاص.
فما إن تعلّم المستوطنون الزراعة، وتكاثر عددهم، وثبتت أقدامهم، حتى بدأوا يطالبون الهنود الحمر بالمزيد من الأراضي، وبطعامهم وطعام عيالهم، ثم أخذوا يستولون على المزارع بالقوة، ويدفعون بالقبائل بعيدًا، وينقضون المعاهدات واحدة بعد أخرى. ثم جاءت اللحظة التي انقضّوا فيها على القبيلة التي أنقذتهم، فاندلعت حرب الملك فيليب عام 1675، وهي واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الاستعماري.
قُتل فيها معظم رجال الوامبانواغ، وقُطِع رأس زعيمهم، واغتُ.صِبت نساؤهم، وبِيع أطفالهم عبيدًا إلى جزر الكاريبي. لقد سُلبت منهم الأرض التي حفظوها آلاف السنين، وصارت قراهم رمادًا تذروه الرياح.
وبعد أن أ.باد الأوروبيون القبائل التي أنقذتهم، بدأوا يصفونهم في كتبهم التاريخية بـ”الوحشيين المتخلّفين”، وكأن الوحشية ليست إلا جزءًا من “رسالة الرجل الأبيض” في نظر نفسه؛ يأتي ليدّعي الحضارة بينما يترك خلفه المقابر والدماء والدموع.
وبعد أن دمّروا كل القبائل الهندية في القارة التي استضافتهم، اتخذوا اليوم الذي قدّم فيه الهنود الحمر الطعام للمستوطنين—وفي مقدمته لحم الديك الرومي—عيدًا قوميًّا يسمونه عيد الشكر ، وذلك في الخميس الرابع من شهر نوفمبر من كل سنة في الولايات المتحدة الأمريكية. ويُعدّ عطلةً تجتمع فيها العائلة الأمريكية لتحيي ذكرى نجاة أسلافهم من المجاعة والهلاك، وهم جالسون على مائدة عامرة. ومن الطريف أن الآلاف من الدجاج والديوك الرومية تُذبَح في ذلك اليوم، ولا يُترك إلا ديك رومي واحد يُقدَّم هدية إلى الرئيس الأمريكي فيعفو عنه من أن يُؤكل.
هكذا يحتفل الأمريكيون بفخر بتاريخ الغدر، بينما هو في الحقيقة يومٌ للنذالة والخيانة، وبرهانٌ آخر على غدر الرجل الأبيض الذي لا أمان له ولا عهد.
المصدر :
This Land Is Their Land: The Wampanoag Indians, Plymouth Colony, and the Troubled History of Thanksgiving للمؤرخ David J. Silver



