-عمر طويل-
يبدو أن مشروع “مدارس الريادة” بدأ يشق طريقه داخل الفصول الدراسية المغربية بين مؤيد ومتحفظ، بعد أن أثار في بداياته نقاشًا واسعًا في صفوف الأطر التربوية بين مشكك في جدواه ومتفائل بوعوده. ومع مرور شهور من التنزيل الميداني، بدأت المواقف تتبدل تدريجيًا، إذ كشفت التجربة اليومية داخل الأقسام عن مؤشرات تحسن ملموسة في مستوى المتعلمين، خاصة في القراءة والعمليات الحسابية. وبين تحديات التنزيل وضعف التكوينات من جهة، وحماس الأساتذة والمواكبة الإدارية من جهة أخرى، تتشكل ملامح إصلاح تربوي جديد يراهن على جعل المتعلم محور العملية التعليمية، ويعيد الأمل في مدرسة عمومية أكثر نجاعة وإنصافًا.
حنان حسروي، أستاذة التعليم الابتدائي بالمدرسة الجديدة ببني ملال، أكدت في حدثيها ل “ملفات تادلة”، أن تجربتها مع مشروع مدارس الريادة مرت بمراحل متباينة بين الشك والاقتناع، موضحة أنها، كغيرها من الممارسين في الحقل التربوي، كانت تتابع مختلف المستجدات والمشاريع الوزارية عبر المذكرات الرسمية والمواقع التابعة للوزارة.
وقالت الأستاذة إن الانطباع الأولي الذي تشكل لديها ولدى عدد من زملائها حول المشروع لم يكن إيجابيا، إذ “اعتبرناه في البداية مشروعا شكليا لا يختلف عن سابقاته التي تروج إعلاميا لتبرير صفقات كبرى وتبرير تبذير المال العام”، على حد تعبيرها.
لكن، تضيف الأستاذة حنان، أن مشاركتها في التكوينات الخاصة بالدعم المكثف غيرت نظرتها بشكل ملموس، حيث لاحظت بعد تنزيل البرنامج داخل القسم تحسنا واضحا في مستوى المتعلمين، قائلة: “الروائز أظهرت تقدما حقيقيا لدى التلاميذ في القراءة والعمليات الحسابية بعد أن انطلقنا من مستويات ضعيفة جدا، وهو ما كشف في المقابل محدودية البرامج القديمة في معالجة التعثرات”.
وتضيف الأستاذة حنان أن تجربتها في إطار مشروع مدارس الريادة كانت مليئة بالتحديات والتحولات، إذ انتقلت من مرحلة التشكيك في جدوى المشروع إلى الإيمان بفاعليته في تحسين مستوى المتعلمين. موضحة أن الانطباع الأولي الذي كان يسود بين عدد من الممارسين التربويين هو أن المشروع لا يعدو أن يكون “واجهة إعلامية لتبرير صفقات وتبذير المال العام”، غير أن النظرة تغيرت تدريجيا بعد المشاركة في التكوينات الخاصة بالدعم المكثف، حيث كشفت الممارسة الصفية اليومية عن نتائج ملموسة في تحسين قدرات التلاميذ على القراءة والعمليات الحسابية، مؤكدة أن “الروائز أظهرت تحسنا واضحا، ما أثبت محدودية البرامج القديمة في معالجة التعثرات”.
وتضيف الأستاذة أن مرحلة التعليم الصريح أحدثت نقلة نوعية في أدوار المدرس، إذ لم يعد دوره يقتصر على تمرير الدرس بل أصبح “ميسرا ومرافقا لتعلم التلاميذ”. وتقول: “في البداية انتقدت هذا الدور، لكن بعد الممارسة تبين لي أنه أكثر فاعلية لأنه يضع المتعلم في قلب العملية التعليمية”. وتشير إلى أن كل حصة كانت تتوج بتقويم وملاحظات من “الممر”، الذي يطلب من الأساتذة تقديم آرائهم حول الممارسات وتقديم بدائل عملية، وهو ما عزز التفاعل والتغذية الراجعة.
ورغم هذه الإيجابيات، واجهت الأستاذة حنان وفريقها صعوبات في تنزيل المشروع على أرض الواقع، أبرزها غياب الربط الكهربائي بالمؤسسة، ما اضطرهم إلى اعتماد “الخطة ب” عبر السبورة بدل استعمال المسلاط والحاسوب. كما اشتكت من ضيق الزمن الدراسي بسبب الكتابة اليدوية المكثفة، ووصفت التكوينات بأنها “غير كافية”، رغم إشادتها بالدعم المتواصل من المؤطرين المواكبين الذين “كانوا في المستوى المطلوب”.
وتقول الأستاذة: “كنا ننتظر أحيانا مواعيد التقويمات إلى منتصف الليل لتصلنا، مما يجعلنا نشتغل على إعداد الخرائط الذهنية والمذكرات في ظروف صعبة. كما أن غياب دليل بيداغوجي ثابت يجعل الأستاذ مقيدا ولا يحق له الاجتهاد، رغم أن طبيعة القسم قد تتطلب تكييفا خاصا”.
ورغم كل العراقيل، تؤكد الأستاذة أن التجربة أثمرت نتائج إيجابية واضحة داخل القسم، خاصة لدى المتعثرين، إذ ساهم توظيف الوسائط البصرية في شد انتباههم: “الصورة أبلغ من الكلمة، والمشاركة أصبحت جماعية بعدما كانت محصورة في التلاميذ المتميزين”.
وختمت الأستاذة حنان حديثها بتفاؤل كبير، معتبرة أن “مشروع الريادة قادر على إنقاذ المدرسة العمومية إذا توافرت النية الصادقة لدى القائمين عليه”، مضيفة أن نتائج السنة الثانية أظهرت “تحسنا ملموسا في أداء التلاميذ مقارنة بالسنة الأولى”، وتقول بثقة: “بعد خمس سنوات من الريادة، لن تكون هناك أمية داخل الفصول، وسنقضي على الفجوة بين المتعلمين”.
من جهته أكد الأستاذ محمد زوطان، أستاذ التعليم الابتدائي بمديرية أزيلال، أن مشروع مدارس الريادة حظي منذ بدايته باهتمام كبير من طرف الممارسين في الميدان التربوي، لما حمله من توجه جديد نحو تجويد التعلمات وتحسين الممارسات الصفية.
وقال زوطان إن الأطر التربوية استقبلت المشروع “بتفاؤل واهتمام كبيرين”، لأنه قدم رؤية تركز على التعلم النشط والتقويم المستمر والأنشطة التفاعلية، مضيفا أن “النية كانت واضحة لتجاوز الأنماط التقليدية في التدريس”، إلا أن نجاح أي إصلاح – حسب قوله – “يبقى رهينا بتوفير الظروف المواتية داخل القسم، من تكوين ووسائل ومواكبة فعلية”.
وفيما يخص الصعوبات العملية، أوضح الأستاذ أن السنة الأولى من التنزيل عرفت “تأخرا في تسلم الوسائل الديداكتيكية والدروس، وصعوبة في التكيف مع البرنامج الجديد وروائز التفييء”، غير أن الأمور – كما قال – “بدأت تستقر تدريجيا مع مرور الوقت، بفضل الاعتياد والتجريب”.
أما بخصوص التكوينات، فيرى زوطان أنها كانت “في المجمل كافية ومثمرة”، مشيرا إلى أن ورشات الدعم والتعليم الصريح كانت غنية بالتطبيقات العملية، واستمرت لأكثر من عشرة أيام، مع تنظيم لقاءات تذكيرية داخل المؤسسات. وأضاف أن هذه التكوينات “ساعدت على توحيد الرؤية وتوضيح المنهجية”، لكنه شدد في المقابل على ضرورة استمرارها بانتظام مع إشراك الأساتذة في كل المراحل، “لأنهم الفاعلون الحقيقيون في إنجاح المشروع”.
وحول تفاعل المتعلمين مع الأنشطة الجديدة، أكد الأستاذ أن النتائج كانت “سريعة ومشجعة”، خصوصا خلال مرحلة الدعم المكثف، حيث “ارتفعت دافعية التلاميذ بشكل لافت بفضل اعتماد اللعب والأنشطة التفاعلية”. كما أشار إلى أن إدراج مسارات التميز والتحدي ساهم في تحفيز المتفوقين أيضا، بينما “أظهر الدعم المؤسساتي نتائج مشرفة لدى التلاميذ المتعثرين”.
أما على مستوى الدعم الإداري والبيداغوجي، فقد اعتبر زوطان أن الإدارة والمفتشين أبانوا عن “تعاون كبير وجدية واضحة” في تتبع مراحل المشروع، رغم بعض الصعوبات الأولية المرتبطة بالتأخر في المعدات أو الكراسات، إلا أن “تظافر الجهود مكن من تجاوز الإكراهات واستمرار عملية التنزيل بسلاسة”.
ويرى الأستاذ أن مشروع مدارس الريادة يحتاج إلى “مزيد من التدرج في التنزيل، ودعم مادي ولوجستي أكبر يواكب طموحه الكبير”، إضافة إلى تخفيف الضغط الزمني وتكثيف التكوينات التطبيقية سواء حضوريا أو عن بعد، مع “إشراك الأساتذة فعليا في التخطيط واتخاذ القرار، لأنهم الأقدر على تكييف المشروع مع الواقع الميداني”.
وختم زوطان تصريحه بالتأكيد على أن “نجاح مشروع الريادة مرهون بالإرادة الجماعية والمواكبة المستمرة”، قائلا “إذا استمر الدعم والتقويم المنتظم، يمكن لهذا المشروع أن يحدث تحولا حقيقيا في المدرسة العمومية المغربية. أما إذا توقف عند حدود التجريب، فسيظل مجرد محطة عابرة. الرهان الحقيقي هو المتعلم، وكل إصلاح ينجح حين يشعر الأستاذ والتلميذ معا أنهما في قلب التغيير، لا على هامشه.”
كبير لمراني، أستاذ بمديرية الفقيه بن صالح، أكد أن استقبال الأطر التربوية لمشروع مدارس الريادة كان في البداية مشوبا بالتخوف، بسبب تجارب الإصلاحات السابقة التي لم تحقق النتائج المرجوة، غير أن الممارسة الميدانية سرعان ما غيرت هذا الانطباع.
وأوضح الأستاذ أن فلسفة المشروع بدأت تتضح تدريجيا من خلال الممارسة الصفية اليومية، حيث لمس المدرسون تحولا في أساليب التدريس وطريقة تنظيم الحصص، خصوصا مع اعتماد منهج التعليم الصريح الذي أعاد توزيع الأدوار بين المعلم والمتعلم.
وأشار إلى أن الصعوبات التي واجهت تنزيل المشروع يمكن تصنيفها إلى تربوية وتقنية؛ فالتربوية تتعلق بحداثة البرنامج الدراسي وطريقة التدريس الجديدة، أما التقنية فترتبط باستعمال الوسائط التكنولوجية كالمسلاط والحاسوب داخل الأقسام. وأضاف أن التكوينات التي تلقاها الأساتذة كانت “غير كافية”، ما دفعهم إلى “الاجتهاد الذاتي وتقاسم الخبرات فيما بينهم لسد الخصاص”.
وأكد لمراني أن تفاعل التلاميذ مع الدروس كان ملحوظا، خصوصا مع توظيف الوسائط البصرية من صور وفيديوهات، التي “أثارت انتباه المتعلمين وحفزتهم على المشاركة”. كما نوّه بالدعم المستمر الذي تقدمه الإدارة والمفتشون، سواء عن بعد أو عبر زيارات ميدانية.
وختم الأستاذ تصريحه بالتأكيد على أن مشروع مدارس الريادة يمثل “نقطة تحول في الميدان التربوي المغربي”، لأنه – حسب قوله – “أول مشروع يصل فعليا إلى القسم وإلى المتعلم من خلال تجهيز الفصول الدراسية وتحسين جودة التعلمات”.
غير أنه شدد على ضرورة انخراط الأسرة وشركاء المنظومة بشكل أكبر حتى يحقق المشروع أهدافه الكاملة، داعيا إلى “الاهتمام بالمدرسة باعتبارها فضاء للتربية قبل أن تكون بناية إسمنتية، وتكثيف التكوينات لفائدة الأساتذة لضمان استدامة الإصلاح”.


