عبد الحق حيسان: مشروع قانون رقم 59.24 أنهى استقلالية الجامعة والتوجهات الجديدة الواردة فيه جاءت بصيغة فضفاضة

-محمد لغريب-

يشهد قطاع التعليم العالي بالمغرب لحظة دقيقة من تاريخه، بعد أن مصادقة الحكومة على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي في مجلسها المنعقد يوم 28 غشت 2025، دون استشارة النقابات أو إشراك الفاعلين الرئيسيين في النقاش العمومي حوله.

هذا الإجراء أثار موجة من الانتقادات والاحتجاجات وفتح جمل من النقاشات وسط النقابات والأساتذة والطلبة الذين اعتبروا الخطوة خرقا للوعود السابقة وضربا لمبدأ التشاركية، في وقت يواجه فيه القطاع تحديات مرتبطة بالحكامة والجودة واستقلالية الجامعة.

وتكمن الإشكالية الأساسية في كون هذا المشروع، بدل أن يعزز مكانة الجامعة ويكرس استقلاليتها، يطرح تساؤلات عميقة حول حدود تدخل الدولة في قراراتها ومجال حريتها الأكاديمية، إضافة إلى إغفال محورية الطالب وإقصاء ممثليه من آليات اتخاذ القرار. كما يثير المشروع جدلا بشأن الموارد البشرية، والعلاقة بين مكونات الجامعة، ودور القطاع الخاص، ما يفتح الباب أمام صراع جديد بين النقابات والسلطات الحكومية حول مستقبل التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب.

في هذا السياق القيادي في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل قال عبد الحق حيسان في تصريح لجريدة ملفات تادلة، إن مشروع القانون رقم 59.24 أحيل على الأمانة العامة للحكومة دون الاستشارة معنا أو الأخذ برأينا كما تم وعدنا به من طرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.

وقال حيسان: “إن ملاحظاتنا على هذا المشروع كثيرة، غير أنه لا بد من التأكيد على أن هذا القانون أنهى استقلالية الجامعة، وذلك من خلال إحداث مجلس الأمناء الذي يضم السلطات الحكومية للتعليم العالي، ووزارتي المالية والداخلية، إضافة إلى الوالي الذي أصبح عضوا كامل العضوية في هذا المجلس، فضلا عن أعضاء آخرين. وبالتالي فإن استقلالية الجامعة، التي كانت ممثلة في مجلس الجامعة باعتباره الجهة المخولة لاتخاذ جميع القرارات داخل الجامعة، قد انتهت مع هذا المشروع.”

وأضاف أن مجلس الأمناء سحب اختصاصات مجلس الجامعة، إضافة إلى اختصاصات أخرى، ما قد يخلق تداخلا قد يؤدي إلى عرقلة سير الجامعة. مشيرا إلى أن حكامة المؤسسات الجامعية، حاضرة كمبدأ عام، لكنها غائبة على مستوى الإجراءات العملية، إذ لم يتضمن المشروع أي حديث عن آليات لتعزيز هذه الحكامة.

وحول تمثيلية الطلبة في مشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي، أوضح حيسان أن الطالب يفترض أن يكون محور هذا التعليم، غير أن هذه المحورية تغيب في مضامين القانون، الذي لم ينص على إشراك الطلبة في مختلف القضايا التي تهم الجامعة، بدءا من المضامين الدراسية والمسالك والتوجهات البيداغوجية. وأضاف أن المشروع لم يمنح سوى ثلاثة مقاعد للطلبة داخل مجلس الجامعة، مهما كان عدد مؤسسات التعليم العالي التابعة لها، وهو حضور محدود يجعل من الصعب على الطلبة التعبير عن آرائهم والتأثير في القرارات الجامعية، مبرزا أنه في العديد من الجامعات في العالم فإن الطلبة يساهمون في اختيار رئيس الجامعة والأساتذة ورؤساء المؤسسات الذين يدرسون.

وأشار حيسان إلى أن بعض التوجهات الجديدة التي جاء بها المشروع وردت بصيغة فضفاضة تفتقر إلى التفصيل، خصوصا فيما يتعلق بالانتقال الرقمي، وبإحداث مؤسسات للتعليم العالي الرقمي، إضافة إلى مؤسسات البحث العلمي التي ذُكرت دون توضيح ما إذا كانت ستكون مستقلة عن الجامعات أم ستبقى ضمن مجال اختصاصاتها.

وسجل حيسان غياب أي تنصيص على تبعية موظفي الإدارة المركزية وموظفي الوزارة والأحياء الجامعية لقطاع التعليم العالي، متسائلا: “إذا لم يكن هؤلاء ينتمون إلى التعليم العالي، فلأي قطاع ينتمون إذن؟”، معتبرا ذلك ثغرة كبيرة في مشروع القانون.

كما أشار النقابي في حديثه للجريدة إلى غياب الانسجام بين مواد المشروع، وعدم الحسم في طبيعة العلاقة بين رئيس الجامعة ورؤساء المؤسسات الجامعية، وما إذا كانوا سيشكلون فريقا واحدا أم أن لكل واحد توجهه الخاص، وهو ما يؤثر سلبا على انسجام وفعالية التعليم العالي. وأضاف أن المواد المتعلقة بالقطاع الخاص أيضا تفتقر إلى وجود هيئة للتقنين، في الوقت الذي منحت له صلاحيات واسعة.

وأكد حيسان أن النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أعلنت عن برنامج نضالي يمتد طيلة شهر شتنبر وإلى بداية شهر أكتوبر، وقررت خوض إضراب يومي 2 و3 شتنبر، احتجاجا على مشروع القانون، وأيضا على ملفات أخرى في مقدمتها النظام الأساسي لموظفي التعليم العالي.

وحول التنسيق لمواجهة هذا المشروع قال حيسان البرلماني السابق عن مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل “نحن مستعدون للتنسيق مع كل من يرغب في الالتحاق بهذا البرنامج أو بلورة برنامج نضالي مشترك، غير أنه إلى حدود الساعة لم نتوصل بأي إشارات في هذا الاتجاه، ومع ذلك فإننا منفتحون على كل أشكال التنسيق لمواجهة هذا القانون”.

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...