خالد تكوكين: الجماعات الترابية منصات للترافع ويجب القطع مع اعتبار المناطق الجبلية خزانات انتخابية (حوار)

في هذا الحوار، يتحدث خالد تكوكين، رئيس جماعة تبانت، عن خلفيات مشاركته، المثيرة للجدل، في احتجاجات آيت بوكماز، التي رفعت مطالب تبدو “بسيطة” لكنها تكشف عمق الإقصاء الذي تعانيه المناطق الجبلية. لا يدافع تكوكين عن موقفه فحسب، بل يطرح تصورا مختلفا لتأطير المواطنين، ويفتح نقاشًا أوسع حول حدود الفعل السياسي في الجبل، وعجز الجماعات القروية عن الاستجابة لمهام التنمية في ظل غياب الموارد حيث لا يمكنها سوى أن تكون منصات للترافع. من موقعه كمنتخب محلي وبرلماني سابق، يرافع من أجل مقاربة جديدة تُخرج الجبل من اختزاله كخزان انتخابي، إلى فضاء منتج يستحق قانونًا خاصًا يراعي خصوصياته الاجتماعية والمجالية ويستثمر إمكانياته التنموية.

أجرى الحوار: خالد أبورقية

  • تصدرت احتجاجات أيت بوكماز واجهة الأحداث، خلال الأيام الماضية، وإلى جانب ذلك أثير جدل حول خروجكم، وأنتم رئيس الجماعة الترابية، على رأس المسيرة، هذه سابقة في ظل دستور 2011، ما الذي يدفع مسؤولا، يفترض أن يجد حلولا للساكنة حين تحتج، أن يقود الاحتجاجات ضد سلطة يفترض أنه أحد شركائها؟

نعم، عرفت منقطة آيت بوكماز مسيرة يوم الأربعاء والخميس الماضيين، هذه المسيرة كانت تحمل مطالب عادية، طبيب وطريق وحماية من الفيضانات، إضافة إلى إشكال صعوبة تنزيل مساطر التعمير في المناطق القروية. هذه المسيرة حظيت يعني بزخم إعلامي كبير، وتقاسم من قبل المواطنين العاديين، و “اليوتيوبرز”، بل اثارت اشكالا على كل المستويات.

في نظري، المحددات الأساسية التي أعطتها هذا الزخم هي أولا أن مطالبها عادية؛ ثانيا، أن فيها عددا مقدرا من المواطنين يقارب 3 آلاف؛ ثالثا، أنها لم تكن مسيرة يوم، وكان فيها مبيت؛ رابعا، انها كانت مسيرة منظمة تثير الانتباه بشكلها الراقي، وإن كان الأمر يتعلق بالاحتجاج؛ خامسا، مسألة أنها يقودها رئيس جماعة ممثل مجلس جماعي، يفترض فيه أن يكون شريكاً في التنمية وأن يقدم الحلول، خصوصا وأن هذه المطالب تبدو للجميع مطالب عادية، إذا كان السياق عاديا.

ما يمكن أن أقوله عن هذه المسيرة، هو ما قلته سابقا، بأنها حديث هذه المناطق الجبلية، لأن فيها اختلالات تنموية، فيها صعوبات الولوج إلى التنمية، وأنها حديث متداول كل سنة، وأن إقليم أزيلال أصلاً هو إقليم المسيرات، وإن كانت تتم بأحجام أقل.

ربما تحدثت كثيرا فيما يرتبط بقيادة أو هندسة أو كل ما قيل حول خالد (رئيس المجلس الجماعي) في ارتباطه بهذه المسيرة، وقلت إن المسيرة كان مسارها يمضي بالتوازي مع اشتغالنا نحن في مسارات النقاش والحوار والترافع المؤسساتي. وقدمت مراحل هذا النقاش، انطلاقا من استقبال الإقليم لعامل جديد، وتقدمنا بطلب مقابلة منذ ما يتجاوز شهرا ويقارب شهرين، وكان الهدف هو أن إعطاء صورة متكاملة للسيد العامل عن المنطقة، بما فيها من تميز وبالمنجز، وبعض الأمور التي تحتاج إلى الدعم. لحلحلتها والتركيز على أهميتها، خصوصا العزلة الرقمية، ومشاكل الطريق، إضافة إلى التقدم في مسألة تيسير رخص البناء في العالم القروي، خصوصا أن جماعة “تبانت” من الجماعات التي تحقق أرقاماً مقدرة في عدد الرخص سنويا، بالمقارنة مع جيرانها من الجماعات الأخرى.

وقد طال أمد الانتظار فنضجت فكرة المسيرة، وأجري حوار مع السيد العامل، ونحن نقلنا بأمانة ما دار في لقائنا مع السيد العامل إلى من كانوا يحملون فكرة الترافع بالشكل الاحتجاجي عن مطالب حوض آيت بوكماز؛ وفي نهاية المطاف قرر المجتمعون وممثلو الدواوير أن يسيروا في مسيرتهم.

من منطلق فهمنا للأمور وتنزيلنا الذي دام على امتداد عشر سنوات لمبدأ التأطير، قررت كشخص أن أكون ضمن المسيرة، أؤكد على كلمة “ضمن”، وليس بصفتي قائدا، لست متأخرا ولست متقدما، كنت في وسط المسيرة، فتطورت الأحداث ونحن في مسار المسيرة، لم أتدخل في أي مسألة تنظيمية، فحدث أن وقفت السيارات والمحتجين عند سدّ أمني في منحدر تسبب في اضطراب على مستوى السيارات خصوصا أنها كانت متقاربة، وأن المنحدر يلزم كل سيارة أن تفرمل كي لا تصطدم بالسيارة التي أمامها.

هنا بدأ التدخل، على أمل أن نجد مخاطبا يتحاور مع المحتجين نكون إلى جانبه ونتحدث عن حلول للمستقبل، خصوصا وأن الأمر ليس صعبا، لأن السيد العامل هو عامل جديد، ويكفيه جواباً أن يقول انتهى عهد عدم الإنصات فيما يتعلق بهذه المطالب، وكونوا متأكدين أننا سنشتغل عليها بجد، وستصير الأمور كما يرام. وجود محاور لا يملك السلطة، ولا يملك القدرة على الوعد، لا يملك القدرة على الإنجاز، ولا يملك إمكانية برمجة هذا المشروع وذاك، ذهب بالمحتجين إلى اتخاذ قرار مواصلة المسير على الأقدام. وهنا بدأت بعض النقاشات بين المحتجين، وظهر بيّنا أن التنظيم غير محكم، وأن إمكانية الصدام بين المحتجين ممكنة، لأن القرار ليست له هيئة منتدبة من داخل المسيرة يمكنها الحسم في أي نقطة نقاش.

لذلك تدخلت مضطرا في تلك اللحظة، لأن الأمر لا رجوع فيه بأنهم سيسيرون، والوجهة كانت أزيلال وربما بني ملال، وإن ذهبوا بهذا الشكل فقد تحدث أمور لن نقبلها لساكنة آيت بوكماز الذين خرجوا قهرا بعد أن أحسّوا بأن هذه المطالب التي تبدو للناس هيّنة تتحكم في اقتصاد المنطقة، الفيضانات تهدّد معيشهم اليومي، والعزلة الرقمية تكسر أي تطور محتمل لقطاع السياحة، فضلا عن ارتباطها بخدمات أصبحت ملحّة، كتعبئة بطائق نور واستلام الأموال وتحويلها، خصوصا أن عددا كبيرا من شباب المنطقة يعملون في مدن أخرى، إضافة إلى عملية تلقي الدعم الاجتماعي الذي يستفيد منه عدد كبير من الأسر.

لذلك تسلمت قيادة المسيرة إلى جانب الهيئة المنظمة، وأقنعنا الناس أن القرار لا يمكن أن يكون محل نقاش الجميع، وأن المنتدبين يمثلون دواويرهم، وتمت إعادة صياغة الترتيب على شكل الدواوير، والحرص على السير على جانب واحد من الطريق كي نوقف حركة المرور، ونظرا لكثرة المشاركين، كان متوقعا أن نخلف قنينات الماء وعلب السردين وغير ذلك من الأزبال التي يجب أن نتحمل مسؤوليتنا في جمعها، وهذا ما كان مما يسمونه قيادة رئيس جماعة لمسيرة احتجاجية.

  • بصيغة أخرى، من ينتقدون خروجكم للاحتجاج يفسرونه بأنه حسابات سياسية لرفع رصيدكم الانتخابي استعدادا للاستحقاقات القادمة، لقد شغلتم مقعدا برلمانيا وتشغلون منصب رئيس الجماعة للدورة الثانية، ولا يبدو أنكم تملكون برنامجا قابلا للتطبيق، والدليل هو “انفجار” الاحتجاج فجأة، كيف تردون على من يطرح الأسئلة حول واقعية برنامجكم ونجاعة تدبيركم وتوقيت هذا الاحتجاج؟

 

من حق المنتقدين أن يعبّروا عن آرائهم، وقد يبدو ما حدث غير مألوف للبعض. لكنني قدمت توضيحاتي حول الأمر. لا يوجد رئيس جماعة يحب أن تنظم عنده مسيرات احتجاجية، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، لأنها تزيد همّه همّا، وتبعده عن مهمّته. وأتفهم من يرى أن رئيس جماعة لا ينبغي له أن يتقدم لمسيرة احتجاجية، وأتفق معه في حدود أن الرئيس يمثل مؤسسة للترافع والعمل في إطار الجماعة تتوفر على ميزانية ولديها برنامج، وتشتغل وفق برنامج واضح داخل الإطار الذي انتُخبت فيه.

 

وأنا وضحت الجانب المرتبط بالتأطير، الأحزاب مهمتها الأساسية هي تأطير المواطنين، وأنا أرى أن ما قمت به كان نابعًا من فهم شخصي لمعنى التأطير، في جميع الحالات، سواء في الظروف العادية أو الاستثنائية، أو في الأزمات والكوارث، بل وحتى في الاحتجاجات.

أما بخصوص ما يروج حول مقعد البرلمان الذي شغلته، هل يعتبرون أن المواطنين الذين صوتوا علينا مجانين؟ أو ذهبنا إلى الناس وفرضنا عليهم التصويت لنا؟ بالعكس، لو لم يلمسوا أننا اشتغلنا بجدية لم يكونوا ليجددوا الثقة فينا، لقد صوتوا عن قناعة بل واجهوا الضغوط في تصويتهم علينا، من منطلق قناعتهم بما قدمناه في الولاية السابقة التي يحاول الجميع اليوم استحضارها.

أما فيما يتعلق بالبرنامج فهو يحيل على نجاح وإخفاق. برنامجنا واضح، وهو تيسير الولوج إلى الخدمات الأساسية، والتأسيس لتنمية مندمجة ومستدامة، قد تبدو الكلمات كبيرة، لكننا نشتغل بإمكانياتنا وفهمنا الخاص لسياقنا.

بالنسبة للولوج للخدمات الأساسية، كان المشكل الكبير الذي يواجهنا هو الهدر المدرسي، وفي هذا الباب أنجزنا ما أنجزناه، بحيث حاولنا تقليص المسافات التي يقطعها الأطفال بإنشاء أقسام في الدواوير بشراكة مع المديرية الإقليمية للتربية والتكوين، ووضعنا برنامجا منذ الداية لتعميم التعليم الأولي، وخصصنا منحا للجمعيات من أجل تجهيز مقراتها واتخاذها مقرات للتعليم الأولي بالموازاة مع الأنشطة الأخرى، كما ترافعنا للحصول على أسطول للنقل المدرسي، وحولنا مكان مدرستين (مدرستي أرباط وآيت أوشي) من موقعيهما السابقين بسبب خطر الفيضانات، ويتذكر الجميع الفيضانات العنيفة التي شهدتها أرباط وكادت أن تودي بحياة 80 طفلًا، وتم إنقاذهم بأعجوبة.

في سياق الخدمات الاجتماعية دائما، كان لدينا مشكل المركز الصحي الذي أنشئ في موقع لا يوفر الولوج بسبب وجوده على منحدر، بحيث كان على سيارة الإسعاف أن تقف بعيدا ويحمل المريض على الأكتاف، وتيسرت الأمور لبناء مركز صحي وتم تجهيزه، إضافة إلى دار الأمومة في إطار العناية بالمرأة والطفل.

بالمقابل، كان لدينا مبدأ، بحكم بعد المنطقة عن المستشفى الإقليمي، أن نشتغل بالقوافل الطبية، ونظمنا عددا لا يستهان به من القوافل الطبية شارك فيها مختصون مغاربة وأجانب، وبعض القوافل تدوم 7 أيام، ويتم تنظيمها حتى تمر من كل الدواوير، وحرصنا على اختصاصات نادرة كطب العيون وطب الأسنان.

وتعاملنا مع جمعيات تشتغل في مجال التعليم وفي مجال الصحة، وأنتجنا آليات الدعم، واشتغلنا جميعا مجلسا جماعيا وجمعيات، دون تمييز بين الألوان السياسية والانتماءات، وهذه ميزة آيت بوكماز، أننا نشتغل كمجموعة ونتعاون. أما بالنسبة للرياضة، فقد كانت لدينا رؤية أنها مدخل لتنمية المجال، رغم أن الجميع يتجه نحو كرة القدم، لكن كانت لدينا رؤية بأن كرة القدم لا يمكن أن تعطي في هذه المناطق بحكم أن تكوين لاعب يستغرق وقتا، وحين يحصل على الباكالوريا سيغادر لمتابعة دراسته ويترك موقعه فارغا، لذلك كانت رؤيتنا أن السياق الجبلي والمرتفعات هو تربة خصبة لتكوين أبطال في العدو الريفي، فنظمنا مهرجان العدو الريفي السياحي الجبلي، ومؤخرا تم تنظيم ماراثون الخيول، وهذه كلها أنشطة رياضية بوجه تنموي كبير، لأنها تواكب بمعارض وتنشيط ثقافي محلي، وتستبطن أنشطة سياحية لأنها تستقطب عدائين أجانب وهذا ينشط دور الضيافة. كما أننا نتجه نحو رياضات جبلية أخرى بهذا التصور للتأثير الإيجابي على السياحة وتنويع الأنشطة في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، تم الاعتماد على الجمعيات، وهذا الأمر ليس جديدا، في تقديم بعض خدمات القرب كالتزويد بالماء، وفي التعليم الأولي وغير ذلك، والهدف هو إشراك الجميع من أجل انطلاقة تنموية في منطقة جبلية.

وبالمقابل قمنا بالترافع من أجل أشياء تتجاوز إمكانياتنا كالطريق وحققنا فيها تقدما، كما تعاونا فيما يتعلق بالواد والفيضانات وإزالة الأتربة ولو مؤقتا. ويمكن أن أعطي أمثلة ترتبط بالرؤية التنموية، كالواد الإيكولوجي حيث اقترحنا استخدام الطاقة الشمسية في الإنارة العمومية رغم تشكيك البعض في فعاليتها، وفيما يتعلق بالتزويد بالماء فالضخ شمسي بالكامل، كما قدمنا فكرة وحدة تثمين وفرز النفايات تسيرها تعاونية يكون نشاطها مدرا للدخل، وتحل مشكلة النفايات المتراكمة في الدواوير والمركز.

أما الذين يتهموننا بالحسابات السياسية، فأقول لهم: تمهّلوا قليلًا. قد نموت قبل أن تأتي الانتخابات، وقد تحدث أمور لم تكن في الحسبان، وقد تكون لدينا مواقف أو اختيارات مغايرة تمامًا لما يظنونه. للأسف، من يفكر بمنطق سياسي صرف يصعب إقناعه بغير ذلك. إن وقفت فأنت تمارس السياسة، وإن جلست فأنت تمارس السياسة، وهذا منطق اختزالي لا يترك مجالا للفهم المتوازن أو النية الصادقة في خدمة الشأن العام. وبالتالي محاولتهم “حرقنا” بقيادة المسيرة غير مجدية، وساكنة آيت بوكماز تشهد.

 

  • تطرح مشاركتكم في هذه الاحتجاجات إشكالية العلاقة بين المؤسسات، حيث يفترض أن المؤسسات المنتخبة تمثل وتنفذ ما يريده المواطنون، بينما سلطات الوصاية تمثل (نظريا) سلطة إشراف على تنفيذ القوانين والتشريعات، باعتبار مسؤوليتكم السابقة في إطار السلطة التشريعية، كيف ترون الحدود بين المؤسسات التي ذكرنا، وما الذي أغفله المشرع حتى وصلنا إلى هذه النقطة؟

إذا أخذنا بعين الاعتبار واقع عدم القدرة والعجز، تتحول الجماعات الترابية إلى منصات للترافع، أي أنها ترصد حاجات الساكنة والنقص في التنمية وتحيلهم على الجهات المختصة، وأحيانا توجه مراسلات إلى جهات تتجاهلك ولا تجيب من الأساس، ينبغي أن يفهم الناس أن منصب رئاسة الجماعة في المناطق القروية لا يقام له اعتبار.

ومن جانب آخر، اختزال العلاقة بين الجماعة وباقي المتدخلين في سلطة الوصاية أمر مجحف أيضًا. لأنك حين تواجه إشكالًا في قطاع ما تتجه إلى المسؤول عن القطاع، فتتوجه إلى المدير الإقليمي للتعليم أو المندوب الإقليمي للصحة أو المدير الإقليمي للتجهيز، وعندما تدرك أن هذه الجهات عاجزة بدورها عن تقديم حلول، تلجأ إلى عامل الإقليم قصد طلب الدعم في الترافع من أجل مشروعك حسب القطاع المرتبط به.

أؤكد أن التعاطي مع التنمية في السياق الجبلي يحتاج إلى مقاربة خاصة، تقوم على إشراك جميع المؤسسات، لكن أيضًا على ضرورة إيجاد إطار تقني يتدخل ولو مرحليا لإعادة التوازن في هذه المجالات قبل الحديث عن مسؤولية الجماعات. فالجماعات القروية لا تتوفر على المال، كيف يمكنها أن تشتغل وما الذي يمكنها فعله.

 

  • بالنظر إلى مطالب ساكنة المنطقة يظهر أنها مطالب بسيطة (مدرسة، طبيب، طريق، شبكة الهاتف والأنترنيت..)، وربما هناك مواطنون في مناطق أخرى يستغربون أنها غير متوفرة، ما الذي يجعل منطقتكم محرومة من هذه الخدمات؟

صحيح أنها مطالب بسيطة، لكنها متكررة في كل المناطق القروية. مشكل التغطية بشبكة الهاتف (الريزو) يكاد يكون مشتركًا في جميع القرى، والطرق موضوع احتجاجات متكررة في مختلف جماعات إقليم أزيلال، والماء أيضًا يمثل أحد أبرز الانشغالات. أما الفيضانات، فهي حدث طارئ فرضته التغيرات المناخية، وعلينا التعامل معه.

أما مسألة التعمير فهي إجحاف تشريعي يؤكد عليه الجميع ويجب أن يعاد النظر فيه، لأننا نحن، سكان المناطق القروية، نعرف ماذا يعني أن تفرض رخصة بناء بمعايير خاصة على بيت سيتّم تشييده فوق جبل ناءٍ لا تصله لا طرق ولا تجهيزات، ولا يتوفر سوى على مسلك يوفر الوصول مشيا على الأقدام، وبالكاد يمثل سترًا لأسرة فقيرة.

لدينا سياق غير مجهز، وفقير، ومعزول ثم يفرض على المواطن الذهاب عند المهندس والطبوغرافي والقيام بإجراءات طويلة؛ بينما المشرع نفسه أقر بخصوصية هذه المجالات، ونص على ضرورة توفير المساعدة التقنية المجانية، لكنها تظل غير كافية، هناك أمور أخرى يجب تبسيطها. على سبيل المثال، في جماعة تبانت قررتُ شخصيًا ألا أُحصّل رسوم البناء في الدواوير، واكتفيت بذلك في المركز، لأن البناء في حدّ ذاته محرّك للتنمية، ويحرك عددًا من القطاعات المرتبطة به. المهم بالنسبة إلينا هو التخطيط الترابي السليم، أي أن نطلب من المواطن الحصول على الرخصة حتى يستفيد من المساعدة التقنية المجانية، ولا يدفع رسوما إن كان خارج وثيقة التعمير، رغم أننا بدأنا الحديث عن تصاميم الدواوير لحل مشكل “الهكتار” الذي أعتبره من الخيال العلمي.

أن يستغرب الناس أو لا يستغربوا هذا واقع، ويجب أن نقدم له العلاج بدل أن نصنع منه مادة “للبوليميك” غير المنتج، لأن الجميع يعلم أن المناطق القروية فيها خلل، وهذا تكشفه تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وآليات التمييز الإيجابي تُعد اعترافًا ضمنيًا بالمشاكل العميقة التي تعيشها هذه المناطق. بل إن الخطابات الملكية ذاتها تحدثت عن هذا الموضوع، وهذا يدفعنا إلى ضرورة تقييم ما أنجزناه، ونقارن التكلفة مع الأثر الاقتصادي والاجتماعي، لقياس مدى نجاعة المقاربة الحالية، وهل نحتاج إلى تعديلها أو تصويبها.

  • تقع منطقة أيت بوكماز ضمن سلسلة جبال الأطلس، ولا يجادل أحد أنها تعرضت مثل مناطق أخرى لتهميش وظلم تاريخيين، وقد شكل جبر الضرر لبعض المناطق الجبلية موضوع توصيات لهيئة الإنصاف والمصالحة، ليظل سؤال العدالة المجالية موضوع لقاءات ودراسات ومحور الخطاب السياسي (الانتخابي تحديدا)، بحكم موقعكم، أين وصلنا من كل هذا؟

لا يمكن أن نكون عدميين ونقول بأنه لم تحدث حركية تنموية في المناطق الجبلية. لكن الإشكال يكمن في التصور، نحن نتدخل في المناطق الجبلية بمنطق العمل الخيري، أي أننا نساعد هؤلاء “المساكين” بإنشاء الطريق وإيصال الماء ونرأف لحالهم. لكن في الواقع، الجبل هو كنز الوطن، في الجبل مؤهلات غير مستغلة، ومحركات قادرة على إنتاج التنمية وخلق متنفس فلاحي سياحي للوطن بأسره، وفيه معادن الناس التي لازالت تحافظ على أصالتها وقادرة على الإنتاج، وصبورة ولديها إمكانيات غير محدودة للتطور.

إن تحدثنا عن المنجز فهو معتبر، ربما هناك تفاوتات حسب المناطق، لكن من حقنا أن نحلم كساكنة للعالم القروي والجبلي، أن تكون جبالنا مثل جبال سويسرا، من حقنا أن نحلم، بأفكارنا وإبداعنا ان نجعل من سياقاتنا سياقات جاذبة للاستثمار وللناس، مصدرة للأفكار الجيدة، مصدرة للمنتوجات ذات القيمة العالية سواء في السياحة، أو في الفلاحة، ولم لا مستقبلا على مستوى الصناعات التحويلية.

 

  • كنتم من المؤيدين لمشروع “قانون الجبل”، وفي حوار سابق أجريناه مع محمد الديش، رئيس الائتلاف المدني من أجل الجبل، وقف قراؤنا على بعض النقاط المفاهيمية المرتبطة بالمجال الجبلي واختلافه عن المجال القروي، باعتباركم مسؤولا منتخبا وبرلمانيا سابقا، ما الذي سيتغير في حياة ساكنة الجبال إن تم سن هذا القانون؟

 

إن تعويم المناطق الجبلية ضمن ما يُسمى بالمناطق القروية فيه إجحاف كبير، وفي هذا الإطار صرفت ميزانيات كبيرة باسم المناطق القروية والجبلية، لم يستفد منها الجبل إلا بنسبة ضئيلة، وهو ما جعله في هذا الوضع، حيث يتحرك ببطء أقل من قدرته وإمكانياته وما يختزنه من مؤهلات. لأننا لا يمكن أن نقارن قرية مجاورة للرباط بمنطقة مثل آيت بوكماز، التي تقع على ارتفاع يفوق 2000 متر.

أما إشكال قانون الجبل في ارتباطه بالسياق العام، يكمن في كونه قانونا أفقيا، نحن نتحدث عن قانون يخترق عددا كبيرا من القوانين الأخرى، ويتم تبرير تأخره بصعوبة التنزيل. لكن في الخلفية أيضا، هناك إشكالات مرتبطة باعتبار المناطق الجبلية كخزانات انتخابية، وتتم عرقلة المبادرات لأنها يلزمها توافق وهناك تقام الحسابات، إلى أن وصلنا مرحلة نحتاج فيها إلى حل تقني يرتفع فوق هذا الجدل السياسي لينتج أوراق طريق في اتجاه تنمية المناطق الجبلية بمنطق المجالات المأهولة والمنتجة. أي أن نتدخل في مجال معين ونتعامل مع ساكنته بإيجاد حلول تيسر لها الولوج إلى الخدمات الأساسية وتفتح الأفق للإنتاج والتطور والعطاء والإبداع.

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...