آيت بوكماز.. في الهضبة السعيدة أرواح ومصائر معلقة برنة هاتف وفصل في مدرسة (روبورطاج)

روبورطاج: عمر الطويل

بين جبال الأطلس الكبير، تقع منطقة آيت بوكماز الساحرة، المعروفة بـ “الهضبة السعيدة”. لكن خلف هذا الاسم، تختبئ حقيقة مريرة يعيشها سكان هذه القرى النائية؛ فالحياة هنا تظل رهينة تحديات يومية يفرضها غياب أبسط الخدمات الأساسية. في هذه المنطقة، الخدمات مرادف للمصير، فشبكة الهاتف والأنترنت ليسا ترفا، حيث أن توفرهما من شأنه إنقاذ حياة أو قلب مصير عائلة بأكملها.

في آيت بوكماز، للحق في التعليم اسم آخر، إنه “الحظ”، الفقر وبعد المؤسسات التعليمية يخطان للفتيات “غير المحظوظات” مصيرا واحدا لا مهرب منه إلا بأعجوبة، إنه “الزواج المبكر” مع حسرة يحملنها معهن طيلة الحياة التي سيعشنها.

في آيت بوكماز، القصص لا تنتهي، كما لا تفارق الابتسامات وجوه أهلها الطيبين، الذين يروون قصصهم بهدوء وكرم، إنهم أناس بسطاء لكنهم في غاية الكرم، كرماء في أحاديثهم، وكرماء في ضيافتهم، وكرماء وهم يحاولون إقناعك بأن تجلس معهم يوما أو اثنين حين ترغب في توديعهم.

 

هاتف في الجبل.. “لا أحد يسمع النداء”

ينحني محمد ليرفع بعض الأعمدة الخشبية، ويبادر علي وشخص آخر إلى مساعدته، تظهر على بعض الأعمدة آثار الحريق الذي شب في الليلة السابقة في بيته وأتى على نصف المسكن، وفي الصباح، تحول المكان إلى ورش يسارع فيه الأهالي إلى إزالة آثار الحريق وإعادة بناء البيت المحترق.

محمد أوطوف يقطن في دوار أيت اغرال بمنطقة أيت بوكماز، إقليم أزيلال، اندلعت النيران في بيته ليلة الأربعاء/ الخميس 11/ 12 يونيو الماضي، والأشخاص الذين يساعدونه من أبناء الدواوير المجاورة، أتوا بعد توصلهم بنداء للمساعدة، وهي عادة أهل المنطقة في مثل هذه الحالات.

محمد أوطوف يعمل على إعادة بناء بيته بمساعدة الأهالي

 

وفي الواقع وصل الأهالي والجيران متأخرين، بينما قضى محمد الليل يصارع النيران وحده بوسائل بسيطة، ثم اضطر للسير مسافة غير قصيرة للبحث عن المساعدة، فقد تعذر عليه الاتصال بسبب عدم توفر تغطية شبكة الهاتف في المنطقة.

يسترجع محمد في حديثه معنا لحظات تلك الليلة، يحكي: “اندلع الحريق وقت العشاء، وكان الوضع صعبًا للغاية، واجهت مشكلة كبيرة في الحصول على “الريزو” (شبكة الاتصالات) وجلست أبحث عن اتصال لوقت طويل، لا وجود للمطافئ والوقاية المدنية هنا، حضر بعض الجيران وشاركوا في إخماد النيران حتى استطعنا السيطرة عليها، ولم ينتشر الخبر في المنطقة إلا صباح اليوم الموالي. لقد خلف الحريق خسائر كبيرة، أكلتنا النيران”.

“في تلك الليلة لم تتوفر تغطية لشبكة الهاتف في منطقته، واضطر إلى الابتعاد عن منزله لمسافة تتراوح بين كيلومترين إلى ثلاثة كيلومترات فقط ليتمكن من التواصل معنا”، يحكي حسن لعكون في حديثه لـ “ملفات تادلة”.

حسن فاعل جمعوي، وأحد المهتمين بالتواصل في هذه المنطقة التي يبدو التواصل فيها مهمة شبه مستحيلة، توصل بنداء محمد وبادر بدوره إلى مشاركة منشور على منصات التواصل الاجتماعي من أجل طلب المساعدة، “حاولنا بكل جهد أن نوصل نداء الاستغاثة عبر منشورات في الدواوير المجاورة، ودعونا الناس للتضامن مع المتضرر. هذه ليست فقط قصة حريق، بل حكاية عزلة قاتلة، تضعف الاستجابة وتُعمّق المعاناة”، يقول حسن.

حسن لعكون يبحث عن شبكة الهاتف

 

يوضح حسن في حديثه مع ملفات تادلة أن عدم توفر تغطية الشبكة الهاتفية يفرض عزلة قاسية على المنطقة، ويتسبب ذلك في مضاعفة الأضرار أثناء الحوادث، كما حدث مع محمد، وفي حالات مشابهة، حيث توفير شبكة الهاتف من شأنه إنقاذ الأرواح، “توفر تغطية شبكة الهاتف والأنترنت هنا يعتبر مسألة حياة أو موت، يظهر هذا في حالة محمد أو في حالة نقل سيدة على وشك الولادة”، يؤكد حسن.

أثناء تواجدنا معه عاينا جانبا من معاناة الساكنة مع انعدام التغطية الهاتفية، يظهر لنا منشورا على منصات التواصل الاجتماعي حاول مشاركته قبل ساعات من لقائنا به، “هذا مثال آخر، لقد شاركت هذه التدوينة قبل 3 ساعات ولم تنشر إلا الآن”، يقول حسن وهو يرينا منشورا يتحدث عن انقطاع الطريق بسبب سوء الأحوال الجوية.

ومن المعتاد أن تشاهد الناس في الهضبة السعيدة، وهو لقب منطقة آيت بوكماز، وهم يتجولون حاملين هواتفهم بحثا عن مكان مناسب لالتقاط الشبكة.

 

في آيت بوكماز.. مستعدون لكأس العالم 2030

“الريزو ما خدامش” هذه أولى المشاكل التي حدثنا عنها الحسين أتزضوت، وهو صاحب مأوى سياحي في دوار ابقليون، يأخذنا الحسين في جولة داخل المأوى الفارغ ويرينا الغرف ويحدثنا عن جودة الخدمات، ثم يقف عند نافذة تطل على منظر طبيعي ويتحسر.

في حديثة لملفات تادلة، يؤكد الحسين على العزلة التي تعيشها المنطقة، بسبب غياب شبكة الهاتف والأنترنيت وبسبب سوء وتدهور الطرق، وبسبب الإهمال أيضا، “المنطقة معروفة بمؤهلاتها السياحية، ولكن مكاينش الريزو اللي يخليك تسوق المنتوج ديالك، فضلا عن غياب أي روبوطاجات أو مواد إعلامية أو صحافيين يظهرون ميزات المنطقة ومؤهلاتها السياحية”.

ويوضح الحسين أن هذا الوضع “يفرض علينا البحث عن شركاء في الخارج من أجل القيام بإشهار للمنطقة من أجل استقطاب الزوار، ولهذا يقوم المهنيون في القطاع بمجهوداتهم الذاتية بالترويج للمنطقة وللمنتوج السياحي في المنطقة”.

أثناء تواجدنا في المأوى السياحي حضر محمد اتكلاوت إلى المكان في زيارة روتينية للحسين أتزضوت، اتكلاوت ابن المنطقة ويشتغل مرشدا سياحيا، وحين يلتقي الرجلان يغلب على حديثهما موضوع السياحة في المنطقة، وعلى رأس الإكراهات “تغطية الشبكة”، فتحة الأوكسجين على العالم.

 

الحسين أتزضوت ومحمد اتكلاوت يتحدثان عن السياحة والإكراهات في آيت بوكماز

 

يتجاذب الرجلان أطراف الحديث، ويستعرضان الطموحات والمشاكل، دون أن يغلب عليهما طابع اليأس رغم الشكوى، لا تفارق الابتسامة محياهما معا، وفي ختام الحديث يقول الحسين لأتكلاوت بنبرة أمل لا تخلو من مزح: “نحن مستعدون لمونديال 2030، سنكون في الموعد”.

حين غادرنا مأوى الحسين، اصطحبنا اتكلاوت إلى منشأة تجري فيها إصلاحات، وفي الطريق يشرح لنا أنها مركز للتكوين في مهن الجبل، وهو مشروع تم تأسيسه في ثمانينات القرن الماضي، بشراكة بين الدولة المغربية ونظيرتها الفرنسية لهيكلة السياحة الجبلية.

“هذا المركز كان يكون منذ سنة 1984 إلى غاية 2013 ما يقارب 40 متدربا على الصعيد الوطني، تلقوا تكوينا في المهن الجبلية، منها الحراسة الجبلية، والوقاية من المخاطر وكل ما يتعلق بالنباتات والجيولوجيا وغيرها” يقول لنا اتكلاوت.

المركز مغلق منذ حوالي 5 سنوات، والتكوين في هذا المجال حسب الساكنة تم نقله إلى ورزازات، وهو على رأس الملف المطلبي للساكنة التي خرجت في مسيرة احتجاجية يوم 9 يوليوز، ينظر اتكلاوت إلى البناية ويقول بأمل: “ننتظر أن يفتح هذا المركز ويعود للتكوين كما عهدنا، ولم لا يكون التكوين مشتركا سنة في أيت بوكماز وسنة في ورزازات في إطار التكامل”.

 

بشرى.. حلم منكسر وغصة لا تزول

القصص في آيت بوكماز لا تنتهي، وبيوتها مفتوحة بترحيب بالغ للزائرين، حين تحدثنا إلى حسن لعكون عن وضع التعليم في المنطقة، فضل أن يتركنا نكتشف ذلك بأنفسنا، لذلك انعطفنا وصعدنا مرتفعا لنقابل بشرى، في بيت الأسرة.

بشرى كوكوس، تبلغ من العمر 21 سنة، صعدنا السلم خلف جدها إلى داخل البيت، واستقبلنا بابتسامة هادئة في غرفة المعيشة، وسط ترحيب الجد والوالدة، بساطة الناس هنا وحرارة استقبالهم تنسيك تعب الطريق ومشقتها.

بشرى كوكوس تتحدث بحسرة عن حلمها الموؤود

 

لم تنتظر بشرى أن نطرح عليها الأسئلة، فالفتاة تحمل غصة في صدرها بسبب عدم قدرتها على إكمال الدراسة، “غادرت المدرسة من مستوى الثامنة أساسي (السنة الثانية ثانوي-إعدادي)، لم يكن هناك نقل مدرسي، وكنت أقطع مسافة طويلة جدا للوصول إلى المدرسة”، تقول الفتاة الهادئة التي تجلس أمامنا.

في المرحلة الإعدادية صار الوضع أصعب، لكن الوضع المادي للأسرة لم يسعف الفتاة الهادئة لتكمل دراستها، وفرض عليها القرار الصعب، “لم أحصل على منحة دراسية، وليس لدى أسرتي القدرة على دفع تكاليف دار الطالبة أو المدرسة الداخلية، لذلك لم يكن من حل سوى ترك الدراسة”، تقول خديجة.

خديجة، والدة بشرى، تحمل بدورها في قلبها نفس الغصة، وهي تسترجع لحظة ترك ابنتها الدراسة تتحدث إلينا بحسرة واضحة: “أحسست بشعور صعب لا يوصف، حينها كنت كمن مات أحد أفراد عائلته، لقد غضبت ولكني لم أستطع تركها تذهب للمدرسة بمفردها”.

توضح الأم في حديثها ضيق ذات اليد الذي فرض على بشرى ترك الدراسة: “لا أملك ما يكفي لأدفع لها تكاليف النقل، لم تحصل على منحة دراسية ولا قدرة لي على دفع تكاليف دار الطالبة، لا أملك أرضا ولا مالا، نحن نعيش على كرم الناس وإحسانهم”.

تعمل بشرى الآن في محلبة لتساعد والدتها على تكاليف العيش، وتحدثنا عن حلمها الموؤود، “كنت أرغب في إكمال دراستي والانضمام إلى سلك الدرك الملكي، لكن لم يكتب لي تحقيق ذلك” تقول لنا بحسرة، وتوضح أن 4 فتيات فقط ضمن دفعتها أكملن دراستهن، “واحدة من دوار إفران وثلاث من تغوليت ذهبن للدراسة في أزيلال” وصفتهن بالمحظوظات.

توضح بشرى أن أفضل مصير لأغلب الفتيات بعد الانقطاع عن الدراسة هو الزواج، “يتزوجن في سن السابعة عشر أو الثامنة عشر”، هذا الأمر يؤكده محمد خاش، وهو فاعل جمعوي مهتم بالتعليم، في حديثه إلينا: “بسبب بعد الثانوية ترغم الفتيات على ترك الدراسة، وبعد ذلك يكون مصيرهن الزواج في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة”.

ويشرح محمد خاش أن “مشكلة التعليم في آيت بوكماز هي أن الثانوية الإعدادية والثانوية التأهلية تبعد عن آخر دوار بمسافة 20 كلم”، وهذا يسبب الهدر المدرسي الذي “يمس بنسبة 99 في المائة الفتيات”.

وذكر خاش أن ساكنة دوار إفران قدمت عقارا (بقعة أرضية)، هبة من أجل بناء المدرسة الجماعاتية بالمنطقة، في إطار مبادرة مشتركة بين الجماعة الترابية تبانت والمجتمع المدني، ولكن يسجل محدثنا أن الهبة تم تسليمها قبل سنتين ولازالت الساكنة تنتظر بسبب التماطل.

ودعتنا بشرى عند الباب مع والدتها التي كانت تتجاذب أطراف حديث يختلط بالوداع من خاش، فالأم تحمل هم اثنين من أبنائها، ولد وبنت، بلغا المرحلة الحرجة والتي تعني اتخاذ القرار بالانقطاع عن الدراسة أو حدوث “معجزة” خصوصا بالنسبة للفتاة، بينما خاش يحاول طمأنتها على ضوء نتائج الحوار الذي أجرته السلطات الإقليمية لعمالة أزيلال مع ممثلي الساكنة، وانتهى بوعود مهمة تفتح أملا لأهل الهضبة السعيدة.

حين غادرنا البيت البسيط، كان علينا البحث عن مرتفع تلو آخر من أجل التقاط الشبكة للاتصال بزملاء آخرين ضمن الفريق كانوا بدورهم بصدد البحث عن الشبكة لنحدد مكانا نلتقي فيه.

خديجة تنظر إلى ابنتها بشرى وتأمل ألا يلقى بقية أبنائها نفس المصير

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...