-ملفات تادلة 24-
في مدينة الفقيه بن صالح، ووسط تحديات الحياة اليومية وضغوط الهشاشة، وُلدت فكرة “تعاونية كفاحي وإشراقة”، التي تحمل في طياتها نموذجا فريدا لتحويل الإعاقة إلى مصدر قوة واليأس إلى مشروع حياة. إنها تجربة حقيقية تختزل جوهر فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، من خلال التمكين الاقتصادي والاجتماعي للأشخاص في وضعية هشاشة.
تأسست هذه التعاونية سنة 2022 بإقليم الفقيه بن صالح تحت اسم “تعاونية كفاحي واشراقة لتموين الحفلات”، وتضم خمسة أعضاء يتقاسمون جميعا قصص كفاح شخصي، حيث لم تكن الإعاقة أو الظروف الاجتماعية القاسية حاجزا أمام طموحهم المشترك.
السعدية شرحبيل، رئيسة التعاونية، امرأة مطلقة من مواليد 1973، واجهت لسنوات واقعا اجتماعيا صعبا، لكنها تشبثت بالأمل والإرادة، وآمنت بأن الكرامة لا تتحقق إلا من خلال العمل والإنتاج.
عائشة بهيجة، من مواليد 1970، مطلقة أيضا، اختارت تحويل تجارب الحياة الصعبة إلى طاقة إيجابية موجهة نحو خدمة مشروع جماعي.
أما أمان حنين، الشابة العازبة من مواليد 1990، فتمثل صوت الجيل الجديد من النساء الطموحات اللواتي يؤمن بأن المستقبل يُصنع بالإرادة وليس بالانتظار.
وينضاف إليهن كل من الحسن مؤدن (1982) والمصطفى لعواطني (1973)، وهما ربّا أسرتين لم تمنعهما الإعاقة من الإيمان بجدوى الشغل كوسيلة للعيش الكريم.
استفادت التعاونية من دعم مباشر من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة إقليم الفقيه بن صالح، التي لم تكتف بتقديم الدعم المادي والتجهيزات، بل واكبت مراحل التأسيس والتكوين والتأطير، مع انخراط فعلي للمسؤولين المحليين، وفي مقدمتهم السيد عامل الإقليم، الذي حرص على تتبع المشروع وتذليل الصعوبات أمامه.
وفي تصريح صحفي، قالت السعدية شرحبيل:”ما عشناه داخل التعاونية هو انتصار على الإقصاء، وبهذه المناسبة، أتوجه بجزيل الشكر لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي وضع الإنسان في قلب المشروع التنموي، وللمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي آمنت بنا ودعمتنا منذ الخطوة الأولى. كما نوجه الشكر الخاص للسيد العامل على ثقته ومواكبته التي صنعت الفرق”.
وقالت عائشة بهيجة، وهي تتحدث بعينين يملؤهما الأمل:
“مشروعنا منحنا القوة لنواجه الحياة برأس مرفوع، إذ لم نعد ننتظر المساعدات، بل أصبحنا نمنح الأمل لغيرنا”.
من جهته، أكد الحسن مؤدن أن التعاونية كانت نقطة تحول في حياته، قائلا: “لم أعد أشعر أنني عبء على أحد، فنحن اليوم ننتج، نخطط، ونبني مستقبلنا بأيدينا..ومن هذا المنبر أتوجه بالشكر للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالفقيه بن صالح ولكل من مدّ لنا يد الدعم والتقدير”.
بدأ المشروع بخدمات بسيطة كإعداد المأكولات، تنظيم الموائد وتزيين الفضاءات، ليتحول تدريجيا إلى عنوان للجودة والالتزام في السوق المحلي. وبفضل مثابرة الأعضاء، استطاعت التعاونية أن تفرض نفسها كفاعل مهني في مجال تموين الحفلات داخل المدينة.
واليوم، وبعد أكثر من عامين من العمل الجماعي، تتطلع التعاونية إلى توسيع نشاطها لتشمل مزيدا من الخدمات، وخلق فرص شغل جديدة لفائدة نساء ورجال في وضعيات مماثلة، من ذوي الاحتياجات الخاصة أو محدودي الدخل، في أفق تعزيز دينامية الاقتصاد المحلي وتقليص نسب البطالة.
وتبقى “كفاحي وإشراقة” أكثر من مجرد مشروع اقتصادي؛ إنها رسالة مجتمعية قوية تؤكد أن ذوي الإعاقة لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى فرص عادلة، وأن الكرامة تُبنى على أسس الإرادة، التكوين، والتضامن.


