ملفات تادلة تحاور منير البرش – مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة

أجرى الحوار: خالد أبورقية

 

  • خلّد العالم خلال الأسبوع المنصرم، يوم الصحة العالمي، كيف مرّ هذا اليوم على العاملين في مجال الصحة، من أطباء وممرضين ومختصين ومنقذين، في قطاع غزة؟

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية إليك يا أخي الحبيب، وإلى أهل المغرب الكرام، الحقيقة نحن في فلسطين نحب المغرب ونحب أهله، ونسأل الله عز وجل أن ينفع بكم.

يستهدف الاحتلال القطاع الصحي بشكل مباشر، وكانت لديه سياسة ممنهجة في استهداف المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، نحن نتحدث منذ بداية هذه الحرب، ومنذ السابع من أكتوبر، الاحتلال قتل أكثر من خمسين ألف شهيد حتى اللحظة، من بينهم خمسة عشر ألفا وستمائة وخمسة عشر طفلا، وهو ما يمثل ثلاثين بالمائة من اجمالي الشهداء، أي أن الاحتلال كان يستهدف الأطفال من بين هؤلاء الشهداء. كما استهدف ايضا مائة وخمسة عشر ألف جريح، وما يزيد، من بينهم ثلاثة وثلاثون ألف طفل جريح، وهو أيضا يمثل ثلاثين بالمائة من الجرحى. بمعنى آخر كان الاحتلال على الدوام يمعن في قتل الطفل الفلسطيني.

في يوم الصحة العالمي الذي يحتفل العالم به، ويحتفل بأنه قد أنجز “عالما صحيا” كما يقال، إلا أن هذا العالم الحر للأسف الشديد ترك غزة ومستشفياتها فريسة للاحتلال الإسرائيلي.

 

  • أعلنتم، في وزارة الصحة الفلسطينية، عن نسبة عجز مرعبة من الأرصدة الدوائية، في المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية في قطاع غزة، فضلا عن أزمات أخرى يعاني منها القطاع الصحي، هل يمكنكم بسط هذه الأرقام وتبسيط أثر هذا العجز بأمثلة حية؟

 

الحقيقة أن هناك أزمات عديدة في وزارة الصحة، أزمة في التطعيمات (اللقاحات) التي ما زال الاحتلال يصر على عدم إدخالها، هناك أكثر من 600 ألف طفل تم تطعيمهم في المرحلة الأولى، ويحتاجون تطعيماً آخر في المرحلة الثانية، حتى اللحظة يمنع الاحتلال التطعيمات من الدخول، وهي تطعيمات خاصة بـ POLIO أو شلل الأطفال.

هناك أيضا أزمة متكررة لدينا، وهي أزمة الوقود ومولدات ومحطات الأكسجين مازال احتلال يمنع دخولها، كما يمنع المرضى من السفر إلى الخارج لاستكمال العلاج، فهو أقفل المعابر كلها ويمنع ما يقارب 13 ألف مريض. هؤلاء أتموا إجراءات التحويل وينتظرون السفر، ومن بينهم فقدنا ما يقارب 1300 مريض ماتوا وهم ينتظرون.

الاحتلال أوجد أكبر حالة إعاقة في العالم جراء الحروب، وسجلت وزارة الصحة ما يقارب 4700 حالة بتر، 18 % منهم أطفال، ما يقارب 850 حالة بتر لدى الأطفال حتى اللحظة، من ضمن هذه الحالات 34 % من حالات البتر في الأطراف العلوية، و66 % في الأطراف السفلية. إضافة إلى ذلك تم تسجيل أكثر من 1800 إصابة في الدماغ والحبل الشوكي، أدت إلى إعاقات دائمة.

الاحتلال الإسرائيلي يمنع حتى الآن دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، 54 % من أدوات السرطان وأمراض الدم غير موجودة. 40 % من أدوية الرعاية غير موجودة، و51 % من أدوية خدمات صحة الأم والطفل غير موجودة.

ونحن من خلالكم نجدد دعوتنا للمجتمع الدولي، ولأهلنا في العالم الحر، سواء كان عالما إسلاميا أو عالما غربيا، للتدخل العاجل والفوري لوقف هذا التدهور وهذا الموت البطيء، وهذا القتل العشوائي، وهذه الإبادة الجماعية وهذا التطهير العرقي.

 

  • نتابع ويتابع العالم، منذ أكتوبر 2023، تعرض المستشفيات والمراكز الصحية، والكوادر الطبية، للاستهداف من طرف قوات الاحتلال، بداية بمستشفى المعمداني مرورا بمجمع الشفاء الطبي، وصولا إلى مستشفى ناصر، وغيرها، ما هو وضع البنية الطبية للقطاع، وتأثير ذلك على ساكنة القطاع على مستوى المدن والأحياء والمخيمات؟

 

الاحتلال الإسرائيلي استهدف مجمل المستشفيات في قطاع غزة، وعددها 38 مستشفى ما بين قطاع خاص وقطاع عام، التي يعمل منها فقط 18 مستشفى بشكل جزئي، بينما خرجت عن الخدمة أكثر من 20 مستشفى بشكل كامل.

الاحتلال دمر 6 مستشفيات، من بينها المستشفى الرئيس، وهو مستشفى الشفاء، وهو يمثل ما يقارب نصف العمل في القطاع الصحي، حيث إنه أكبر مجمع طبي، ويحتوي على أكبر عدد من الأسرة في فلسطين. أيضا استهدف مراكز الرعاية الأولية، فمن بين 103 مراكز رعاية أولية، لا يعمل حاليا سوى 38 مركزا بشكل جزئي.

وكان للاحتلال الإسرائيلي أيضا استهداف مباشر للمنظومة الصحية.  فقتل أكثر من 1394 من كوادرها، من بينهم 150 طبيبا، و221 ممرضا، واعتقل أكثر من 360 من كوادرنا الصحية. وكان من بين الذين اعتقلهم الدكتور حسام أبو صفية، وهو ذلك الطبيب الذي دافع بكل حرية عن مرضاه في مستشفى كمال عدوان.

الأسير الدكتور حسام أبو صفية

أيضا فقدت المنظومة الصحية الكثير من الأطباء المختصين، وفق إحصاء أجريناه قبل فترة للمنظومة الصحية، وجدنا أننا فقدنا أكثر من 400 طبيب، من بينهم 200 طبيب متخصص يحملون شهادات عليا في التخصص، أو “البورد”، من بينهم كان دكتور عدنان البرش، رئيس قسم جراحة العظام في مستشفى الشفاء، وهو من أبرز كوادر وزارة الصحة الفنية، الذي اعتقله الاحتلال، وعذّبه تعذيبا شديداً ومن ثم قتله قتلا أمام العالم.

أيضاً أفقد الاحتلال الإسرائيلي المستشفيات القدرة السريرية، كان لدينا ما يقارب 3412 سرير مبيت، فأبقى الاحتلال الإسرائيلي على 1642 سرير فقط، وهو ما يعني فقدان أكثر من 52 بالمائة من القدرة السريرية.

كذلك العناية المركزة، وأسرة العناية المركزة، انخفضت من 312 سرير عناية مركزة إلى 52 فقط، مما هو موجود حاليا، كذلك أسرة عناية حديثي الولادة تقلصت من 162 سريرا إلى 75 سرير.

الاحتلال الاسرائيلي أمعن في قتل الفلسطينيين، وخاصة المرضى، فعندما نقول إن مرضى غسيل الكلي في غزة يتجاوزون 1244 مريضا، الاحتلال قتل 40 بالمئة من هؤلاء، ما تبقى فقط 720 منهم، إما بالقتل المباشر أو بعدم توريد الدواء المناسب، ومضاعفات فقداننا لكثير من وحدات الغسيل الكلوي.

 

الشهيد الدكتور عدنان البرش

 

  • يعتبر مراقبون أن استهداف المستشفيات والمنشآت والكوادر الطبية، في هذه الحرب، أمرا غير مسبوق، ولم يتوقف الاحتلال عن الادعاء في كل مرة أنها تستخدم كـ “مراكز قيادة وسيطرة لحركة حماس”، دون أن يقدم دليلا على هذا الأمر، ما هو تفسيركم لتركيزه على تدمير القطاع الصحي؟

 

الحقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي اليوم يطبق إطباقا كاملا على غزة، ويمنع دخول الدواء. وزير الاحتلال بتسلئيل سموتريش قال: “سنمنع عنهم القمح أيضا، ولن ندخل حبة قمح واحدة، وإيتمار بن غفير يقول: “لا أريد أن أرى النور في غزة”. فيطالب الحكومة بإقفال ضوء الشمس عن أهل غزة.

الحقيقة أننا أمام احتلال نازي وفاشي وسادي يستمتع بالقتل، ومن ضمن تصنيفاته، حتى اللحظة، أن المناطق التي تدمرها وحداته العسكرية، وهذا يجعل بينهم تنافسا بمن يفوز بالتدمير الأكبر، يعتبر منطقته خضراء، على عكس نفسيات العالم. نحن عندما نزرع شيئا نقول هذه المنطقة خضراء، وعندما يدمر يسميها منطقة خضراء.

ما يحصل في غزة هو سياسة اتبعها الاحتلال، وهي سياسة حرب الإبادة الجماعية، وتهدف إلى التهجير والتطهير العرقي، والمستشفيات تضررت كاملة، ومع ذلك أطباء غزة، كل الاحترام لهم، حتى اللحظة لم يخلعوا معاطفهم البيضاء، ولم يغادروا مستشفياتهم، وهم متسلحون بالإيمان والإرادة الحديدية.

 

  • كان عدد الضحايا الذي تعلنه وزارتكم يثير عددا من الشكوك في بعض وسائل الإعلام الغربية، لكن دراسة أجرتها مجلة Lancet أوردت أرقاما تفوق بكثير الإحصاءات التي تقدمونها، ما هو سبب هذا التباين، وما هي الإجراءات التي تتبعونها في توثيق وحصر أعداد الضحايا؟

ما نتحدث عنه بشأن الأرقام، نحن نتوافق مباشرة مع المنظمات الدولية التي تشاركنا هذه الأرقام، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وكل رقم نذكره مسجل لدينا ومسجل لدى الأمم المتحدة، لذلك تجد الأرقام متطابقة مع ما يعلنه المفوض العام للأمم المتحدة، وما يعلنه مدير الصحة العالمية، فأرقامنا لا خوف عليها فهي ضمن برنامج يسمى “برنامج صحتي”، وفرته منظمة الصحة العالمية ندرج فيه أسماء الشهداء والجرحى.

ونحن كشعوب عربية وإسلامية، وشعوب قبلية، لا نستطيع إلا أن ندقق في الأسماء ونحقق فيها، فكل شهيد له صورة وعائلة، لأن هذا يندرج أيضا ضمن حياتنا العامة، حيث أن لكل شهيد استحقاقه القانوني، ويأتي أيضا ما يتطلبه الشرع في قضايا المواريث، فلذلك نحن ندقق أشد التدقيق في موضوع الأسماء، وتسجيلها.

ما نختلف عليه فقط هو عدد المفقودين تحت الركام، لأننا لم نزل الركام حتى اللحظة، فلذلك يبقى الأمر تقديريا بشأن عدد الناس الذين هم تحت الركام، فهناك كثير من المباني والبيوت هدمت فوق ساكنيها وأضرب مثال عائلة أبو النصر لوحدها فقدت أكثر من 220 شهيدا، وما تم تسجيله فقط 160 أخرجناهم، وباقي الأسماء ما زلت تحت الأنقاض هذا مثال فقط.

فلذلك إن كانت مجلة “لانست” أو غيرها تُعطي أرقاما تزيد عن الأرقام التي نقدمها فهذا يرجع إلى شدة التدقيق التي نمارسها، فلا يمكن بأي حال أن يسجل شهيد إلا إذا تمت الإجراءات القانونية، حيث يتم التسجيل الرسمي بحضور قاضي محكمة، لأن هذا تنبني عليه حقوق الغير وحقوق الناس.

ولهذا فنحن مسؤولون عن أرقامنا، ولا يمكن أن يكون فيها خلل، نحن نتحدث عن خمسين ألف شهيد و116 ألف جريح، نتحدث عن هذه الأرقام بكل ثقة، وبكل مسؤولية وفق الوضع القانوني، وكل مساءلة نحن مستعدون للإجابة عنها.

 

  • ما هي الرسالة التي توجهونها إلى زملائكم في المغرب؟

أريد أن أشكر الأهل في المغرب الكريم، نشكر لكم استضافتنا، ونسأل الله عز وجل أن يبارك فيكم وفي عملكم وفي جهدكم، وشكرا لكم.




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...