– عز الدين أهرموض –
يأوي المواطنان المغربيان، مازن المقوسي (60 عامًا)، وابنه أحمد (33 عامًا)، إلى خيمة نصباها يدويًا فوق أنقاض منزلهما المدمر في منطقة النصر، شمال غرب مدينة غزة. كان ذلك البيت واحدًا من آلاف البيوت التي سُوّيت بالأرض بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية، ضمن حملة تدمير ممنهجة بدأت في السابع من أكتوبر 2023، وما تزال مستمرة دون هوادة.
ليست الحرب فقط ما يهدد حياة مازن، فالرجل مريض بالقلب، ويحتاج بشكل عاجل للعلاج، حسب ما تؤكد تقارير الطبية اطلعت عليها ملفات تادلة، التي تؤكد معاناته من ضعف شديد في عضلة القلب، ولذلك وقعت إدارة العلاج بالخارج، في وزارة الصحة الفلسطينية، موافقة على تحويله من مستشفى غزة الأوروبي إلى خارج قطاع غزة.
وينتظر الرجل الستيني وابنه، أن يظهر اسماهما على لائحة المصالح القنصلية المغربية، كي يمكنهما مغادرة القطاع المدمر إلى مصر، وقد وصلا فعلا إلى معبر رفح، برفقة باقي أفراد العائلة، بينهم زوجته راوية المقوسي، في دجنبر 2023، لكنهما لم يتمكنا من العبور، فقد كان القرار السماح بعبور النساء والأطفال فقط من حاملي الجنسية المغربية.
يوم 23 دجنبر 2023، وصل مازن وابنه أحمد إلى معبر رفح، يرافقهما أفراد العائلة، بينهم زوجته راوية المقوسي، بعد أن سمعوا بأن المغاربة سيتم إجلاؤهم. “خرج رجل من المعبر ونادى على حاملي الجنسية المغربية”، تحكي راوية لملفات تادلة، “توجهنا إلى الصالة المصرية في انتظار المندوب المغربي، لكن للأسف، لم يسمح للرجال والشباب بالمغادرة، واقتصر العبور على النساء والأطفال فقط”. منذ ذلك اليوم، فُصل مازن وابنه عن أسرتهما، وتدهورت حالتهما الصحية والمعيشية.


خيمة فوق الركام… وحياة في المجهول
نجا مازن وابنه من قصف استهدف معبر رفح، وبعدما رفضت السلطات عبورهما، اضطرا إلى العودة جنوبًا نحو مواصي خان يونس، في ظل أجواء باردة وأمطار غزيرة، ونصبا خيمتهما المهترئة في أرض قاحلة، لا تحمي من البرد ولا من الأمراض. “تعرض زوجي لوعكة صحية شديدة بسبب مرض القلب الذي يعاني منه، وأُصيب أحمد بأمراض جلدية جراء الوضع الصحي المتدهور”، تقول راوية.
حين تم إعلان الهدنة المؤقتة، قرر مازن وأحمد العودة إلى مدينة غزة سيرًا على الأقدام، محمّلين بحقائب بسيطة فوق ظهورهم. وجهتهم: أنقاض منزلهم، حيث أعادا نصب خيمتهما، في محاولة يائسة لاستعادة شيء من الحياة. لكن الحرب عادت مجددًا، وهذه المرة، صارت المنازل المدمرة نفسها أهدافًا جديدة للقصف. في هذا الوضع الكارثي، تتكرر المأساة اليومية لتوفير الماء والطعام، وسط غياب تام لأبسط مقومات الحياة.
ويبدو أن مازن المقوسي علق في دائرة زمنية تتكرر، فالرحلة تشبه إعادة عكسية لرحلة النزوح الأول، “خرجنا بما علينا من ثياب فقط، تركنا كل شيء خلفنا”، تحكي راوية، وهي تصف بداية النزوح، يوم السابع من أكتوبر 2023.
“يوم السبت في الصباح الباكر. استيقظنا علي صوت الصواريخ ولا نعلم ماذا يحدث. وفى نفس اليوم بدأت رحلة نزوحنا، خرجنا بما علينا من ثياب فقط ولم نستطع أخذ شيء بسبب الوضع الصعب، ذهبنا الى منطقة تل الهوى معتقدين أن الحرب ستنتهي بعد عدة أيام”، تقول محدثتنا.
من منطقة تل الهوى، حيث كانت العائلة تظن أن الحرب لن تدوم أكثر من أيام، بدأت رحلة العذاب، فبعد أوامر إخلاء من جيش الاحتلال، توجهت إلى مخيم النصيرات، حيث مكثت ثلاثة أشهر تحت وقع القصف، وسط نقص شديد في المياه والطعام. “حمانا الله من الموت مرات عديدة، لكننا كنا نكافح فقط لأجل رغيف خبز يسد جوع الأطفال”، تضيف راوية.
لاحقًا، انتقلت العائلة إلى مدينة رفح، على الحدود المصرية، ونصبوا خيمتهم قرب المعبر، بعد انقطاع شبكات الاتصال والإنترنت، على أمل أن تُدرج أسماؤهم في كشوفات الإجلاء.
إلى جانب مازن وأحمد، توجد عائلة شقيقه نافذ المقوسي، المكونة من تسعة أفراد، بينهم أطفال ونساء. نافذ، البالغ من العمر 65 عامًا، يعاني من مرض السرطان، ويحتاج هو الآخر لعلاج عاجل خارج غزة. ويعيش حاليًا في ظروف مأساوية، إلى جانب زوجته فاتنة عبد الكريم المقوسي، وأطفاله وسيم، وأماني، ودانا. ولا يختلف حال ابنه يوسف كثيرًا، إذ يقيم مع زوجته سالي عاطف المقوسي وطفلتيهما روان وفاتن، في خيمة بلا دواء أو أمل.

“عاد العدو للقصف مرة أخرى، ويقصف أيضا المنازل المدمرة، إنها مأساة، لا يوجد ماء والطعام غير متوفر، نحن ننتظر فرج “، تقول راوية بحسرة في حديثها لملفات تادلة، أما ابنتها غدير المقوسي، التي تحدثت إلينا بدورها فقد توجهت بندائها “لجلالة الملك حفظه الله ورعاه للتدخل من أجل اجلائهم بسرعة لأن الوضع عاد أسوأ من الأول”.
وغير بعيد عن غزة، في منطقة دير البلح، يحاول لؤي الشيخ أن يصمد برفقة أسرته الصغيرة، في ظل حرب لا ترحم، وفي غياب كل مقومات العيش، فالاحتلال قرر قطع المياه ويمنع المساعدات الغذائية من الدخول، بينما تتحدث منظمات أممية ودولية عن المجاعة.
توصلت جريدة “ملفات تادلة” بجوازات سفر عائلة الشيخ المغربية العالقة في غزة، والمتواجدة حاليا بمنطقة دير البلح، ويتعلق الأمر بلؤي الشيخ، وزوجته سناء ناجيمي (43 سنة)، من مواليد عمالة الصخيرات تمارة، وأطفالهما الثلاثة: الطفل طلال الشيخ (9سنوات)، ومحمد الشيخ (6 سنوات)، الصغيرة سوار الشيخ التي تبلغ من العمر 4 سنوات ونصف.
منذ اندلاع الحرب، تتنقل العائلة من منطقة لأخرى، هربا من القصف، في ظل ظروف قاسية، ودون أي مؤشرات على قرب إدراج أسمائهم ضمن قوائم الإجلاء المغربية من قطاع غزة.
عائلة اليعقوبي.. 8 شهداء والعشرات بدون مأوى
ومن القصص الأكثر مأساوية، تبرز عائلة اليعقوبي، التي تعود أصولها إلى مدينة جرسيف، وهم أحفاد الولي الصالح يعقوب بن عبد الواحد، مؤسس الزاوية اليعقوبية التي يوجد مقرها في قرية ارشيدة بجماعة المريجة إقليم جرسيف.
خلال هذه الحرب، ودع أحفاد يعقوب بن عبد الواحد ثمانية من أقاربهم في قصف الاحتلال، “ودعنا عمي سليم (55 سنة)، وأحمد اليعقوبي (43 سنة)، وخليل اليعقوبي وحكيم اليعقوبي، إضافة إلى يوسف اليعقوبي (27 سنة)” يقول أحد أبناء العائلة في حديث مع ملفات تادلة. “وضمن الشهداء أيضا ابنة عمي نغم اليعقوبي وزوجها وأطفالها” يضيف نفس المصدر.
كان عدد أفراد عائلة اليعقوبي، قبل الحرب حوالي 100 شخص، “ارتقى للعائلة 8 من أبنائها ما يمثل حوالي 10 % منا”، يقول مصدرنا بحسرة، و”لا يزال 65 من أبناء العائلة يعيشون في مراكز الايواء والنزوح في المناطق المصنفة إنسانيا في منطقة جنوب غرب قطاع غزة الآن”.
قبل الحرب كانت العائلة تتوزع على 21 إقامة سكنية، معظمها في مدينة غزة، وأخرى في الشمال أو في رفح، والآن جميع من تبقى منهم يعيشون في العراء، “دمر الاحتلال كل إقاماتنا، منها 11 إقامة سكنية في مدينة غزة نفسها، و4 إقامات سكنية في شمال غزة، وكذلك 9 إقامات سكنية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة” يوضح مصدر العائلة.

وينظر آل اليعقوبي إلى عدم التجاوب مع مطالبهم بالإجلاء أو العناية بهم داخل القطاع بكثير من الحسرة، ويؤكد مصدر العائلة في حديثه إلينا: “أقامت الدول التي تبقت لها جالية في غزة مخيمات نزوح خاصة بهم، برعايتها أو بتكليف من يرعاها ولكن هذا لم نجده من سفارتنا”.
الحسرة نفسها نجدها لدى المغاربة المقيمين في قطاع غزة وهم يقارنون وضعهم مع وضع مواطنيهم المغاربة المقيمين في مناطق أخرى من فلسطين، “نلاحظ نشاطات متلاحقة من بيت مال القدس الشريف موجهة لتعزيز صمود المغاربة في مدينة القدس، وهذا جيد، لكن هناك تجاهلا تاما للمغاربة في قطاع غزة رغم مناشدتنا”.
مناشدة آل اليعقوبي بدورها تتجه إلى الملك، ويؤكد محدثنا من العائلة “رغم التعليمات الملكية السامية للسفارة المغربية في رام الله، لتنسيق خروج من يريد من أبناء العائلة من قطاع غزة وقت اشتداد الحرب إلا ان هناك تباطؤا كبيرا”.
في هذا السياق يطرح السؤال عن جدوى إقامة العلاقات مع دولة الاحتلال وجدوى وجود مكاتب تمثيل في كل من الرباط وتل أبيب، إن لم تفد في الحد الأدنى في التعامل مع الوضع الإنساني الصعب الذي يعيشه المغاربة في قطاع غزة.
الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان.. صرخة لازالت تنتظر
سبق الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن أطلقت نداء، بتاريخ 5 دجنبر 2023، نداء دعت فيه الدولة المغربية إلى التدخل الفوري لإنقاذ حوالي 2000 مواطن مغربي عالقين في قطاع غزة، يتعرضون لمخاطر القتل والاستهداف المباشر دون وجود ممرات آمنة.
وأشار البلاغ إلى أن الرابطة، تلقت شهادات ميدانية من داخل القطاع، تؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي يقصف كل من يتحرك في غزة، كما أن بعض حاملي الجنسية المغربية لم يعترف بهم رسميًا، مما زاد من تعقيد وضعيتهم.
وأكدت الرابطة، حينها، أنها بصدد مراسلة الديوان الملكي وجميع الجهات الحكومية المغربية المعنية، كما تعتزم مراسلة الرئاسة المصرية عبر سفارة القاهرة بالرباط، في محاولة لتأمين مخرج إنساني. وأعربت عن تضامنها مع الضحايا، من بينهم محمد المريني كمثال، وطالبت بتسهيل عاجل لإجراءات الإجلاء عبر معبر رفح، دون تمييز في النوع أو السن أو الوضع الصحي.
وحذرت المنظمة، الحاصلة على صفة استشارية خاصة لدى الأمم المتحدة، من أن صمت المغاربة العالقين لا يعني موافقتهم أو قدرتهم على الاحتمال، بل هو نتيجة خوف حقيقي من الانتقام من طرف الاحتلال الإسرائيلي.
منذ سنة ونصف، يواجه المغاربة العالقون في غزة مصيرًا مظلمًا في ظل غياب الحماية، وسط تساؤل مشروع: إذا لم تُفعّل الدولة المغربية آلياتها لحماية مواطنيها في أوقات الخطر، فما جدوى التمثيليات الدبلوماسية والعلاقات الدولية؟


