– محمد لغريب –
وأنا أقرأ المقال المعنون بعكاشة فاميلي تذكرت هرمين كبيرين طبعا الساحة الفكرية العربية هما المهدي عامل و يوسف إدريس، وتذكرت الحوار الذي دار بينهما و الذي نشرته جريدة روز اليوسف في احد أعدادها، عن الجدوى من الكتابة الصحفية.
قال يوسف إدريس الكتابة هي امتحان للأسلوب، و رد عليه المهدي عامل قائلا نعم تكون كذلك حينما يكون الكاتب بدون قضية و أن كل يد ملطخة بما تكتب.
هكذا إذن يتضح المضمون السياسي لهذه القضية، فمعاد الحاقد غنى لعشاقه و لرفاقه و لمحبيه الذين رددوا ويرددون أغانيه باستمرار لأنها تعبر عن هموم شريحة تنتمي إلى الأحياء و المدن السفلى التي نخرتها البطالة و التهميش و الإقصاء و المخدرات و الدعارة وغيرها، جراء السياسات الممنهجة المسلطة على رقاب هذا الشعب . والغزيوي يريد للحاقد أن يغني أغنية العام زين ويرسم صورة جميلة لهذا البلد الأمين و لو بكلام أسقط من الساقط كما يغني الفتى المخنت البيغ الذي يحظى بالهالة و التشجيع من قبل (صحافة) نضعها بين قوسين حتى لا نقول أكثر. وهنا يطرح السؤال الأساسي هل تصح المقارنة بين الصحافة الجادة و صحافة الرصيف ؟ الجواب طبعا لا.
قرأت كل الجمل و الكلمات و كلفت نفسي بمهمة إنهاء مقال المختار لغزيوي الذي تناول فيه الألبوم الأخير للفنان الحاقد، و لم يخطر ببالي أن تصل الوقاحة ببعض من يسمون أنفسهم صحافة إلى هذا الحد من الكراهية و الحقد تجاه شاب يغني و ينتصر لقضايا هذا الشعب الجريح الذي تنكر له السياسيون و الصحافيون والفنانون…وصار لعبة بيد الخونة و الانتهازيين .
فتشت المقال من الألف إلى الياء لم أجد سوى سباب وقذف بأسلوب منمق مسجوع يعطي الانطباع أن كاتبه مختص في علم النقد الفني لكن الأمر لم يكن سوى ذلك الشاب الذي قدمه لنا الإعلام في لحظة من اللحظات رمزا للحداثة وحرية التعبير و هلم جرا من الأوصاف أثناء صراعه المفبرك مع الشيخ عبد الله النهاري، لكن ’’المشكور مكعور‘‘ كما يقول المثل العامي وطرحت السؤال على نفسي كيف يسمح المختار الغزيوي لنفسه أن يصف الناس بالشمكارة و يتمني السجن لهم حتى يتوبوا ويعودوا إلى رشدهم و يرضى عنهم سيدي المختار سيد العارفين بخبايا الرياضة و الفن و الثقافة و علوم النقد…؟
إذن أين أضعنا الطريق؟
في لحظة من لحظات الستينيات والسبعينيات، بل وحتى الثمانينيات، كان لدينا أناس تسري في دمهم الكتابة الجادة مناضلون سياسيون نقابيون طلبة يتحدون القمع والسجن و يقولون الحقيقة كما رأتها أفكارهم لا كما رسمت لهم في الكواليس وفي الجلسات المغلقة يتحدون المستحيل ويستخرجون الممكن من ثناياه.
في لحظة من لحظات الستينيات و السبعينات ،بل وحتى الثمانينات كانت لدينا أنفاس و لاماليف و أنوال.. كانت بمثابة الطاقة المفجرة للينابيع الأدبية و الفكرية و المعارك السياسية، مرسخة اليقين بانتصار حلم الكادحين و فقراء الشعب إذ أخذت على عاتقها مهمة مقاومة ’’كل ما من شأنه‘‘ المس بكرامة الإنسان المغربي، فلاهي هادنت أو ساومت بل قاومت وصمدت. أتدري لماذا يا سيدي المختار؟ لأنها ارتبطت بهموم هذا الوطن و كان عشقها لهذا الوطن يلهم حتى من أختار السير في الاتجاه المعاكس .
أما الآن فكل شيء أصبح مبتذلا صحفيون يتحدثون في كل شيء و لا يقولون أي شيء، يكتبون تحت الطلب يسهرون الليالي، وينشؤون المواقع الالكترونية، ويصرفون الأموال الباهظة لتحريف الحقائق من أجل تكبيل وعي الناس وصرفهم عن قضاياهم المصيرية في انسجام تام و تكامل للأدوار بين جيش من المرتزقة عديمي الضمير.
أما من لا حظ له في معانقة هموم هذا الشعب فالأفضل له أن يختار الرحيل مشية بلا رجعة إلى أي بلد يجد فيه المتعة لأنه سيريحنا من عبئ الكلام الفارغ. مهما حاولت سيدي المختار إبعاد التهمة عنك بالتبريرات بالحقد على الحاقد فقد أثبت ولائك للمخزن في هذه القضية ولم يعد لك مجال لإبعاد هذه التهمة التي أكدتها بالملموس في أخر مقالك.


