– ازنزار/ جريدة المناضلة –
بعد سنوات من تخريب التعليم العمومي، والقمع الشرس لنضالات الشبيبة التعليمية (طلاب وتلاميذ) المتطلعة لمدرسة عمومية ومجانية وجيدة، انطلقت موجة نضال تلاميذي على “حين غرة” من الجميع، رغم أننا كنا ننتظرها ونؤكد أن سياسة الدولة في قطاع التعليم ستحفز هذه النضالات لا محالة
على غرار كل النضالات العفوية، فجر اقتراح “برنامج مسار” الخاص بتقويم التلاميذ ودمجه في نظام للتدبير المعلوماتي والتواصل بالمؤسسات المدرسية غضب شبيبة الثانويات.
قصور في فهم دواعي الاحتجاج
راجت على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من “الانتقادات” والهجومات ضد نضالات التلاميذ الرافضة لهذا البرنامج، مؤداها؛ أن مسار “مجرد برنامج يسهل عملية توزيع لوائح التلاميذ وحركيتهم بين المؤسسات ومسك نقطهم و يمكن للأستاذ الولوج للموقع لمسك النقط مباشرة وأيضا في فترة لاحقة الآباء لتتبع نتائج أبنائهم حين سيتحول إلى برنامج آخر “مسير” السنة المقبلة”.. وبالتالي فإن نضال التلاميذ قد “أخطأ المسار” إن لم يكن كل انتقاد لهذا البرنامج مجرد “صبيانية” من أطراف لم تفهم مغزاه الحقيقي.. لكن عدم الفهم الحقيقي هو أن هؤلاء المنتقدين لا يملكون القدرة على فهم الغضب الكامن ومسبباته الجوهرية.
بينما ذهبت هجمات أخرى وجهة استصغار نضال التلاميذ ونعتهم بالكسلاء الذين يخافون من الحكامة والشفافية، وأخرى تتهم الأساتذة بتحريضهم التلاميذ لمعارضة “مسار” بالنيابة عنهم لأنهم يخشون من الاقتطاع إن أضربوا ضد هذا البرنامج.
لا يحق لمن لم يقم ولو ببادرة تواصل مع التلاميذ منذ عقود حرمانهم من تنظيماتهم وودادياتهم أن ينتقد احتجاج التلاميذ ضد برنامج دون أن “يفهموا” غاياته، هذا إن كانت هذه الدولة التي دأبت منذ عقود على تخريب تعليم هؤلاء التلاميذ تملك غايات أخرى غير سد باب التعليم في وجه أبناء الكادحين.
إن النسبة العالية للهدر المدرسي المسجلة والمعترف بها من طرف الدولة تجعل التلاميذ يتخوفون من أي برنامج للتقويم (مهما كانت إيجابياته التقنية) خصوصا إذا كان تطبيق هذا البرنامج مصاحبا بتخوفات المديرين ومعارضة الأساتذة.. وبالتالي فإن نضال التلاميذ ضد تطبيق “مسار” مشروع ولكن انتقاد هؤلاء التلاميذ دون الانخراط في نضالهم وفتح آفاق أوسع أمامه للنضال من أجل مدرسة مجانية وجيدة وعمومية “غير مشروع بتاتا”.
“مسار” في قلب تخريب التعليم العمومي
تعتبر أنظمة التقويم في “المدرسة البرجوازية” طريقة للانتقاء وغربلة المتمدرسين تبعا للأسلاك التعليم، وبالتالي فهي تديم طبقية المدرسة وكونها أداة لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. لذلك فإن الذين يعتبرون “مسار” مجرد “برنامج معلوماتي”، يغفلون عن مجمل سياسة الدولة في التعليم وينظروه إلى “برنامج مسار” كبرنامج معزول عن الغايات الحقيقية للدولة في قطاع التعليم؛ وهو التحول من “حقبة التعليم الجماهيري” إلى “التعليم النخبوي”.
فبرنامج مسار هنا يندرج في قلب تخريب التعليم العمومي وهو أداة للتحكم الفعلي في نسبة النجاح وبالتالي نسبة التلاميذ الذين يمرون نحو الأسلاك الأخرى، وهنا تقع مجمل سياسة الدول في تناقض مع مسلسل اللامركزة التي نهجته بإعطاء السلطة البيداغوجية والإدارية للأكاديمية ومصادرتها من طرف برنامج “مسار”، لكنه مجرد تناقض شكلي لدولة تسعى لتأبيد نخبوية التعليم.
لا يجب أن نتجاهل دور أنظمة التكنولوجيا في تسهيل جعل قطاع التعليم مجالا للاستثمار على المستوى العالمي وتشجيع التعليم عن بعد والتكوين الذاتي الذي يعتبر مجالا لأرباح القطاع الخاص، كما تحفز برامج المعلوميات غزو شركات الإشهار وتحويل الفضاء المدرسي إلى لائحة إعلانات مفتوحة على الأسواق.
“لا ريب أن أحد أقوى حوافز تحويل التعليم إلى سوق عالمية ضخمة يتمثل في تطور تكنولوجيا الاتصال عن بعد وخاصة ازدهار إنترنت. وبعد ملاحظة تنامي حدة منافسة عروض التعليم عن بعد بفعل قادمين جدد إلى السوق قررت الجامعات التقليدية، واحدة تلو الأخرى، اقتحام فتحة ذلك المجال”. (المحاور الثلاثة لتحويل المدرسة إلى سلعة، نيكو هيرت).
إن مبررات تسهيل التواصل بين الآباء وأبنائهم، ليس إلا مبررا لتجميل واقع قبيح، فكيف ببلد تعتبر نسبة الولوج إلى الانترنيت فيه الأدنى بين دول المنطقة وتضرب فيه الأمية أطنابها أن يلج فيها لآباء صفحات المعلوميات لمراقبة أداء أبنائهم.
فضلا عن ذلك، تتوخى الدولة المخربة لتعليم الفقراء، تحميل التلاميذ وأسرهم مسؤولية نتائج سياساتها المدمرة، أي اعتبار التلاميذ مسئولين عن فشلهم الدراسي، وتحميل أسرهم وزر ذلك لكونهم “لم يتتبعوا مسارهم الدراسي”.
إن مسألة التعليم ليست مسألة تقنيات وبرامج، بل مسألة اختيارات سياسية وانحيازات طبقية وخضوع لإملاءات مؤسسات الرأسمال العالمي.. لذلك فمن يعتبر “مسار” مجرد “برنامج معلوماتي” يغفل عن هذا الجانب ويقع في أحابيل إعلام الدولة الأيديولوجي.
هذا الفخ يمكن أن نقع فيه ونحن نقيم أي نضال يخوضه الكادحون، فهم في طور نضالهم البدائي لا يقومون ضد مجمل نظام الاضطهاد والاستغلال، بل ضد تجل من تجلياته… ونتذكر الهجمات على الأساتذة الذين يناضلون من أجل حق الترقية بالشهادة، الهجمات التي تلح على أن الترقية بالمردودية أحسن نظام لتقويم أداء الأساتذة بينما الترقية بالشهادة ضد الشفافية والحكامة… إلى آخره من انتقادات العاجزين عن النضال والذين يكررون كالببغاء مبررات الدولة عن وعي أو عن غير وعي.
مع الجماهير أينما تناضل
اقتحام مدهش للشارع قامت به الشبيبة التلاميذية، اقتحام جعل دولة القمع البرجوازي تتريث في استعمال ما ألفته من قمع تجاه أي حركة احتجاج تتحدى حظر الشارع، اقتحام جعل الوزارة تتريث وتبرر وتؤجل فيما يخص برنامج مسار.
إن كان هناك قصور يجب لفت الانتباه إليه، فليس هو اعتبار “مسار” مجرد “برنامج معلوماتي”، بل إدراج هذا البرنامج ضمن مجمل سياسة الدولة لتخريب قطاع التعليم العمومي وهو ما سيتنبه إليه التلاميذ مع تطور نضالاتهم ومراكمة التجارب.
حين يتواجه نضال الجماهير مع الدولة، فنحن إلى جانب الجماهير حتى وهي تخطئ.. ففقط بتجربتها وبالتواجد إلى جانبها تستطيع تصحيح أخطائها وتطوير مطالبها وبذلك فقط “لن تخطأ المسار”.. وليس بالتعالي عن هذا النضال وانتقاده على نوافذ “الفايسبوك”.
تحية لكم أيها التلاميذ في “مسار” نضالكم… فقد أحييتم فينا الأمل |


