ماهي خلفيات الصراع بين النزعة الغربية والأصولية المشرقية حول تاريخ الفلسفة ؟

– جمال لعفو –

 

لقد طرحت هذا السؤال في محاولة لفهم إشكالية الفلسفة وما تعرفه من ضبابية في الفهم وتشعب في المواضيع وتعدد في الدلالات والمعاني. وقد أردت أن أجيب على هذا التعدد والاختلاف الذي يعرفه الأصل الفلسفي سواء من المنظور الغربي المقزم والذي ينسب لنفسه كل الجميل أو من المنظور المشرقي الذي يؤصل لكل عصر على شاكلة  أصالة مشرقا نية محاولا تبيان الخلفيات  السياسية والإيديولوجيا القائمة وراء هذا التمركز .

إن هذه الإشكالية لعميقة في الأصل صعبة في الإدراك متشابكة في الفهم وما يهمنا فيها هو الموضوع لا الذات، المضمون لا الشكل والجوهر لا العرض.

فما الذي يقف وراء هذا التنازع على هذا الإرث الفلسفي ؟ وما خلفيات  التمركز الإيديولوجي على المعرفة الفلسفية ؟وماذا يخدم هذا الشنآن القائم بين القطبين المشرقي والغربي ؟ وهل الفلسفة باعتبارها فكرا إنسانيا تقبل بهذا التمركز ؟

 في البداية لا بد أن أوضح أن التقسيم شرق – غرب لم يقم على أسس علمية ومعرفية وإنما هو تقسيم يقوم على أسس إيديولوجية وسياسية يأخد باعتبارات الدين وينتصر لنوازع العرق لايقبلهما العلم والموضوعية وترفضهما الفلسفة كفكر شمولي رفضا باتا.

إن التأصيل لتاريخ التمركز في المجتمعات البشرية يعود إلى الأزمنة الغابرة ويتجذر في المجتمعات منذ عصور ما قبل التاريخ ,فظهور الملكية الخاصة _بعد انقضاء مجتمعات المشاعة البدائية _فرض على الإنسان أن يصير إنسانا يتملك الحاجات والوسائل كما يتملك الأفكار والمعارف وهذا التملك يتطور وفق ما تمليه حاجات الإنسان الذاتية. 

وقد استطاعت أوروبا عبر تطور تاريخي وفلسفي، أن تؤسس لفكرها وتؤصل لجذورها الفلسفية والفكرية، مما قادها إلى إفراز نسق ثقافي حضاري قررته المركزية الغربية، في قولها بالخصوصية المطلقة لتاريخ الغرب، وحضارته التي أنضجتها عوامل خاصة وداخلية، و من ثم فعلى المجتمعات والشعوب التي تريد أن تبلغ درجة التقدم التي وصل إليه الغرب، ليس أمامها سوء الأخذ بالأسباب التي أخد  بها الغربيون، وليس أمام تلك المجتمعات إلا التخلص من خصوصيتها الثقافية، لان  أفرزتها تلك الخصوصيات هي المسؤولة عن تخلفها   وبهذا فان المركزية الغربية تقدم فقط رؤية للعالم بل تجاوزته إلى تقديم مشروعٍ سياسي على صعيد العالم، وهو مشروع تجانس الإنسانية المستقبلي من خلال تعميم النموذج الغربي وكان من بين من قاد هذا الصراع هو الألماني هيغل وبعده الإنجليزي برتراند راسل حملة كبيرة على منتوجات الشرق وإسهاماته داخل حقل الفلسفة في حين أكدا على عظمة الغرب وحكمته التي لا تضاها وهذا ما أنتقدته التفكيكية في نقدها للمركزية وتبنيها للحق في الإختلاوزعموا أن اليونان هم من ولدت عندهم الفلسفة وعندهم شيدت حضارة الغرب وتاريخه

وهكذا فالمركزية الغربية سعت عبر تطورها تاريخي فلسفي وفكري أن تؤصل لتمركزات عديدة، استطاعت أن تعكس المركزية الغربية بمفهومها الايديوجي الذي وصلت إليه اليوم، لتقرر في الأخيرة ما اصطلح عليه فوكوياما نهاية التاريخ، بعدما وصلت البشرية عبر الغرب إلى قمة ما يمكن أن تصل إليه من التحضر والديمقراطية من خلال المجتمع الليبرالي.

 

في المقابل نجد من يتبنى مركزية الشرق ويؤصل لكل أصل فلسفي على شاكلة أصالة مشرقية   وحضارية فيها الفلسفية  صنعت العلوم والمعارف و احتضنت ميلاد وبداية الحكمة  ,ونجد مؤيدوا هذه النزعة  لا يقتصرون على نسب الفلسفة إليهم فقط  وإنما كافة العلوم والمعارف البشرية على الإطلاق في المقابل يكنون عداءا شديدا لكل إنتاجات الغرب ويعتبرونها محاكاة وسرقة لكل إبداعات الشرق الأصيل وقد  حاول الكثيرمن أصحاب هذه النزعة إرجاع الفكر اليوناني إلى فكر الحضارات القديمة من أجل العثور على أي نقاط يتشابه فيها الفكر اليوناني مع فكر الحضارة الفرعونية أو الصينية أو البابلية أو الهندية أو غيرها من حضارات الشرق القديمة وخلصوا الى النتيجة التي استهدفوها قبل الشروع في البحث وابتهجوا بالادعاء بأن الفكر اليوناني لا يمثل قطيعة فكرية مع الفكر السائد في الحضارات القديمة ولا هو طفرة نوعية في المسائل والمناهج والاتجاهات والنتائج وإنما هو امتداد طبيعي لما سبقه من أفكار ،وبذلك أعلنوا انهيار مقولة التفرد اليوناني غير أن الحقائق المتضافرة تدحض سعي هذا الإتجاه المغرض حيث أقاموا الفلسفة على نوازع العرق والدين ومن تمت زاغوا عن عالمية الفكر الفلسفي. 

وهكذا فالصراع حول الإرث الفلسفي ليس وليد الأزمنة الحديثة وإنما هو قديم قدم النظريات الفلسفة إلا أن الوعي بهذا الصراع لم ينكشف إلا في الفترة المعاصرة بعدما أحس العديد من النقاد والفلاسفة يضرورة حماية الفلسفة من هواجس الإيديولوجيات وهي تصارع بعضها البعض من أجل الفوزبلقب “حضارة الفلسفة “.

 إنني لن أبالغ إن قلت أن الأصل في الفلسفة والجوهر هو واحد سواء كان منشئها الغرب اليوناني أو الشرق المصري أوالبابلي ,فالإنسان في آخر المطاف هو الذي يتفلسف وهو الذي يستحق أن تكون له هوية الفيلسوف وليس الجغرافيا هي  التي تعطي له هذه الهوية وتسحبها منه متى شاءت بحسب درجة وقوة الأمة التي يتبعها هذا الفيلسوف وذاك.

إن الإنتماء إلى الإنسانية وللتاريخ الإنساني المفتوح لهو أرقى الطرق لبلوغ الموضوعية …وإذا سلمنا أن الحق في الإعتزاز بالخصوصية هو ضرورة عند كل البشر….فإن هذا الإعتزاز يجب أن يكون لصالح  إنتماءنا الإنساني وتجمعنا البشري وليس على جساب الإنسانية الخالصة.

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...