– محمد منير المختاري –
كلهم أشهروا أسلحتهم في لحظة ما من مساراتهم الأكاديمية/الوجودية، و كلهم انتهوا يتسابقون حول من يلتحق الأول بالنظام.. النظام العام للأشياء.. نظام الاستهلاك/الاستعراض.. الأفق الجديد ( النهائي؟) للبشر في مطلع هذه الألفية الملغومة.
“من لم يقض رأس السنة في مراكش لم تلده أمه بعد ! الفنادق كلها مليئة. و لاتوجد غرفة واحدة فارغة.. العالم كله يتدفق على مراكش لقضاء أعياد رأس السنة.. كيف اتيح لي هذا الحظ السعيد؟ نعمة من الله. أقول ذلك خصوصا أني تحولت أخيرا إلى سائح عالمي أو درويش صوفي، لا فرق. (…)
قالت لي جارتي الحسناء في القطار: حسب تصنيفات مجلة أمريكية، فإن المغرب هو أحد بلدان العالم العشرة الأكثر إغراء للسياح في فصل الشتاء. الناس يتقاطرون عليه من كل حدب و صوب. جاذبيته لا تناقش. بالمناسبة، حسن ألا يكون إلى جانبك أثناء السفر، رجل بشع من أشكالك لكي لا تشعر بوعثاء السفر و لا طول الطريق. الجنس اللطيف يلطف الأجواء المكفهرة.
فجأة تستقبلك غابات النخيل. أنت الآن على أبواب مراكش ! و في مواجهة قصر المؤتمرات، المقاهي الراقية مليئة تضج بالبشر تحت شمس ساطعة. من قال إننا في فصل الشتاء؟ صححوا معلوماتكم. من قال أن الشانزيليزي أجمل من شارع محمد السادس؟ اخجلوا على حالكم..” ( هشام صالح: “أن تكون في مراكش”، المساء، يوم 6 – 1-14) .
لا أعرف ما سوف يكون شعوركم عندما تكتشفون هوية صاحب هذا التأمل “اللبرالي”.. إنه هشام صالح، مترجم أعمال أركون و تابعه في تقويض الشموليات/الأصوليات كيفما كان نوعها.. ما يظهر هنا أن الآلة التفكيرية لهشام تعطلت عند أبواب مدينة المال و الاستعراض و الأرداف المتدلية.. كل شيء يجب تقويضه، تفكيك آلياته، الكشف عن رهاناته الخفية، ألاعيبه، الأصوليات/البشاعات التي يحملها و تحمله، إلا المغرب، إلا الحسناوات، إلا الأوطيلات الواعرة، و المقاهي الراقية، و السيارات الهوليودية.
في قرون غابرة أطلق ابن عربي هذه الحكمة: “من لامعرفة له لاعلم له”. إن العالم الذي لا تظهر امتدادات علمه في المواقف من الأشياء الصغرى ( التي هي الأشياء التي تختبئ فيها كل الأشياء/الاستراتيجيات الكبرى كما يعلم صالح نفسه) ليس بالعالم.. العالم الذي لا يحافظ على آلته التقويضية مشتعلة/مشتغلة في كل الوضعيات.. 24 ساعة على 24 ساعة.. ليس بالعالم.. العالم الذي لا يكون جذريا/صارما في كل شيء، بدءا بذاته، برغباته، فانتازماته.. ليس بالعالم.. هو في أحسن الحالات نصف أو شبه عالم.. حتى تكون عالما بشكل كامل يجب أن تكون انسانا بشكل كامل.. كل شيء في العالم كما يقول دولوز يجب أن يكون مريضا، أي إنسانيا: هوسه بالبشرية، لغته الرافضة، حلمه المستمر بعالم أخر.
سنة 1996 في ما أتذكر أصدر علي حرب كتابه المدوي ” أوهام النخبة”.. شنت على الكتاب حرب غير مسبوقة متهمة المفكر اللبناني بكونه يتهجم على مثقفين لا يمكن أن ينكر أحد جهودهم “غير المسبوقة” في فضح “الأصوليات” و “الشموليات” و “الديكتاتوريات” الممتدة… في الواقع، إن ما حاول حرب أن يوضحه هو أن المثقف العربي يدافع عن أفكار الثورة و التقدم و الأنوار و العدالة الاجتماعية فقط في لحظات الجوع الفردي، أو عندما يكون خارج اللعبة، أو عندما لا تصله حقوقه من الكعكة.. وما إن تظهر ملامح شي كاميلة/طاجين ( مادي/رمزي أو كليهما) حتى يتحول مليون درجة يمينا.. حتى ينزع أنيابه الحادة و يرمي بها إلى مزبلة ” النضال” الشاسعة.
في بلاد الاستثناء، حالات المثقف المرتد عن قناعاته “الثورية” الأولى بلا نهاية.. إن مثقفا أقل معناه جدار دفاعي أقل في الحرب أمام من يجرفون الحاضر و يصادرون المستقبل.. و النتيجة أنتم تعرفونها.. على كل المستويات.
فكرت في الموضوع بعدما لاحظت هول الارتدادات في صفوف مثقفين أبانوا في فترة ما من مساراتهم عن نية حقيقية في السير في طريق الفضح.. هاكم هذه الأمثلة السريعة:
نفسانية بيضاوية “كبيرة” ألفت سنوات الثمانينات و التسعينات كتبا شهيرة تدعو فيها الى إخضاع الذات العربية الى علاج نفسي كلي لإخراجها من تخلفها/سباتها التاريخي تسجل حلقة تلفزية و تصور ذاتها وهي تتجول بين فيلتها الباذخة وعيادتها الهوليودية و المسبح/الشاطئ الخرافي الذي حجزته خصيصا لتدفئ رغباتها بعيدا عن ضوضاء البشر ( كذا).
نفساني بيضاوي بدأ خرجاته الإذاعية بتحليلات متعاطفة مع مقصيي التاريخ و المغرب تحول سنوات بعد مخاضات/تجارب البدايات إلى التخصص في سب كل من يدعو إلى تغيير كل الأشياء القبيحة ببلادنا في رسالة واضحة لسادة الوقت من أجل موقع أكبر.
نفسانية فاسية فتحت عينيها مبكرا على خطاب الفضح تبدل الوجهة وتبدأ في إنتاج خطابات خاص الواحد يعيش و كل واحد خاصو يتبع الرغبة ديالو وماشي شغلو فلعالم.
سوسيولوجي قنيطري طور بقوة خطاب “الدولة راعية الاستبداد/الفساد/التخلف” “يتراجع” و يبدأ في إنتاج خطاب خاص الواحد يأقلم ذاتو مع العالم باش مايطحنوش العالم.
سوسيولوجية بدأت أكاديميا/وجوديا بخطاب “الأسئلة الكبرى”، أسئلة الفقر و الجوع و التهميش الزاحف بدأت تظهر مؤخرا بصور على الفايس وهي تسعد بركوب الليموزين أو تسبح في حوض هوليودي أو تتناول عشاءا باذخا في واحد من المطاعم الفاسية ذات العبق الأندلسي الباذخ.
مناضل ماوي/شيوعي/انقلابي سنوات السبعينات/الثمانينات يعبر في حوار مع يومية مغربية في رمضان الأخير عن كونه فهم أخيرا معنى الحياة: الحياة هي أن تعيش رغباتك أنت أولا لا رغبات الأخرين.
فبرايريون كثر ركبوا حلم “الثورة الشاملة” مع المد الأول ثم تحولوا بسرعة إلى نضال المركبات السياحية الباهرة وهم يلتقطون صورا بجانب يخوت راسية في مارينات هي المظهر الأكبر للفساد الذي يستغرقنا..
كيف يمكن أن نقرأ هذه التصدعات المخية؟ في الواقع لا يتعلق الأمر بتصدعات.. بشيزوفرينيا .. فرضيتي هي هاته: أن المثقف المغربي الثوري الناقد الفاضح الانقلابي كان/لازال يناضل فقط ضد توزيع المواقع/الطواجن داخل النظام، النظام العام للأشياء.. لم يناضل أبدا ضد الجذور/المبادئ المؤسسة للنظام: المال، الموقع، الجاه، الفيلا.. النضال كان دوما في قلب/من أجل موقع داخل النظام.. كل المناضلين قاموا بما قاموا به و ربما لازالوا من أجل اعادة انتاج النظام.. لصالحهم.. في ميكيافيلية هي من ضمن ما يؤسس الاستثناء المغربي الشهير..
و الآن.. كم من مثقف قادر على إنتاج فكر جذري؟ كم من مثقف قادر على الخروج من وهم الرغبة، من وهم تحقيق الذات؟ كم من مثقف قادر على وضع الذات بين قوسين من أجلنا؟ من أجل مغرب/عالم أخر؟ من أجل الأطفال الذين سوف يأتون بعدنا؟ كم من مثقف له موقف صارم، دائم، عميق، نهائي من التخربيق؟ كم من مثقف يكره المواقع؟ كم من مثقف يكره الثروة، و يحاربها، معتبرا إياها المدخل لكل الأشياء الخطيرة؟ كم من مثقف يبتسم متهكما/متألما و هو يرى سيارة بورش تخترق بلاد 20 مليون يائس؟ و أخيرا كم من مثقف يرى في أصغر تنازل مدخلا لكل التنازلات الفادحة؟ ما نحن بحاجة إليه ليس مثقفين يسبون العالم وهم يرغبون في حصتهم من العالم.. ما نحن بحاجة إليه ليس مثقفين يسبون السادة و أعينهم على الالتحاق بصفوف عبيد السادة.. ما يلزمنا مثقفون من طينة أخرى.. مثقفون ملتزمون من أجل المستقبل.. و تلك حكاية أخرى.
سنة 1996 في ما أتذكر أصدر علي حرب كتابه المدوي ” أوهام النخبة”.. شنت على الكتاب حرب غير مسبوقة متهمة المفكر اللبناني بكونه يتهجم على مثقفين لا يمكن أن ينكر أحد جهودهم “غير المسبوقة” في فضح “الأصوليات” و “الشموليات” و “الديكتاتوريات” الممتدة… في الواقع، إن ما حاول حرب أن يوضحه هو أن المثقف العربي يدافع عن أفكار الثورة و التقدم و الأنوار و العدالة الاجتماعية فقط في لحظات الجوع الفردي، أو عندما يكون خارج اللعبة، أو عندما لا تصله حقوقه من الكعكة.. وما إن تظهر ملامح شي كاميلة/طاجين ( مادي/رمزي أو كليهما) حتى يتحول مليون درجة يمينا.. حتى ينزع أنيابه الحادة و يرمي بها إلى مزبلة ” النضال” الشاسعة.
كيف يمكن أن نقرأ هذه التصدعات المخية؟ في الواقع لا يتعلق الأمر بتصدعات.. بشيزوفرينيا .. فرضيتي هي هاته: أن المثقف المغربي الثوري الناقد الفاضح الانقلابي كان/لازال يناضل فقط ضد توزيع المواقع/الطواجن داخل النظام، النظام العام للأشياء.. لم يناضل أبدا ضد الجذور/المبادئ المؤسسة للنظام: المال، الموقع، الجاه، الفيلا.. النضال كان دوما في قلب/من أجل موقع داخل النظام.. كل المناضلين قاموا بما قاموا به و ربما لازالوا من أجل اعادة انتاج النظام.. لصالحهم.. في ميكيافيلية هي من ضمن ما يؤسس الاستثناء المغربي الشهير..

