-ملفات تادلة-
يبدو أن بلدان أوربا الشرقية والوسطى ليست في عجلة من أمرها في ما يخص الانضمام إلى منطقة الأورو حيث تحبذ المزيد من الانتظار لتفادي تفاقم الأزمة بسبب ظرفية صعبة، في الوقت الذي قررت فيه ليتونيا الإقدام على اعتماد الأورو ابتداءا من يوم غد الاربعاء فاتح يناير لتكون بذلك ثاني جمهورية من دول البلطيق، بعد استونيا، تتخذ هذه القرار في انتظار أن تلحق بها جارتها ليتوانيا سنة 2015.
وتتريث باقي دول أوربا الشرقية والوسطى، التي لا تتوفر لحد الآن على عضوية بمنطقة الاورو، في الإقدام على هذه الخطوة من خلال عدم استيفاء المعايير التي تنص عليها معاهدة ماستريخت التي تعد ضروية بالنسبة للبلدان الراغبة في اعتماد العملة الأوربية .
فبالنسبة لرومانيا و بلغاريا، وهما بلدان عضوان في الاتحاد الأوروبي، والمستبعدان لغاية اليوم من فضاء شينغن، فإنهما لم يتمكنا لحد الآن من استيفاء معايير معاهدة ماستريخت، وذلك بسبب الأزمة التي يتخبطان فيها نتيجة الظرفية الدولية التي زاد من تفاقمها ضعف معدل النمو الاقتصادي والبطالة المتنامية.
وكان الوزير الأول الروماني فيكتور بونتا، قد دعا مؤخرا إلى الانضمام إلى منطقة الاورو سنة 2018 ،التي تصادف الذكرى المئوية لتأسيس رومانيا، فيما أبدت الحكومة البلغارية الحالية منذ ماي الماضي تفاؤلا بهذا الخصوص. وفي هذا الصدد قال وزير المالية البلغاري بيتار تشوبانوف مؤخرا في صوفيا ” سوف نترشح للانضمام لمنطقة الأورو عندما نتيقن من أن الاقتصاد قد استعاد عافيته “.
الوضع نفسه، ينطبق على كرواتيا التي تم قبول عضويتها في الاتحاد الاوربي في يوليوز الماضي، غير أنها تظل حذرة بشأن تحديد موعد انضمامها لمنطقة الأورو. أما بخصوص بولونيا، فإن السلطات النقدية تؤجل اتخاذ قرار الانضمام ، ذلك ان هذا البلد الذي تقدر ساكنته ب38 مليون نسمة، والذي يحتل مكانة اقتصادية وازنة في المنطقة، يشهد حاليا نموا اقتصاديا قويا ، ومن المرتقب أن يستوفي سنة 2015 جميع معايير معاهدة ماستريخت، ولكنه، مع ذلك، ليس في عجلة من أمره لاعتماد عملة الأورو.
فبالنسبة للمواطن البولوني، فإن أسعار المنتجات والخدمات ما فتئت ترتفع، وهو ما يطرح السؤال عن مآل قدرته الشرائية في حال ما إذا قررت الحكومة الانضمام إلى منطقة الأورو.
ان سيناريو الأزمة بإسبانيا والبرتعال وكذا الأزمة التي تعصف باليونان تجعل البولونيين يخشون وقوع الأسوأ. وقد وجد هذا التخوف صداه لدى وزير المالية الجديد ماتوس سزوريك الذي أعلن مؤخرا، أن الحكومة لن تتسرع بالانضمام إلى منطقة الأورو، مبررا ذلك بقوله “يبدو أن الفوائد التي تمنحها منطقة الأورو محض خيال”.
وكان حزب البرنامج المدني ببولونيا من أشد المدافعين عن اعتماد العملة الموحدة إلى غاية اندلاع الأزمة المالية التي أثرت على العديد من البلدان العضوة في منطقة الأورو . فقد أعلن رئيس الوزراء دونالد تاسك في وقت سابق هذا العام عن تأخير تحديد موعد الانضمام إلى منطقة الأورو إلى غاية تنظيم الانتخابات العامة المقبلة عام 2015. ولعل موقف سزوريك ، وهو الاقتصادي الواثق من نفسه، يترك الانطباع بأن ولوج منطقة الاورو بالنسبة لبولونيا سيؤجل إلى وقت لاحق، وربما ما بعد سنة 2016.
وفي هذا الإطار ، يأتي التصريح الذي أدلى به سزوريك مؤخرا لإحدى المحطات الإذاعية، والذي قال فيه ” رأيي هو أن الانضمام لمنطقة الأورو، هو أقل أهمية بكثير مما كان يبدو عليه الحال قبل الأزمة”.
ويبدو أن الموقف البولوني أعطى جمهوريتي التشيك وهنغاريا مهلة للتفكير في تأخير انضمامهما لمنطقة الاورو. فجمهورية التشيك، البلد الذي يخرج بصعوبة من مرحلة ركود طويلة، لا ترغب في تحديد تاريخ هذا الانضمام، بل ترى أن هذا الأمر لن يحصل قبل سنة 2019. ويبدو أن هذا التصور نفسه يحدو هنغاريا ، على الرغم من أن وضعية هذا البلد تشبه وضع بلغاريا بخصوص احترام معايير معاهدة ماستريخيت. وتتمحور هذه المعايير حول عجز عمومي أقل من 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام ، ودين عمومي لا يتجاوز 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ونسبة تضخم متحكم فيها، واستقلال عن البنك المركزي للبلاد والتوفر على عملة وطنية مستقرة لمدة سنتين على الأقل على مستوى آلية الصرف الأوروبية.
ولعل تجربة سلوفينيا وإيستونيا، البلدان اللذان انضما إلى منطقة الأورو وتفاقم عجزهما وتقلص ناتجهما الداخلي الخام، تحث المرشحين مستقبلا للانضمام إلى منطقة الأورو، على عدم التسرع وانتظار حلول ظرفية أفضل لاتخاذ مثل هذا القرار.


