استطلاع: ظاهرة العنف المدرسي (ثانوية ابن طفيل التأهيلية نموذجا).
عبد الحكيم سمراني
من قال يوما بأن تتحول المدارس إلى مرتع للعنف والإرهاب والانحراف؟
من قال يوما بان تتحول الفصول الدراسية إلى مجال للتسلط والعقاب والتهديد والوعيد؟
من قال يوما أن يتحول الطلاب إلى عدوانيين اتجاه مدرسيهم والظروف المحيطة بهم؟
بهذه الجمل الانفعالية استهل محمد 45 سنة أستاذ اللغة العربية حديثه حول موضوع العنف المدرسي، وهو يفرك يديه في عصبية، ليضيف في حزم “عندما نغلق باب الحوار يحل العنف، وعندما تعالج خلافاتنا بالسب والقذف والركل والضرب فاعلم أن مدرستنا ليست بخير”.
“تجربة مع العنف”:
“وأنا أصفف شعري أمام المرآة دائما ما تستقر عيناي على النَّدْب الذي يلوح في أعلى جبيني، فينداح إلى مخيلتي الماضي بصوره وآلامه، ماضي مع أستاذ لي طالما كنت أتمنى أن ينطبع عقلي بفكره، وبأدبه، وعلمه، لكنه ترك أثرا من نوع أخر، وأنا أجيب جوابا لم يرقه، انهال علي بعصى على رأسي لتنفجر منه دماء أحالت وزرتي البيضاء إلى مستنقع أحمر اللون، كانت المدرسة أحب شيء بالنسبة لي وبعد الحادث صرت لا أذهبها إلا مكرهة من طرف والديّ بينما مستواي الدراسي والتحصيل نكص على عقبيه”، تتحدث حنان التي انقطعت عن الدراسة بينما عيناها اغرورقتا دمعا.
“مكلخ، سطل” هذه الكلمات يقول مراد 16 سنة، تجعلك قبرا داخل القاعة وتجهض كل محاولات مشاركاتك داخل الفصل الدراسي.
أو كلمات من قبيل الرد على إجابتك الخاصة “لواه الزعتر” تجعلك تنزوي وتدخل في نفسك وتتضاءل أمام زملائك، أو كلمات من قبيل “سكت ولا نخسر ليك وجهك” تجعلك تحس انك في حلبة ملاكمة وليس بفصل دراسي هكذا كان الأستاذ يحدثنا أحيانا ينهي مراد كلامه مبتسما بسخرية.
كان دائما يستهزئ مني ومن أقوالي وأفكاري قال لي مرة:”أنت مكلخ، راسك خاوي، كون غير تسكت”، فسكتت، لكن ليس عنده فقط، بل عند جميع الأساتذة، يقول محمد 17 سنة، بحسرة بادية وصوت هامس .
حنان، مراد، محمد، عينة صغيرة من أخرى كبيرة عانت من العنف الذي يعرفه لالاند بأنه “فعل أو كلمة عنيفة” فهو كل تصرف يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين.
جدران وطاولات.. تتكلم:
في طريقي إلى ثانوية ابن طفيل التأهيلية ببني ملال، كنت أفكر في كل شيء حول الموضوع، في أسباب وعلات هذا العنف الذي اجتاح أسوار مؤسساتنا المدرسية، بعدما شاع خارجها، وبعد أن كانت المؤسسات المدرسية حرة متفاعلة مع محيطها القريب، أضحت أسوارها تتعالى وتتسامى استجابة لصعود أسهم العنف داخلها وخارجها.
أسوار عالية يتوسطها باب حديدي تسبح في فضائها كتابات مختلفة الأشكال، والخطوط والألوان، سريالية المعاني ورمزية الدلالات، لو دوّنت على الورق لاستنفذت أقلاما وكتبا، معانيها تستعصي على الكشف أحيانا وأحيانا أخرى تكشف عن دلالاتها في سفور زائد.
يتناهى إلى مسامعك صراخ التلاميذ من بعيد، وقهقهاتهم التي ملأت الدنيا صخبا، بينما يهمون بالخروج، ولكأنهم سجناء تمتعوا للتو من عفو على حين غفلة، يجرون، يتدافعون، يتصارعون، يصرخون يضحكون …
انتظرت حتى ذاب الصراخ وتبدد مع لحظات خروجهم، لألج بعض الفصول الدراسية أحاول قراءة كفها، مساحات النظر تستجلب إلى عيني كتاباتها، “سب، وقذف، وجنس، ومخدرات، رياضة وحب…” تِلكم كانت بعض المواضيع التي باحت بها الجدران، في حين غزت أسماء التلاميذ أجساد الطاولات، تبحث لها عن مكان يقاوم النسيان وذاكرة الأيام، ويؤكد فيه صاحبه حدود إقامته وسلطته، ويعلن خلاله التلاميذ بدء موسم البوح عن مكنون الصدور، في غياب عين الرقيب أو الحسيب أو أذن مصغية.
لم تسلم كذلك المراحيض من أنواع العنف هذه، بالإضافة إلى رائحتها النتنة التي تزكم الأنوف، هي الأخرى استحالت إلى مساحات للتعبير والبوح عما يعتمل القلوب، رسومات تخدش الحياء وتهتك ستاره…
هذا العنف شكل انحرافا عن الهدف الذي خلقت من اجله المؤسسات المدرسية، المتمثل في التربية أولا ثم التعليم ثانيا، وبالتالي وجب التفكير في حلول للقضاء عليه.
لم يسلم من العنف أحد:
“نعاني العنف كل يوم داخل المؤسسات التعليمية، الذي يتجلى في اكتظاظ الصفوف، وشكل المبنى، والكلام البذيء اتجاه الأساتذة من طرف التلاميذ، والتهديد، والتخويف، والنبز بالألقاب” يقول عثمان أستاذ بثانوية ابن طفيل التأهيلية بلغة منفعلة. ليضيف أن ظاهرة العنف ناتجة عن تفاعل العديد من العوامل المترتبة عن الكبت، والحرمان، والخوف، والإحساس بالخطر، بالإضافة إلى طبيعة المرحلة العمرية التي يمر منها التلاميذ، والتي تتصف بمجموعة من المتغيرات الجسمية، والنفسية، والعصبية، وفيها يبدأ الفرد بإثبات الذات وتأكيدها، والتغلب على الصعوبات التي تعترض طريقه.
يقول بكار زاهر، باحث ومتخصص في الشؤون التربوية، عن العنف المدرسي وتداعياته المجتمعية: “إذا كانت البيئة خارج المدرسة عنيفة فإن المدرسة ستكون عنيفة، إذ أن الطالب في بيئته خارج المدرسة يتأثر بثلاثة مركبات أساسية )الأسرة والمجتمع والإعلام(، وبالتالي يكون العنف المدرسي هو في الأساس نتاج الثقافة المجتمعية العنيفة “
خبراء، وأولياء التلاميذ، وأساتذة، الكل يجمع على ضرورة أن تقوم المدرسة بالدور المنوط بها، المتمثل في توفير المناخ التربوي والاجتماعي المناسب للتنشئة المتكاملة والمتوازنة للمتعلمين، من أجل إكساب التلاميذ الكفايات والقيم التي تؤهلهم للاندماج الفاعل والإيجابي في الحياة، وترجمة لكل القيم والاختبارات إلى ممارسات سلوكية في حياتهم العادية، سواء داخل فضاء المؤسسة أم خارجها.


