– حسن الحافة –
داخل أي بقعة من هذا البلد الحبيب، وفي كل مدرسة، وداخل كل ثانوية تحس بأن حريتك في التعبير مهضومة. كثيرة هي اللحظات التي يرغب فيها الإنسان في قول ما يعتريه، في تفريغ ما يحس به، في نقل مواقفه دون أن يكون هناك من يمارس عليه الحجر، لكنه ” كيدير بالناقص” لأن للجدران آذان، أو هكذا أفهمُونا و نحن صغار، فصار الكلام بحساب كي لا ينزعج السلطان، وصارت حرية التعبير مجرد شعار.
جولة بسيطة في “طوايلتات” بلادي، ستجعلك تقف على حجم الشعارات و المواقف المكتوبة و بكل الألوان، سياسية و جنسية و حتى دينية، فجدران المراحيض أغلقت الروائح المنبعثة أدُنها، وتحولت لسبورة يُخط على بياضها ما لا يستطيع الشاب أن يقوله خارجا.
وأنا أجوب مراحيض كليتي فوجئت بحجم ما يكتب. فكثيرة هي المرات التي أُشعل فيها سيجارتي و أقرأ ما هو مكتوب بالرغم من أن مثانتي لا تحمل أي “بول”، و لا مؤخرتي تحمل رواسب ما أكلته، كل ما كان يلهمني بالدخول إليها هو قراءة ما تخطه الأيادي على الحيطان
فهذا كتب “الصحراء غربية و ليرحل المستعمر”، كلام لو نبس به بشكل مباشر لكلفه سنوات خلف القضبان، و آخر يسب النظام و يعتبره عدوا، و ما إن يغادر حتى يبتلع لسانه لأنه يدرك أنه قد يفقده، و ثالث رسم عضوا تناسليا و كتب تحته عبارة” لي محتاجوا إتصل”، مصورا “كبتا” يسكنه، و بجانب العضو رسم” شي محسن” فرج أنثى محاولا إراحة صاحبه من البحث، أما آخر فلم يجد سوى كيل الشتائم لكل المغاربة معتبرا إياهم “أكلخ” شعب، و هو الوحيد الذكي بينهم.
نماذج من عبارات تبين حجم القمع الذي يعيش فيه أبناء هذا الوطن، فليس كل ما يكتب على الجدران يُقبل سماعه في الشارع، فمراقبي السلطان، وحماة العفة يعاقبون من يجرؤ على فتح لسانه، فإذا كان من كتب عبارة ” يا أبناء وطني اتحدوا، المخزن هو العدو”، تنخر برودة السجن عظامه، فما بالك بمن يجهر بعداوته لمن يحركون المخزن.
هذه الحرية في التعبير لا تصرف على جدران المراحيض فقط، بل أينما وُجد حائط أو طاولة فهي تفي بالغرض، فحتى “طواليتات” المحطات الطرقية لم تسلم جدرانها. هي ممارسات إن دلت على شيء فإنها تعبر عن حجم القمع الذي يعيش فيه مقهورو هذا البلد، فالقمع ليس دائما ماديا، فيكفي لمن ولج مراحيض مؤسساتنا أن يطوف بنظره و سيعثر على ما لا يقال خارجا، فشعار أبناء الوطن أصبح” دخل للطواليت قضي حاجتك، و كتب لي بغيت”.


