خبز الدار


– حسن الحافة –


شاشة التلفاز، تنقل خبر فنان يصارع المرض بالمستشفى، أو تنقل وضعه الإجتماعي الصعب و ينهي مقدم النشرة الخبر – لا يتجاوز الدقيقة –  بالدعاء له “نتمنى له شفاء عاجلا” أو عبارة “نناشد المسؤولين بالنظر لوضعه الإجتماعي”. و ما هي إلا لحظات حتى يذيع نفس المقدم في نفس النشرة خبر مهرجان استقطب فناني العالم و ملأ لهم “شكارتهم” بالدولار و غادروا مرددين عبارة ” المغرب فعلا أجمل بلد في العالم”.

في الجهة الأخرى يرقد و لد “الدار” بين دعوات معحبيه، و بعض هبات المحسنين، مادام أن الساهرين على المشهد الفني بهذا البلد المكلوم يفضلون ” زعر الراس “، و لو كلفهم ذلك الملايين من أموال الشعب المقهور.

هذا هو حال فنانينا ” مساكن ” مع الإجحاف الذي يعانونه من طرف لوبيات تتحكم في المشهد الفني، و شركات لا يهمها من كل “هاذ الهيلالة” سوى ما ستربحه و لو على حساب كرامة و أحقية فناني الداخل. كثيرة هي مشاهد البؤس و الحرمان التي يعيشها حاملوا رسالة الفن النبيل، فمنهم من قضى سنوات من الإبداع و نقل صورة المغرب الحقيقي، مغرب القرى و الجوع و الخوف ، فوجد نفسه يسكن “فبراكة” يستجدي المحسنين لبقائه على قيد الحياة . مع أن ما يقتله هو الإجحاف أكثر من قصر ذات اليد ، لكن ما يواسيه هو نظرة الإعتراف الذي يشاهدها في أعين من أحبوه لأنه كان منهم و نقل معاناتهم، إلا أنهم لا يملكون له إلا الدعاء”الله غالب”.

أسماء كثيرة لم تجد غير “اليوتيب “لنقل صرختها للناس: عائشة مهماه ، المرحوم حسن مضياف،نعيمة بوحمالة، مليكة القادري، زهور السليماني… و آخرون، يعانون في صمت، و المسؤولون يوزعون كرمهم الحاتمي على من يستقدمونه من الخارج، و شركات تفتح مكاتبها وتدفع رواتب موظفيها من أموال المغاربة، تستعين بممثلين من خارج هذا الوطن لتقديم وصلات إشهارية أو إعلانات، و لكم في “شاروخان” و “الشارف” خالد – بما أنه يبلغ من العمر الأربعين -، دون إغفال “السيكتور” الذي دخل مجال الكوميديا ” بالصنطيحة”، فوجذ نفسه يغرف من كرم المسؤولين المغاربة، بينما من ذكرتهم من فنانينا ينتظرون من ينظر إليهم بنفس عين الجود و الكرم و العطف التي ينالها “البراني”.

مشهد الجحود و الرمي في رفوف النسيان، لم يستثن حتى المغنيين المغاربة الذين إختاروا الكلمة الملتزمة و الهادفة، فوجدوا أنفسهم بعد سنوات من الوقوف على الخشبات، أيام الأبيض و الأسود، حينما لم يكن لا” برابول” و لا هم يحزنون. أسماء كثيرة يلفها النسيان و لا يتم تذكرها إلا من أجل تأبينها واضعين صورة كبيرة خلف ظهورهم، مستمرين في نفس التجاهل حتى بعد الممات. في المقابل هناك من يتم استقدامه للمهرجانات وفرش الأرض له بالبساط الأحمر، و عند المغادرة يتم ملئ “شكارته” بالعملة الخضراء، و أبناء الداخل يموتون كمدا من حظ “البراني”، و أسماء من قدمت لهم الجنسية و نالهم من حب و كرم السلطان معروفة و لا تحتاج إلا إعادة التذكير بها .

مشهد الجحود لا يمس فقط الفنانين و المغنيين، بل يشمل الرياضين و الكتاب، و غيرهم…، كأن هذا الوطن كتب على صانعي مجده اللامبالاة و النسيان، فشعار مسؤولينا كان و لا زال هو “خبز الدار ياكلو البراني”.

 




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...