– حسن الحافة –
-1-
لا يمر يوم في هذا الوطن إلا والطريق تقتل أناسا كان همهم هو السفر فأضحت أرواحهم جثتا مرمية على قارعة الطرقات، فما تقتله طرقاتنا سنويا يفوق ضحايا الحروب و الثورات، وما أن تفتح شاشة التلفاز وأنت تتناول غدائك حتى ” يسدو ليك الشهية ” بحادثة سير وبمنظر الدماء المثناترة على الجنبات، كأن ما وقع لا يخرج عن نطاق القضاء والقدر، وفي كل مرة يتم إلصاق المشكل بالسائق والسرعة فيسرع رجال الأمن لوضع الاصفاد في يديه “هذا الا بقا فالحياة”.
ماذا يقع في طرقاتنا؟
سؤال يتبادر إلى ذهن أي سوي شاهد حجم القتلى والمعطوبين في طرقاتنا التي لازال بعضها يستعمل من أيام الاستعمار، ناهيك عن جشع أصحاب شركات النقل التي تتاجر بحياة عباد الله، فلم أسمع قط أن درك الطرقات أوقف حافلة حمولتها متجاوزة _وحتى من يتجرأ ويحرر مخالفة لحافلة ما سيجد نفسه في مواجهة “النحل” من طرف مرؤوسيه_ أو أحال أخرى انتهت مدة صلاحيتها على “الفوريان”، فبعض “الكيران” من كثرة استعمالها وقدمها و اهتراء محركها تستحق أن يكتب عليها عبارة “كل نفس دائقة الموت”، عوض تلك العبارة الممسوخة التي يكذبوا بها علينا “على جناح السلامة”.
تلك السلامة التي تنعدم في غياب طرقات “تحمر الوجه”، وفي الضرب بيد من حديد على يد الجشعين الذين يراكمون الأموال على حساب الجثث المتناثرة. لم أسمع في يوم أن وزيرا أو حاكما مات نتيجة حادثة سير في طريق لو جاء أمهر سائقي “فورملا وان” وشاهدها لحزم حقائبه و اعتزل اللعبة. فمن يموت هم الفقراء والمعوزون “وكحل الراس”، فالدولة بتغاضيها عن الإصلاحات الجذرية تريد أن تنقص من “شعيبة “، لأن “ما فيه نفع”. مادام من يحكم و حاشيته لا تستعمل الطرقات إلا وهي فارغة ولا تتزاحم مع الشعب في المحطات، ولا تعلم حتى طريق “تيشكا” أين تتواجد. “الله يعفوا علينا و صافي “.
-2-
سعداتني غادي ندير لباس” هكذا نطق بها “مول الحانوت” عندما قرأت عليه خبر أن المغرب وجد به البترول، خبر وصلنا من “البراني” مادام إعلامنا و حكومتنا ووزارة الطاقة والمعادن “ضاربة الطم”على الخبر، فلولا تلك القناة الصينية التي فجرت القضية لقيل لنا – كما قالوا زمان – أن الأمر لا يعدوا مجرد مزحة وحلم عابر للمقهورين، لكن أمام هذه الفضيحة لم يجدوا إلا عبارة “ربما فالتنقيبات تجرى…”.
لماذا هذا التعتيم على الخبر من طرف المسؤولين؟ كأن المسألة تتعلق بسر قومي لا يجب فضحه، فأصحاب الشكارة وساستنا على استعداد أن يبلعوا ألسنتهم من أجل استئثارهم بكعكة البترول لوحدهم كما فعلو مع مناجم الذهب ورخص الصيد في أعالي البحار ومناجم الغاسول ومنابع الماء المعدني والفوسفاط وزيد و زيد … فالمواطن في نظرهم مجرد رقم انتخابي ينتهي دوره ما إن يرمي تلك الورقة في ذلك الصندوق الحقير.
ليبدأ مشهد استغلاله من تلك اللحظة ولا يرجع مواطن في قاموس المسؤولين إلا عندما تحدد وزارة الداخلية موعدا لإجراء الانتخابات. فسواء وجد البترول أم لم يوجد فالمسألة واضحة لن يصل للمسكين إلا رائحته كما فعلوا معه في كثير من الأشياء الأخرى والأيام ستوضح ذلك، أو كما يقال إخواننا المصريين “المية تكذب الغطاس”.
-3-
هل ما يجري عندنا سياسة؟ أم عبث سموه زورا سياسة؟ فمع بنكيران وشباط والشكر وغيرهم أضحت السياسة هي “لي جابها فمي نكولها”. وأصبحت المعارضة مجرد شعار يبحث به من يعارضون على مصالحهم الشخصية. البارحة كان حزب الأحرار”شفار” واليوم هو فاعل في تسيير البلاد، حزب الاستقلال خرج من الحكومة لأن بنكيران لم يستجب لمطامحه في نيل وزارات أخرى فاختار “الشعب” _والتقليد عليه_ ليناضل من أجل مصالحه. بنكيران شكل الحكومة واعتبرها انجازا وجعل الملك هو السلطة الناهية والآمرة في البلاد بينما هو ووزرائه التسعة والثلاثون لا يملكون سوى مكاتبهم الوثيرة ورواتبهم السمينة. مشهد مقزز يعيدنا سنوات إلى الوراء بل يدخلنا في نفق الشك في المستقبل مادام الحاضر “مكفس”، وزراء تم تنصبهم لجبر الخواطر “وردان” الجميل، خرجات إعلامية شعارها “قليان السم” للخصوم، ومواطن مسكين يتابع المشهد من زاوية “هاذا ما عطا الله” وعليه أن يتعايش معه. حينما أشاهد مثل هؤلاء السياسين على الشاشة الصغيرة المثبتة في ركن بيتنا الطيني أرغب في طلب اللجوء إلى دولة الصومال – مع احتراماتي لهذه الدولة – على الأقل هي تعيش فقرا طبيعيا، أما نحن فنعيش فقرا وهماً “بشريا” نتيجة لصوص المال العام وناهبي الثروات “بالعلالي” وعندما تخرج وتحتج يصفوك بعدو الإستقرار”هذا إلا ما لقيتي راسك متهم بعداوة الوطن”، مع أن أغلب المغاربة عايشين غير “بالسطارطير”، منتظرين أن ترحمهم العدالة السماوية مادام أن العدالة الأرضية فصلت ليلبسها البعض ويستفيد منها، أما الغالبية فهي لاتصلح إن لم يقتلها الطريق، قتلها المرض وإن نجت من أحدهما، قتلتها “الفقسة “.
-4-
أش خصك المغرب كأس العالم للأندية أمولاي” هو ما يصلح شعارا لهذه الضجة الإعلامية التي تقوم بها الوزارة هذه الأيام، فتنظيم كأس عالمية للأندية رفضت مجموعة من الدول استضافتها لأنه تخاف من حساب شعبها العسير، وصرف الملايين من الدراهم هو في حد ذاته إنجازا عند الوزارة مادام الرياضين والفرق الكروية عجزت عن تحقيق إنجازات قادرة على تشريف الرياضة بشكل فعلي، فأضحى التأهل لأي تظاهرة هو إنجاز في حد ذاته. فمع الإخفاقات المتوالية للرياضة والنكسات أصبح أي شيئ هو إنجازا وربما يصنف “كعيد وطني “. فآخر إخفاق كان “الأشبال ” هم أبطاله في كأس العالم للأندية الذي فازت به نيجريا بالرغم من المشاكل التي تعيشها البلاد والتي فيها “القبائل مزال كتدابز غير على الما”. العبث هو حال تسيير مشهد الرياضة في هذه البلاد التي تَئِنُّ تحت وطأة “حتى مجال ما فيه الضو” كل القطاعات تسبح في قاعِ الحضيض لأن من يدفع الثمن هو ذلك المواطن المسكين المغبون علىى أمره والمثقل بالضرائب والنتيجة: لا شيئ تغير. حتى جمع الكرة كان الأجدر تسميته جمع المصارعة بالنظر للتراشق والعراك الذي طبع أطواره، هذا الصراع الذي تحكمه خلفيات وعقليات إستلذت النَّهب و إعتبار قطاع الرياضة هو تلك الدجاجة التي تبيض ذهبا عوض الألقاب. هذه مشاهد من وطن يتألم في صمت، ويتوجع وهو ساكت مع أن ما خفي كان أعظم و أكبر من أن يُتَحمَّل، فلا شيئ في هذه البلاد يغري بالبقاء فيها، فقد كرَّهُنا في شيئ إسمه الوطن. لكن هيهات إننا لهنا قاعدون.


