البكالوريا بين التمثل والواقع – قصتان للتأمل

 – سفير عبد الرحمان* –

ميزة مقبول:

عبد الرحيم الناجي، شاب في العشرين من عمره، أمازيغي ينحدر من قرية بني عياط بإقليم أزيلال من الجهة المتاخمة لبني ملال، حاصل على البكالوريا سنة 2001 في شعبة الاقتصاد بميزة مقبول.

كنا نقول، ونحن في مرحلة الثانوي، بتهكم: “البكالوريا بميزة مقبول تعني أنك قد قُبلت في عالم البطالة، ودخلته من بابه الواسعِ المُشرعِ المصراعين”. إلا أن هذا المقال سيخالف المقام تماما، ونحن نتحدث عن هذا الفتى “المْدَعْوي” كما يقولون بالعامية لكن “بدعاوي الخير لا الشر”، كما عهدنا أن نعني بذلك. سنخالف المألوف في كل شيء لأن السياق مع عبد الرحيم يقتضي ذلك تماما.

يقول هذا الشاب: “كنت أعتبر، وأنا ما أزال في بدايات تعليمي التأهيلي أن الباك مفتاح المستقبل؛ ومع نهاية السنة الأولى بكالوريا، ومع علاماتي الدراسية المرتفعة، حددت باب هذا المفتاح، إنه المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير ENCG؛ فهذا أقصى ما يتمناه كل تلميذ في مثل تخصصي”.

ويردف الشاب:” في السنة الثانية للبكالوريا، حل بساحتي ضيف بغيض، لا أدري من دعاه، صار يلازمني ملازمة الأخلاء، حتى إنه غدا يفقدني التركيز في كل تقييم صفي أقبل عليه، فحرمني الحصول على نقطة مميزة أحقق بها ما أحلم به. وتعود بي الذكرى إلى ما كنت عليه في الابتدائي والإعدادي، حيث كنت نادرا ما أتخلف عن الرتبة الأولى في الصف. وهذا الضغط كان باعثه دافع شخصي نابع من رغبتي الجامحة في النجاح والتفوق الدراسي، ولم يكن مصدره أبدا أسريا؛ بل على العكس من ذلك كان والدي الذي يشتغل مدرسا بالتعليم الابتدائي واعيا تمام الوعي بذلك، يهون عليّ الأمر دائما، ويقول بأن روافد النجاح في الحياة كثيرة، والمدرسة واحد منها فقط”.

بعد حصوله على البكالوريا، تقدم عبد الرحيم لامتحان ENCG دون غيره، لكنه لم يُنْتَقَ حتى لاجتياز الاختبار الكتابي؛ فميزته مقبول، ليلج مرغما كلية الاقتصاد والتدبير ببني ملال. ومن سوء طالعه أيضا، وكما يقولون “المساء على هيئة الصباح يكون”، كان التدريس آنذاك عن بعد؛ فجائحة كورونا ألزمت الناس منازلهم. ومع ما تشكله السنة الأولى من تحد للوافد الجديد، اجتاز عبد الرحيم الموسم الأول بنجاح.

في العطلة الصيفية وتحت لهيب الحر الحارق وبعد طول نقاش مع الوالد، فاجأه أخيرا بقراره؛ لقد عزم أخيرا، وإن على مضض، أن يضحي لأجل فلذة كبده، ويوفر له المال اللازم لولوج SupMTI بالرباط، مع ما يتطلبه ذلك من مبالغ قد تصل مع مصاريف الكراء والمأكل والملبس وسائر ضروريات الحياة إلى 100.000 درهم للسنة الواحدة. مع العلم أن الدراسة ستمتد لخمس سنوات يتخرج في نهايتها الطالب بدرجة الماستر. لقد عقد العزم على ذلك وإن اضطر لبيع البقعة الوحيدة التي يملكها بما جناه من مهنة المتاعب.

“كان شتنبر، فتقدمت للامتحان الكتابي لولوج المعهد؛ كنت في تمام ارتياحي، فكانت المفاجأة. أتعرفون ماهي؟! لقد حصلت على النقطة الأولى في الاختبار من بين كل من اجتازوه ومن ضمنهم أفارقة من عائلات مرموقة من دول شتى، فمُنحت الولوج بالمجان للمعهد، ودون دفع فلس واحد سأدرس السنوات الخمس منحة من المعهد وتشجيعا منه للمتفوقين؛ إذ درج على أن يقدم كل سنة منحا لمن تفوق في الاختبار بنسب مختلفة 100٪ / 50٪ /40٪ /20٪. بحسب الترتيب في نتيجة اختبار الولوج، وكنت الوحيد من بينهم الذي حصل على المنحة كاملة”.

أنهى الفتى الحالم لتوه السنة الثانية، وما تزال أمامه 3 سنوات، ويلازمه شعور لا يكاد يفارقه؛ أن الله قد عوضه حقا ما سلبه الخوف والضغط النفسي.

 

أدب-علوم:

تحكي الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعا كيف كانت ترمق البكالوريا منذ نعومة أظفارها؛ كانت تراها مراما سامقا، كانت في عينيها طودا يحجب كل ما بعده، وما نقش ذلك في ذاكرتها تعابير أهل بيتها التي زَيَّتْ ذلك الاستحقاق برداء الجلالة.

تقول: “أستاذي الأول كان أبي، ففي قاعة درسه تعلمت سنواتي الأولى، كنت رائدة الفصل دائما، جاءت السنة الثالثة إعدادي سريعا، كانت نقطتي في الجهوي (19.14)، فصار ذلك الطود الشامخ عندي سهلا هين الوطء، كنت أسمع عن فتيات وفتيان حصلوا على (16) في البكالوريا، فأقول والله لقد خانهم الحظ العاثر، لو أني مكانهم لاختلف الأمر تماما”.

كانت فتاتنا شغوفة جدا بالمطالعة، تطوي يومها تتقلب بين صفحات القصص والروايات، سابحة على أمواجٍ من خيال؛ كان نزوعها نحو الأدب بارزا كشمس في أصيل يوم ربيعي صحو هادئ؛ غير أن ما تعج به مجالس الناس بخصوص التوجه الأدبي: “هو ذاك الذي لا يركن إليه إلا الكسالى، مَنْ أفقهم اسَّوّى بالأرض؛ إن كنت سامي الهمة تروم من الأمور معاليها، مهندسا أو طبيبا أو حتى طيارا تريد أن تكون، فامتط صهوة العلوم ولتكن لغتك فيها الفرنسية” جعلها ذلك تختار، دون وعي، شعبة العلوم الفيزيائية، خيار فرنسية.

تقول: “حزت في الجذع المشترك على نقطة تجاوزت 18، وكانت السنة الأولى بكالوريا أروع ما عشته في مساري الدراسي؛ كنت أستمتع تماما وأنا أقبل على دروس المواد المقررة في الامتحان الجهوي (عربية، فرنسية فاجتماعيات وتربية إسلامية) حتى إني حصلت فيه على 19.40، فكنت بذلك الثانية وطنيا والأولى على مستوى الجهة، وصرت أبصر جهارا ميلي للأدب”.

ولجت البكالوريا وفي القلب رغبة ورهبة؛ رغبة في مزيد تألق، ورهبة من امتحان نهاية السنة الوطني ذي الثالوث العلمي المرعب، لقد غدت تعي أنها عاشقةُ أدبٍ حتى النخاع، بل وتتنفس أيضا أدبا، لقد ضلّت السبيل في توجهها، ولكن مع ذلك وضعت لنفسها تحديا لن تقف دونه، ستنصرف عن الأدب وتؤم وجهها شطر الرياضيات والفيزياء، صارت تراجع الدرس قبل الحصة ثم تقبل على شرح أستاذها بكامل تركيزها.

ولتصقل مهاراتها في الرياضيات، تدربت طويلا على فك ألغاز اختبارات الرياضيات تلك الخاصة بالعلوم الرياضية، وفعلا اجتازت الاختبارات الثلاثة للرياضيات في الدورة الثانية بالنقطة الكاملة، وبأقلّ منها شيئا يسيرا في مادة الفيزياء. لقد بدأت قناعاتها تتزحزح، فالمواد العلمية، وإن كانت لها في القلب جفوة، فببذل الجهد والصبر عليه ستنال فيها ما تريد.

تقول الفتاة: “وأخيرا جاءت سكرة الأيام الـ 15 الحاسمة قبل اختبار البكالوريا، وطُوِيَتْ صحف الدرس الحضوري، فبدأ القلق، مع كل ما بذلت، يعرف طريقه وئيدا إلى روعي. ومع طول البرنامج الدراسي وطّنت لنفسي برنامجا في التحضير مرهقا، لا أدري كيف احتملته، لم أكن آخذ لنفسي من حظ الراحة إلا أوقات الصلاة والأكل ولا أزيد، وكنت آخر من ينام في البيت وأول من يقوم، لقد عرفت لأول مرة أن للمنبه دورا. قتّرت على نفسي في النوم، وغاب عن رشدي أن الراحة الجسدية، كما النفسية، لها عظيم الأثر في التفوق الدراسي. وما جعلني أبتعد عن جادة الصواب أنني ليلة الامتحان لم أنم حتى منتصف الليل بل واستيقظت الخامسة فجرا، حمّلت نفسي فوق ما أطيق. ورغم أن امتحان الفيزياء ذي الثلاث ساعات لم يكن بالغ التعقيد فإني أحسست، وأنا في منتصف الاختبار، بتعب لم يمر عليّ مثله؛ لم أستطع معه نزالا ولا مقاومة، صرت كالسكرى لا أهتدي لفكرة مع أني أنجزت نظائر له شتى. انكسرت إرادتي على صخرة الإجهاد، اختلطت عليّ الأمور حتى إن فكرة أني أخطأت التوجيه تمثلت لي شبحا يعاقبني سوء اختياري. وتأكد لي الأمر في اليوم الموالي حين وقفت شبه عاجزة أمام الرياضيات لا لضعف معرفي مني، ولكن لإجهاد وحسرة تكتم على أنفاسي وتعصرني عصرا، فعل ذلك فعله في داخلي، وخاصة أنّي لم أنم الليلة التي قبلها، بتّ أتقلب في مرقدي. وما جعل شمس الحقيقة تسطع في وجهي أني اجتزت امتحان الفلسفة بعده في تمام الارتياح، وإن كنت لم أعطه من استعدادي إلا الوقت والجهد اليسير، لقد كانت نقطتي فيها 19.75”

بعد أيام من جلاء الاختبار مرت على الشابة وكأنها شهور، ظهرت النتيجة مدوية هادرة ذات صباح، لم تظفر بما كانت تطمح إليه؛ كان حلمها، وهي قمينة به، أن تكون الأولى وطنيا، أو تقاربه. لقد كانت تتطلع أن يتردد اسمها على صفحات الجرائد براقا، وعلى قنوات الأخبار الوطنية رنانا.

هي الآن أنهت السنة الأولى في المدرسة للعليا للأساتذة تخصص رياضيات، ولا تزال في قلبها أحلام لن تقف دونها، صارت رفوف غرفتها تنوء بكتب الأدب تطالع منها في كل حين، وتحمل منها أينما حلت وارتحلت.

 * صحافي متدرب




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...