عزيزة خرازي*: تمثل الأسر للبكالوريا مرتبط بالطبقة التي تنتمي إليها

أجرى الحوار: عثمان التقي**

 

  • كيف تتمثل الأسر المغربية شهادة الباكالوريا؟

بداية دعني أوضح مسألة في غاية الأهمية تتمثل في كون التمثل الاجتماعي مرتبط بالطبقة التي نتحدث من داخلها، بمعنى أن التمثل الذي تحمله طبقة اجتماعية لا تحمله بالضرورة طبقة اجتماعية أخرى داخل نفس المجتمع، ذلك أن التفاوتات الطبقية تؤثر في التمثلات التي يشكلها الأفراد حول موضوع معين.

وفق هذا الطرح شكلت شهادة الباكالوريا عند الطبقات الميسورة محطة من محطات الترقي الاجتماعي، فأسر هذه الطبقة لا ترضى بديلا عن الحصول على الباكالوريا، وبنقطة ممتازة تمكن التلميذ/ الطالب من ولوج أكبر المعاهد والمدارس العليا بما يتماشى مع وضعية الأسرة الاجتماعية، أما الطبقات الدنيا فقد ارتبط التعلم بصفة عامة بالوظيفة، أي أن الأوساط الشعبية الفقيرة تتمثل الحصول على الباكالوريا بمثابة جواز يمكن صاحبه من الحصول على عمل، وكأننا أمام معادلة رياضية كما ذهبت إلى ذلك نظرية القناتين في علم الاجتماع التربوي، التي تقول بأن أبناء الأغنياء يتجهون نحو تعليم ثانوي.عال SS، أما نظرائهم من أبناء الطبقة الفقيرة فيختارون، أو بالأحرى يجبرون على اختيار، طريق التعليم الابتدائي ـ المهني PP.

  • كيف تحولت شهادة البكالوريا من درجة علمية في الأوساط الشعبية الفقيرة إلى درجة ارتقاء في السلم الاجتماعي؟

الارتقاء الاجتماعي لا يتحقق في الأوساط بالشواهد إلا إذا فتحت هذه الشهادة الباب أمام حاملها للحصول على وظيفية، ذلك أن شهادة الباكالوريا لم تكن يوما آلية للتمكين الاجتماعي، إذا جاز أن نستعير  في سياقنا ـ هذا المفهوم من سيرج بوغام، داخل الأوساط الفقيرة، فالهدف الكامن وراء مسار الحصول على الباكالوريا ومدى نفعيتها رهين بآفاق سوق الشغل التي يمكن أن تفتحها.

  • علاقة بالسؤال السابق، كيف تحولت هذه الشهادة في الأوساط الاجتماعية الميسورة من درجة علمية إلى مظهر من مظاهر التباهي والوجاهة الاجتماعية؟

سبقت الإشارة في جواب السؤال الأول على أن شهادة الباكالوريا تشكل عند الطبقات الميسورة محطة من محطات الترقي الاجتماعي، والذي قد تشكل الوجاهة الاجتماعية والتباهي صورا من صوره، فالطبقات الميسورة تستثمر في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية من خلال العديد من المشاريع، ومن ذلك السهر على حصول أبنائها على أعلى الدرجات العلمية، حيث تعتبر هذه الأخيرة مجالا خصبا للتنافس والصراع بين أسر الطبقة الواحدة.

  • يقول بيير بورديو: «التوزيع اللامتكافئ للرأسمال اللساني ذو المردودية النسبية، بين مختلف الطبقات الاجتماعية يشكل إحدى التوسطات الخفية والتي تتأسس خلالها العلاقة بين الأصل الاجتماعي والنجاح المدرسي»، إلى أي حد تساهم المدرسة المغربية في إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي في التحصيل العلمي بين أبناء الطبقات الشعبية وأقرانهم المنحدرين من طبقات اجتماعية ميسورة؟

شكلت مقاربة بيير بورديو داخل علم الاجتماع التربوي مرجعا أساسيا لفهم التفاوتات المدسوسة داخل المدرسة بكافة مستوياتها، حيث أظهر أن المدرسة مجال لإعادة انتاج التفاوتات الطبقية عوض أن تكون مجالا لتكافؤ الفرص بين التلاميذ، كما أن المدرسة تشكل امتدادا لثقافة الأسر الميسورة وهذا أمر  نلاحظه كثيرا عند أبناء الطبقات الفقيرة الذي يقاومون الذهاب إلى المدرسة التي تفرض عليهم الانحلال من ثقافتهم واستدماج ثقافة من صنعوا المدرسة، لقد أوضح بورديو أن المدرسة آلية من آليات الحفاظ على مصالح الطبقة الغنية، من خلال عملية الانتقاء التي تمارسها، فهي لا تختار من التلاميذ سوى من يمكن أن يسير  في ركبها ويتبنى  ثقافتها، فالمدرسة ليست مجالا محايدا وإنما مجال لتكريس اللاتكافؤ وإعادة إنتاجه من وجهة نظر بيير بورديو.

  • شهدت مدينة اسفي انتحار تلميذة في السنة الثانية باكالوريا بعد تحرير محضر غش في حقها. كيف تفسرون سوسيولوجيا هذا الفعل الذي أقدمت عليه التلميذة وأمثالها كثر عبر تاريخ استحقاقات الامتحانات الإشهادية للباكالوريا؟ وكيف تفسرون الضغط الذي أصبحت تمارسه الأسر المغربية على أبنائها المترشحين لامتحانات الباكالوريا؟

تجدر الاشارة إلى أنها ليس المرة الأولى التي يقدم فيها تلميذ خلال امتحانات الباكالوريا أو بعد ظهورها على الانتحار، كما تجدر الإشارة إلى أن فعل الانتحار ليس مرتبطا بالرسوب أو بالحصول على نقطة سيئة، صحيح أن انتحار تلميذة آسفي جاء مقترنا بحالة الغش التي وقعت فيها، لكن التاريخ يذكرنا أن هناك من تحصل في السنوات الماضية على ميزة حسن وحسن جدا ومع ذلك أقدم على الانتحار.

لتفسير هذا الأمر  يمكن أن نعود إلى ما قدمه السوسيولوجي الفرنسي ايميل دوركهايم حول ظاهرة الانتحار، الذي ربط الانتحار بانحلال الروابط الاجتماعية، بمعنى أنه كلما ضعفت الروابط الاجتماعية التي تشد الفرد إلى محيطه الاجتماعي كلما كان أكثر عرضة للانتحار، فغياب الدعم  والحماية الاجتماعيين بعدم توفقها في اجتياز امتحانات الباكالوريا جعلها في وضعية هشاشة اجتماعية، ومن تم فهي تعيش وضعية فشل، ذلك أن الوسط الاجتماعي المغربي ربط الفشل في الحصول على الباكالوريا بالفشل في حياة الشاب، فيصبح بذلك هذا الأخير مقبلا على عدة مخاطر كالانتحار والهجرة، هروبا من الضغط الذي يمارسه المجتمع، الذي رسم نموذجا واحدا للنجاح تشكل الباكالوريا أولى محطات مساره.

 

 * الدكتورة عزيزة خرازي باحثة في علم الاجتماع ومنسقة مسار التميز في العمل الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بني ملال

** صحافي متدرب




شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...