– حسن الحافة –
يشغل البعض حاسوبه، فتسرع أنامل أصابعه لتدوين كلمة “فايس بوك ” على محرك البحث “غوغل”، ولأنه بالمجان فلا مانع أن يقضي أمامه يومه بالكامل. فكثيرون يعيشون شخصية أخرى، ويتكلمون خطابا ٱخر، ويأخدون صورا أمام السيارات الفارهة المركونة على قارعة الطريق، ويستنجدون بالمقالات الفلسفية ليظهروا للآخرين أنهم “مثقفين”.
في الفايسبوك تصبح “جيم” هي عملة التدول، و”البوك” هو جس النبض الموجه للطرف الآخر والذي يكون جنسه أنثى في غالب الأحيان، و”بلوكي ” هي وسيلة الطرد، أما إذا أراد أحدهم الإنتقام فيكفي إرسال تقرير للإدارة لتصبح من المغضوب عليهم.
في الفايسبوك، تجد ” المقدم “أصبح ثوريا يبحث عن العبارات الرنانة ويصف النظام بأبشع الصفات، وفي الصباح تجده ينتظر ” الباشا” ليقدم له ” الخبيرات “، مع تقديم فروض الولاء الصباحية.
في الفايسبوك، تصبح ” المومس” أشرف من الشرف، و لتزيد من إيمانها تضفي على ” بروفايلها” مسحة من الأدعية، ” أو ما فيها باس ” نقل شريط يصور عذاب النار و أهوال القبور، و في المساء، ترتدي الميني جيب و تنتظر تلفون من” القوادة” لعلها تجود عليها بزبون يدفع ثمن قناني البيرة المحتساة داخل “كباريه”.
في الفيسبوك تجد الوزير يفتح صفحة مزينة بعبارة ” لنتواصل مع الأخرين “، فيجعلها وسيلة لنقل أنشطة حزبه، و يختم عباراته ” الشعبوية ” بعبارة : نسهر على خدمتكم، وما إن يغلق ” المشقوف ” الذي بين يديه، حتى يذهب ليسهر في” بار” مرددا أغنية ” إيلا عطاك العاطي في الفايس غير شاطي”.
في الفايسبوك، تجد الفاعلة الجمعوية تصرخ بأعلى ” كومنتير” لديها أن تشغيل الأطفال جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون، ولا ضير في تزيين “البروفايل” بصور إبنها الصغير وهو يلعب في حديقة فيلاتها، كل هذا وهي جالسة في “الصالون” تحتسي قهوتها المقدمة من طرف خادمتها ذات العشر سنوات مع عبارة “فين كاس ديال الما الحمارة”.
في الفايسبوك، تجد النقابي يضع ” قبضة العمال” و يلعن الباطرونا و جشعها و ” باش إيكملها” ينادي بضرورة الوحدة، يدا في يد، و ما إن يخرج حتي يبيع ثقة العمال، و يغير قبضة العمال بقبضة الباطرون، و يبحث عن مكان يمضي فيه سهرة نهاية الأسبوع، و لا يهمه ذلك العامل ” واش معشي و لا لا”.
في الفيسبوك تجد الحقوقية تدق ناقوس الخطر، و تزين صورة حسابها بطفل يحمل “شكارة مقطعة” ، حافي الرجلين لا يجد مدرسة قريبا منه، فتعليمنا العمومي ” هازو الما ” و تنادي بضرورة عقد مناظرة، وإقالة الوزير ، و و و و … ، و ما إن يسدل الليل ستارته، حتى تتصل بإبنتها التي تدرس بفرنسا و تسألها هل إستلمت ” الحوالة” المالية، و هل الشقة التي تطل على برج إيفل تلائمها أم لا.
في الفايسبوك تكثر صفحات التمرد و “كلها يلغي بلغاه” ، فهذا جمهوري و الأخر لا ديني والأخرى متمردة ، و ما إن تسلط عليهم الأضواء حتى يبحثون عن أول حزب ” يكلوا فيه طرف ديال الخبز ” فالتمرد هو شعارهم نحو الرفاهية، و ما إن يقابلهم من كانوا يصرخون من أجل كرامته حتى تنطلق عبارة ” تفووا على بوزبال”.
في الفايسبوك يجلس البعض عشرات الساعات، يبحث في ” بروفايلات” الفتيات، يرسل لتلك طلب صداقة ، و لأخرى ” بوك” و ثالتة يكتب على حائطها ” لست كالأخرين “، و ما إن يجد أخته على “النت” حتى يرعد و يبدأ في الصراخ، و تكسير الأواني، فهو حلال عليه و هي حرام عليها، إنه ” سي السيد”.
في الفايسبوك تجد الكل أصبح يفهم في السياسة، في الحب، في الموسيقى، في الكرة، مع أنه لم يفتح أي كتاب طيلة حياته، الكل أصبح فيلسوفا، ألم يقولوا ذات يوم ” إنتظروا الحكمة من أفواه المجانين” ، إنهم فعلا ” ماكدبووووش.
في الفايسبوك تجد البعض يعرض مفاتنه، على الأقل ” لي ما شرا يتنزه “، في الفايسبوك ، يصبح الخمر حلالا، و التصاحيب ” جاري بيه العمل”، و” البلية” امتيازا، و مع ذلك تجدهم يذيلون حسابهم بجملة ” اللهم اغفر لنا”.
في الفايسبوك تجده يعطي محاضرات في أصول اضطهاد النساء، و يترأس جمعيات، ويحضر لقاءات، و يدعو إلى المناصفة الكاملة، و عندما يعود إلى منزله، تبدأ فرائص زوجته في الارتعاد ” كينشف ليها الما فالركابي “، فهو في البيت من أنصار ” المرأة ضلعة عوجة ما تقاد غير بالعصا”.
إنه الفايسبوك ، كل يرتدي قناعا يحاول أن يظهر به أمام الآخرين أنه الأفضل، ننافق من أجل منصب، أو لحظة حب، أو ليضغط الآخرون على ” جيم”، ومع كل ” جيم” يحس أن حيله انطلت عليهم …… لهذا هم ثاروا و اخترعوا “الفايس بوك” ، و من قبله أشياء كثيرة، ونحن لازلنا نجتهد في تلميع صورنا المهترئة .

