– جريدة المناضلة –
بعد تطبيق حكومة الملك الممثلة لمصالح أغنياء البلد لنظام المقايسة إعلانا رسميا للشروع في تصفية صندوق الموازنة. و سيقود هذا الهجوم حتما إلى الإضرار بالقدرة الشرائية لأغلبية الكادحين، حيث سينتج عنه ارتفاع أسعار مختلف الخدمات و السلع المرتبطة بالحاجيات الاستهلاكية الأساسية. و من أجل فهم أهداف تطبيق برنامج تحرير الأسعار و المصالح الاجتماعية التي يعبر عنها، سنحاول الجواب عن تسعة أسئلة أساسية كي نساعد على تحديد الموقف منه و أي محاور للنضال ضده و ما البديل أمام ما تطرحه حكومة الأغنياء. | |
السؤال الأول: ما هي المقايسة الجزئية لأسعار المنتجات البترولية؟ يعد القرار الحكومي الصادر في الجريدة الرسمية ل29 غشت الماضي المتعلق “بإحداث نظام للمقايسة الجزئية لأسعار بعض المحروقات السائلة” إعلانا رسميا للشروع في تطبيق تدريجي لحقيقة أسعار المنتجات البترولية و إلغاء دعمها. و يقتصر هذا القرار في الوقت الراهن على ثلاثة مواد هي الوقود الممتاز و الغازوال و الفيول الموجه للقطاع الصناعي، وتستثنى من القرار منتجان هما الفيول الموجه للمكتب الوطني للكهرباء(بهدف إنتاج الكهرباء) و غاز البوتان. تعني المقايسة تعديل الأسعار الداخلية في اليوم السادس عشر من كل شهر بناء على متوسط مؤشرات أسعارها في سوق المنتجات البترولية لروتردام خلال الشهران السابقان، و تراجع أسعار الاستهلاك الداخلية(سواء نحو الارتفاع أو الانخفاض) كلما تغير متوسط الأسعار في هذه السوق الدولية بنسبة 2,5%. تقصد الحكومة بالمقايسة بأنها جزئية بأن تطبيق حقيقة الأسعار لا تشمل في الوقت الراهن كل المنتجات البترولية و بأن جميع المنتجات ستظل تحتفظ بمستوى الدعم الحالي، كما تعني من جهة أخرى بأن المقايسة لن تطبق على الثلاثة مواد المذكورة إلا إذا فاق سعرها في السوق العالمية سقف السعر المدرج في قانون المالية لسنة 2013 و المتمثل في 105 دولار للبرميل. السؤال الثاني: هل سيتم تحرير الأسعار بدون إلغاء دعم المنتجات البترولية؟ بموازاة التحرير التدريجي لأسعار هذه المنتجات الثلاثة ستطبق الحكومة خفضا تدريجيا للدعم الموجه لها. فالمادة الرابعة من القرار المذكور تنص على صدور قرار وزاري في فاتح يناير من كل سنة يحدد مستوى الدعم الموجه للمواد الثلاثة المذكورة على أساس اعتمادات قانون المالية للسنة نفسها. و بما حكومة الأغنياء التزمت أمام صندوق النقد الدولي بتقليص هذه الاعتماد إلى الحدود القصوى في المدى المتوسط، فمن المتوقع أن يعرف دعم هذه المواد تقليصا سنويا تدريجيا. إذن بعد أن وضعت الدولة منذ أمد بعيد هدف تصفية هذا الدعم ضمن أولياتها، ها هي تشرع حاليا في إلغاء دعم صندوق الموازنة الموجه للمواد البترولية حيث لن يستثني مستقبلا غاز البوتان والفيول الموجه للمكتب الوطني للكهرباء. وبعدما تنتهي من قائمة المنتجات البترولية ستنتقل إلى إلغاء ما تبقى من المواد الاستهلاكية الأخرى أو على الأقل ستلجأ إلى تقليصها في أفق إلغائها بالكامل. و ستتوقف وتيرة هذا الهجوم على مدى الاستعداد الشعبي للرد عليه بنضال دفاعي و ما إن كان منظما و طويل النفس أو ما إن عرف انخراط النقابات. و هذا يسميه صندوق النقد الدولي بالخطر السياسي المهدد للإصلاح. السؤال الثالث: مرة أخرى هل الأغنياء هم الذين يستفيدون من دعم المنتجات البترولية؟ سبق أن ناقشنا في أعداد سابقة تفاهة هذا الطرح و أتبثنا أن الفقراء على العكس هم الذين يوجه إليهم معظم دعم صندوق الموازنة لأنهم بكل بساطة يشكلون أغلبية المستهلكين. إن اختيار سيناريو الإلغاء التدريجي لنظام الدعم يكشف زيف الأطروحة الرسمية التي طالما روجتها الحكومة و المنابر الإعلامية الليبرالية و القائلة بأن دعم المواد البترولية لا يستفيد منه أساسا إلا الأغنياء. و الغريب في الأمر أنها الآن تقر بأن الزيادة الأخيرة في أسعار المنتجات البترولية ستضر بمصالح الفقراء، لذلك أسرعت بمطالبة أرباب وسائل النقل و أرباب المخابز و نقابة أرباب المقاولات كي لا يطبقوا بشكل أوتوماتيكي الزيادة المترتبة عن ارتفاع تكلفة الخدمات و البضائع التي تسبب فيها رفع أسعار المنتجات البترولية الثلاثة مقابل الوعد بالتعويض ذلك. إن اعتراف الحكومة بأن تطبيق حقيقة أسعار المنتجات البترولية حتى و لو كان تدريجيا سيأثر على القدرة الشرائية لغالبية المستهلكين يعني أن خيار التحرير ليس مسألة تقنية بل خيار سياسي يخدم طبقة الأغنياء سنتطرق إليه في الأجوبة عن الأسئلة الموالية. السؤال الرابع: هل تكلفة دعم المنتجات البترولية تفاقم فعلا عجز الميزانية؟ وجهت الدعاية الحكومية الرسمية الأنظار في السنوات الأخيرة صوب الدعم الموجه للمنتجات البترولية كأحد المصادر الأساسية المتسببة في تفاقم عجز الميزانية. و يقدم التراجع عن دعم صندوق الموازنة كعلاج وقائي لتفادي “انهيار اقتصاد البلاد” و “كي لا تنهار الدولة”. و في مسعاه لإضفاء بعض المصداقية على خطابه يعتمد مروجو هذه الدعاية على ارتفاع حجم الدعم في السنتين الأخيرتين دون غيرهما اللتان عرفتا ارتفاعا فعليا لتكلفة الدعم حيث فاقت 44 مليار درهم في السنة، أي أكثر من 5% من الناتج الداخلي الخام لتمثل قرابة 90% من ميزانية الاستثمار. أرقام قد تبدو لأول وهلة كافية لجعل المرء يسلم بجدوى البرنامج الحكومي الرامي لإلغاء تدريجي لنظام الدعم و تطبيق حقيقة أسعار المنتجات البترولية، خاصة وأن الخطاب الرسمي يضيف أن لا جدوى اقتصادية وراء وجود دعم هذه المنتجات لأن الأغنياء أساسا هم الذين يستفيدون منه. نجح الخطاب الرسمي في إضفاء بعض الرواج لأطروحته استنادا على خدعتين أساسيتين: الخدعة الأولى: يلجأ ممثلو الحكومة و الصحافة التابعة لها إلى التركيز على حجم دعم المنتجات البترولية لسنة واحدة أو سنتان في الوقت الذي يفترض في كل دراسة موضوعية أن تحسب متوسط الدعم لفترة زمنية ممتدة نسبيا. فعلى سبيل المثال تبرز الصحافة في المقدمة تكلفة الدعم للسنتان السابقتان حيث فاق حجم الدعم 44 مليار في السنة، في حين لا تتكلم عن سنة 2009 التي لم يبلغ حجم الدعم سوى 7 مليار درهم. أضف إلى ذلك أن الدعاية الحكومية لا تتحدث عن سنوات ما قبل سنة 2000 حيث كان صندوق الدعم لا يقدم تقريبا أي دعم للمنتجات البترولية، بل كانت الدولة على العكس تحصل على مداخيل مالية هامة من خلال مختلف الضرائب و الرسوم المفروضة على مختلف هذه المنتجات. إن صندوق النقد الدولي نفسه(في تقريره الأخير) حصر معدل دعم المنتجات البترولية خلال السبعة سنوات الأخيرة في 2,5% فقط من الناتج الداخلي الخام، في حين أن الدعاية الحكومية تركز على معدل يفوق 5% الذي لا يعد غير معدل السنتان الأخيرتان. الخدعة الثانية: كي تتمكن الحكومة من خداع الشعب و إقناعه بلا جدوى التشبث بنظام الدعم تلجأ إلى خدعة ثانية. فهي تدمج في تكلفة حجم الدعم مختلف الضرائب و الرسوم المفروضة على المحروقات و التي لا يتحملها في نهاية المطاف إلا المستهلكون، وهي الضريبة الداخلية على الاستهلاك و الضريبة على القيمة المضافة و الرسوم الجمركية و رسوم مينائية متنوعة و جميعها تدخل في سعر تكلفة المواد المذكورة. فإذا لم نحتسب الرسوم الداخلية على الاستهلاك لوحدها، فإن مجموع دعم المنتجات البترولية لا يتجاوز في المتوسط خلال الستة سنوات الفارطة 12 مليار درهم، و هو رقم بعيد جدا من ذلك الذي تركز عليه الدعاية الرسمية(أي مبلغ يفوق 44 مليار درهم). إن الحكومة إذن لا تتحدث إلا عن الدعم الخام في حين تتغاضى عن الأموال التي تأخذها من جيوب المستهلكين على شكل ضرائب و رسوم. يجب إذن معرفة الدعم الصافي، أي حجم الدعم الذي تقدمه الدولة باليد اليمنى و مبلغ ما تأخذه من أموال باليد اليسرى عن طريق النظام الضريبي المفروض على المنتجات البترولية. إن الفارق بين ما يقدم للمستهلكين و ما يأخذ منهم هو الذي يحدد بدقة الحجم الفعلي للدعم المقدم من قبل صندوق الموازنة. و في تقريره الأخيرة المدرج في سياق اتفاق “خط الوقاية و السيولة” و الذي وافق عليه في بداية غشت من سنة 2012 اعترف صندوق النقد الدولي نفسه بأن حجم هذا الدعم الفعلي ضئيل جدا رغم أنه يدعي في نفس التقرير، بشكل متناقض، بأن حجم الدعم الموجه للمواد البترولية يعد مصدرا أساسيا لعجز الخزينة. يقر صندوق النقد الدولي بأن الضريبة على القيمة المضافة و الضرائب غير المباشرة المفروضة على استهلاك المنتجات الطاقية تعوض جزئيا التكلفة الخام لنظام الدعم “إن المبلغ الخام لدعم المنتجات البترولية يمثل حوالي 2,5% من الناتج الداخلي الخام في المتوسط و ذلك منذ 2005، لكن إذا خصمنا منه المداخيل الضريبية التي تحصل عليها الدولة، فإننا نجد أن هذا الدعم لا يمثل غير 0,1% في المتوسط”(راجع الصفحة 17 من التقرير). اسمعوا… الدعم الفعلي هو 0,1% في المتوسط و ليس أكثر من 5% من الناتج الداخلي الخام سنويا. و الآن من يجرؤ على تكرار هذه الخدعة المكشوفة و القائلة بأن دعم المنتجات البترولية مصدر أساسي لارتفاع عجز الميزانية؟ السؤال الخامس: ألا يعد تطبيق نظام المقايسة خضوعا لإملاءات صندوق النقد الدولي؟ يعد التحرير التدريجي لأسعار المنتجات البترولية تطبيقا حرفيا لتوجيهات صندوق النقد الدولي و خضوعا لشرط أساسي من شروطه و المتمثل في تقليص تكلفة الدعم إلى 3% في أفق 2016 و ذلك بهدف الحد من عجز الميزانية. ولبلوغ هذا الهدف الأخير لا يكتفي صندوق النقد باشتراط خفض دعم صندوق الموازنة، بل يشترط خفض كثلة الأجور عبر وضع نظام للأجور مبني على المردودية و عدم تعويض المحالين على التقاعد. كما ألزم الحكومة من جهة أخرى بالإسراع بتطبيق خفض معاشات متقاعدي الوظيفة العمومية. كل هذا ليس جديدا، لأن البنك العالمي يشرف على تنفيذ إصلاحات قطاعية هيكلية عدة مند عقود وقطع أشواطا متقدمة في جلها. الجديد في الأمر هو أن مستوى التبعية السياسية لصندوق النقد الدولي أصبحت بالغة الحدة بفضل لجوء الدولة إلى الاقتراض من الصندوق عبر ما ينعت “بخط الوقاية و السيولة”. فصندوق النقد الدولي يتصرف كوصي على السياسة الاقتصادية و الاجتماعية للحكومة عبر التحكم في المؤشرات الماكرو اقتصادية الأساسية. فخلال الزيارات التفتيشية التي يقوم بها خبراء الصندوق كل ستة أشهر مخصصة لإفتحاص مدا التزام الحكومة بتنفيذ توصيات الصندوق الواردة في اتفاقية الاقتراض المذكورة، و بالأخص احترام ما يسمى بالمؤشرات الرقمية المرجعية في آجال زمنية محددة بدقة، أي أسقفا محددة لكل من عجز الميزانية و احتياطي العملات لبنك المغرب. فعلى سبيل المثال، خلال الزيارة التفتيشية الأولى جرى الافتحاص على أساس سقف عجز الميزانية المحددة في آجال 30 أكتوبر 2012، حيث لا ينبغي أن تتجاوز 55 مليار درهم. أما خلال الزيارة التفتيشية الثانية فيتم الافتحاص على أساس التزام أن لا يتجاوز سقف عجز الميزانية إلى حدود 30 ابريل 2013 مستوى أكثر من 18 مليار درهم. أما خلال الزيارة التفتيشية الثالثة التي ستتم في بداية فبراير 2014 فسيفحص صندوق النقد مدى الالتزام باحترام سقف عجز الميزانية المحدد خلال الزيارة التفتيشية الثانية وسيكون قد حدده في سقف يقل عن 18 مليار درهم بكل تأكيد(راجع جدول دليل المؤشرات الرقمية المرجعية في الصفحة 54 من تقرير صندوق النقد الدولي). لا حضوا كيف فرض صندوق النقد الدولي في مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز ستة أشهر تقليص عجز الميزانية من 41 مليار درهم إلى 18 مليار درهم فقط. أي خفض قياسي بنسبة كبيرة جدا. و في هذا السياق يندرج رفع الحكومة لأسعار المنتجات البترولية الثلاثة المذكورة في يونيو من السنة الماضية، حيث رفعت أسعار الغازوال و الفيول بنسبة تفوق 30% ، مقابل نسبة 15% للبنزين. و في يوليوز من نفس السنة ألغي دعم الغازوال الذي كان يستفيد منه قطاع الصيد البحري. و في هذا السياق أيضا يندرج اقتطاعها ل15 مليار درهم من ميزانية الاستثمار. إن برامج الإصلاحات الحالية التي تطبقها الحكومة بالتدريج منذ عقود أصبحت تخضع لرقابة مباشرة من قبل صندوق النقد الدولي الذي يعمل على تسريع وتيرتها بوضع أسقف محددة بدقة وفق جدولة زمنية ينبغي على الحكومة التقيد بها. السؤال السادس: ما دور البنك العالمي في إصلاح قطاع المنتجات البترولية و قطاع الطاقة بأكمله؟ ليس تحرير أسعار المنتجات البترولية و العزم على التصفية النهائية للدعم الذي يوجهه لها صندوق الموازنة غير استكمال لتحرير قطاع الطاقة و ضمنه قطاع المنتجات البترولية و اللذان أشرف على تنفيذهما البنك العالمي مند مطلع الثمانينات. لقد نجح البنك العالمي في تنفيذ مختلف برامجه الموجهة للمغرب و الواردة في برنامجين يسمى الأول “برنامج المساعدة في تدبير قطاع الطاقة” الصادر مند أواسط الثمانينات في عدة طبعات، فيما يدعى البرنامج الثاني ب”سياسة تنمية قطاع الطاقة” و الصادر في سنة 2007. و تكشف هذه الوثائق مدى انصياع النظام الحاكم لمختلف مكونات برنامج تحرير قطاع الطاقة، كما تدل على تبعية سياسية مطلقة لهذا الأخير. لقد جرى خوصصة قطاع استراتيجي في مختلف حلقاته بدأ ببيع شركتي تكرير البترول لصالح الرأسمال السعودي و تفويت عدة شركات عمومية لتوزيع البترول لصالح الشركات البترولية العالمية المتعددة الجنسية وصولا إلى تفويت المحطات الحرارية لإنتاج الكهرباء لصالح الرأسمال الأجنبي و التدبير المفوض لشبكة توزيع الكهرباء بأهم المدن الكبرى. و من أجل استكمال برنامج التحرير هذا كان لا بد من إلغاء تقنين الدولة لأسعار الرسمية للمنتجات البترولية. و في هذا السياق ليس تطبيق حقيقة الأسعار عبر ما ينعت بنظام المقايسة غير حلقة أخيرة من مسلسل خوصصة وتحرير قطاع الطاقة بأكمله الذي فرضه البنك العالمي. السؤال السابع: ماذا نستفيد من عرض تاريخ علاقة صندوق الموازنة بدعم أسعار المنتجات البترولية؟ طوال عقود من وجوده لم يكن صندوق الموازنة يدعم المنتجات البترولية، بل على العكس ظلت هذه المنتجات لمدة طويلة و لازالت تدر على خزينة الدولة مداخيل مالية هامة عن طريق ضريبتين أساسيتين هما الضريبة الداخلية على الاستهلاك و الضريبة على القيمة المضافة، هذا دون احتساب الاقتطاعات الجمركية و رسوم مينائية. كان حجم الاقتطاعات الضريبية المفروضة على المنتجات البترولية كبيرا، بحيث كانت توازي قرابة نصف مبلغ سعر البيع العمومي. و بما أن هذه الاقتطاعات هي غير مباشرة، فإن من كان يتحملها في نهاية المطاف هم المستهلكون الذين يشكل الفقراء أغلبيتهم. و استمرت الدولة في فرض هذه الاقتطاعات الضريبية حتى في أوج الارتفاع الحاد لأسعار المنتجات البترولية. ففي سنة 2011 شكلت الضرائب المفروضة على المحروقات حوالي نصف المبالغ المرصودة لدعمها. و قد لاحظنا أنه كلما ارتفعت الأسعار، إلا وارتفع حجم المداخيل الضريبة التي تحصل عليها الدولة، لأن نفس المعدلات الضريبية تفرض على أسعار تتجه دوما نحو الارتفاع. و الغريب في الأمر أن الدولة و في عز الاتجاه التصاعدي لأسعار المنتجات البترولية لم تلجأ إلى خفض المعدلات الضريبية المفروضة على المستهلكين، بل على العكس زادت من حدة الضغط الضريبي عليهم بأن رفعت في سنة 2010 معدل الضريبة على القيمة المضافة من 7% إلى 10% دفعة واحدة. لكن لماذا ألغت الدولة العمل بنظام تحرير أسعار المنتجات البترولية(طبقت الدولة نظام المقايسة في 1995 و الغت العمل به في سنة 2000) بعد أن طبقته لفترة خمس سنوات و استبدلته بنظام مناقض له؟ ماذا يعكس هذا التدبدب بين سياستان مناقضتان لسعار المنتجات البترولية؟ و أية مصالح اجتماعية يعبران عنها؟ حين طبقت الدولة نظام المقايسة لأول مرة في 1995 كانت أسعار المنتجات البترولية لم تشهد بعد المنحى التصاعدي الحالي نحو الارتفاع، في حين كانت الأسعار المحلية أكثر ارتفاعا من الأسعار المتداولة في السوق العالمية. آنذاك التقت مصلحة كل من شركات توزيع البترول المحلية(أغلبها متعددة الجنسية) و ممثلي أرباب المقاولات المحليين، و بالأخص المرتبطين بالتصدير، من أجل تطبيق نظام المقايسة. تكمن مصلحة الطرفان في تطبيق حقيقة الأسعار. لكن بينما تسعى شركات توزيع البترول من خلالها لكسر احتكار معمل سامير عبر خفض الرسوم الجمركية على واردات البترول المصفى ، فإن مصلحة المقاولات تكمن في خفض تكاليف إنتاجها. أما حين اتجهت الأسعار العالمية للبترول نحو الارتفاع فإن تطبيق نظام المقايسة لم يعد يلاءم مصلحة أرباب المقاولات، إذ يؤدي إلى رفع تكلفة الطاقة و يضر بتنافسية صادراتهم. لذا تدخلت الدولة لتعلق العمل بنظام المقايسة في سنة 2000 و لتعيد العمل بنظام دعم المنتجات البترولية كي تضمن للمصدرين خفض تكلفة الطاقة أمام ارتفاعها في السوق العالمية. أما شركات توزيع البترول فإنها ظلت على موقفها بتحرير شامل لأسعار البترول، وبالأخص إلغاء التعريفة الجمركية المطبقة على واردات البترول المصفى، فذلك يتيح لها جلب البترول من شركاتها الأم بتكلفة أدنى من تلك التي تفرضها سامير. السؤال الثامن: كيف ترحل مداخيل قطاع الطاقة إلى بلدان الشمال و الخليج؟ أدى برنامج تحرير قطاع الطاقة إلى سيطرة الرأسمال الأجنبي على المداخيل المالية التي كانت الدولة تجنيها من استيراد و تكرير البترول و توزيع مواده و إنتاج الطاقة الكهربائية و توزيعها. فالرأسمال السعودي “كورال” يحقق سنويا أرباحا تتراوح ما بين مليار درهم و 2 مليار درهم. و رغم أن باقي المجموعات المتدخلة بالقطاع لا تعلن عن أرباحها، إلا أنها تحتل مراتب جد متقدمة ضمن 500 مقاولة الأولى من حيث رقم أعمالها. فبعد ظرف وجيز من مسلسل التحرير و الخوصصة توجد حاليا خمسة مجموعات مستثمرة في قطاع الطاقة ضمن 15 مقاولة الأولى بالبلاد. ويدل ذلك على أهمية المداخيل المالية التي تجنيها هذه الشركات التي تعتبر في معظمها ذات رأسمال أجنبي. فضمن 500 مقاولة الأولى تحتل “سامير” المرتبة الثانية و “شيل” المرتبة الثامنة و “طوطال” المرتبة العاشرة و مجموعة ABB/CMC لإنتاج الكهرباء بالجرف الأصفر المرتبة الخامسة عشرة. و ما يلفت الانتباه أن الرأسمال المحلي استفاد بدوره من عملية التحرير و إن ظل يحتفظ بأدوار جزئية. فمجموعة “أفريقيا” لعائلة أخنوش أصبحت بفضل برنامج تفكيك قطاع الطاقة العمومي ضمن الخمسة مجموعات رأسمالية الأولى بالبلاد و أول مجموعة في قطاع توزيع المنتجات البترولية بعد أن تقدمت في السنوات الأخيرة على “شيل” و “طوطال”. إن الموقع الذي باتت تحتله مجموعة “أفريقيا” نموذج لمصالح الرأسمال الكبير المحلي و كيف يربط مصيره الاقتصادي بمصالح الرأسمال الأجنبي. و هذا ما يفسر انصياعه لمخططات البنك العالمي و دفاعه المحموم عن إلغاء دعم أسعار المنتجات البترولية. السؤال التاسع: كيف سنواجه مخطط تحرير الأسعار و إلغاء صندوق الموازنة؟ يفرض الدفاع عن القدرة الشرائية لأغلبية الجماهير الدفاع عن محورين أساسين للنضال: أولا: النضال من أجل استعادة سيادة بلدنا على قطاع الطاقة، و ذلك بفرض التراجع عن خوصصة و تحريره وذلك بتأميم الشركات المتدخلة في القطاع سواء على صعيد تكرير البترول و توزيعه أو على مستوى إنتاج الطاقة الكهربائية و توزيعها و وضع هذه الشركات تحت الرقابة العمالية و الشعبية. ثانيا: النضال من أجل الحفاظ على دور صندوق الموازنة في دعم أسعار المنتجات البترولية، غير أنه يجب أن يكون مترافقا مع أدوات أخرى للحفاظ على القدرة الشرائية و في مقدمتها تطبيق مبدأ السلم المتحرك للأجور. ———————————- المراجع المعتمد عليها في إنجاز الأجوبة:
حـمـزة | |


